هل يمكن ان تفترق المصالح الروسية والايرانية في سوريا ؟!


 

لقد عقدت محادثات جنيڤ ٨ السورية أواخر الشهر الماضي وقد وصلت أعماله الى طريق مسدود منذ اللحظة الاولى . ظاهرياً يعود ذلك الى تباعد المواقف التي يتبناها النظام من جهة والمعارضة من جهة اخرى فضلاً عن التشققات في جدار مواقف المعارضة والتي عبرت عن نفسها بأجلى صورة في استقالات رئيس وعدد كبير من اللجنة العليا للمفاوضات في وقت سابق .

ألقضية في تقديري تتجاوز المواقف الوطنية التي لم تعد موجودة اصلاً . يرتبط النظام اجبارياً باستراتيجيات الاطراف الداعمة له مثل روسيا وايران كما ترتبط المعارضة بالأطراف الدولية والإقليمية المختلفة بعد ان تم استيعابها وابتلاعها في داخل ستراتيجيات هذه الدول الداعمة لها اضافة الى انتشار فصائل التطرّف الاسلامي بين صفوفها . في ذات الوقت فان مواقف الدول الفاعلة تبدو متناقضة ومتباعدة من الناحية الستراتيجية .

لقد تراجعت طموحات بعض الاطراف الى مجرد اجراءات وقائية تتعلق بأمنها المباشر مثل تركيا ، واُخرى ألقت بكامل بيضها في السلة الامريكية باعتبار ان القضية برمتها صارت جزءاً من تفاصيل مواجهة امريكية – إيرانية يكثر الحديث فيها دون وقائع ملموسة على الارض ومن هؤلاء الخليجيون من محور السعودية ، واخرون نفضوا أيديهم من الموضوع برمته مثل قطر باستثناء تمويل بعض أطراف المعارضة السياسية . اما الاْردن فانه يتحرك وفق متطلبات الموقفين الامريكي والبريطاني ومحاولة احتواء أزمة اللاجئين التي تشكل عبئاً على اقتصاد منهك اصلاً . لكن دولة مثل ايران تعتبر الوضع السياسي السوري النهائي جزء من أمنها الوطني وستراتيجياتها العامة ، وهي مستعدة لبذل الكثير في سبيل تحقيق أهدافها واهمها هو الهدف العام الذي يشغل كل مساعيها في الاقليم وهو تحويل الأقليات الشيعية المنتشرة في دول المنطقة الى كيانات قوية ممولة ومسلحة ، مع العمل على اعطائها مركزاً رسمياً في اي تسوية لاوضاع دول المنطقة وخاصة العراق وسوريا ولبنان واليمن وأي قطر خليجي او عربي اخر اضافة الى تأمين الطريق طهران – دمشق – اللاذقية وبيروت . مقابل ذلك تتحرك روسيا وفق رؤيا مختلفة ؛ انها تسعى لاقرار نفوذ متزايد في سوريا والإقليم من خلال اتفاقات رسمية مع حكومات مقتدرة ؛ في الشأن السوري هي ليست بعيدة عن هذا الهدف ، لها فيها مصالح ذات طبيعة ستراتيجية مثل ضمان عدم تأسيس نظام إسلامي سني في دمشق وعدم السماح ايضاً بتفرد هيمنة طائفة بعينها وفي هذا الصدد تواجهها مشكلة من البديل الذي يمكن ان يخلف الأسد ؟! ومن الواضح انها لاتشتري مايجري الحديث عنه من تأسيس نظام ديمقراطي تعددي في بيئة مشبعة بالثارات والمشكلات الاقتصادية واعادة اعمار بلد تم تخريبه بالكامل . هنالك اذاً فرصة الوجود القوي في المنطقة من خلال القواعد البحرية والجوية التي لاتستطيع الاستغناء عنها . هذه جميعاً اهداف تتطلب حكماً قوياً يؤمن قدراً من الاستقرار ولذلك فهي تعتبر الحديث الذي تتمسك به المعارضة عن رحيل الأسد سابق لأوانه وتسعى الى تعميم تجربة مناطق خفض التصعيد على امِل ان تصبح شاملة بخطوات وئيدة .

الولايات المتحدة انجزت معظم أهدافها . تم اخراج سوريا كبلد من معادلة الصراع مع اسرائيل سواء من حيث القدرات الكامنة او ماكانت تمتلكه فعلاً من سلاح وجيش وعتاد كيمياوي شكل شاغلاً مهماً بالنسبة لاسرائيل . الوجود الروسي لايمثل تهديداً بحد ذاته للمصالح الامريكية خاصة وانه لم يشكل جزءاً من ستراتيجية شاملة للهيمنة الروسية على المنطقة تتجاوز حدود الحضور في مناطق لاتمثل حساسية خاصة لان تجاوز ذلك يشكل مهمة تفوق إمكانات روسيا الحالية ، وفي ذات الوقت فان مثل هذا الوجود الروسي في سوريا وتأمين قاعدة بحرية دائمة يجعلها اقل ميلاً للمشاكسة . لكن هذا الوجود في حاجة الى مراقبة عن كثب ومن هنا ينبع الاهتمام الامريكي الحالي بعد ان تحقق تدمير سوريا وبعد ان انسحبت امريكا من الموضوع الكردي بشكل مؤقت . كلا القوتين تهتمان بآمن اسرائيل ويُعتقد ان اسرائيل تقوم بدور تنسيقي مهم بين الطرفين . لذا من المهم الانتباه الى الموقف الروسي المعلن والمتضمن اخلاء سوريا من قوات اجنبية غير نظامية في سوريا مابعد التسوية وهنا قد تبدأ نقطة الافتراق بين الموقفين الايراني والروسي وهو افتراض يتم التعويل عليه امريكياً .

باختصار يمكن القول ان المشكلة السورية ذات رؤوس متعددة وتتشابك فيها المصالح والاستراتيجيات ، تتناقض في اغلب الاحيان ، وتجد مساحات مشتركة في بعضها . يغيب البعد الوطني في هذه المشكلة شيئاً فشيئاً والمهتمون الأساسيون لم يحققوا اهدافهم بشكل كامل . فشلت حتى الان جميع جولات المباحثات رغم تعدد الرعاة الدوليين بسبب هذا الأفق المسدود ويبدو ان عناصر نزاع جديدة تدخل الميدان حالياً وخاصة بين ايران واسرائيل حيث اقتربت حدود النفوذ الاقليمي من بعضها بشكل يثير قلق الطرفين ، ولذلك فقد نشهد تصعيداً بثوب جديد بين وكلاء الطرفين ، والحساب يدفعه الشعب السوري .

كاتب المقال الذي أقدمه هو اليكس ڤاتانكا وهو خبير باحث في معهد الشرق الاوسط في واشنطن ويعد من خيرة الباحثين في الشأن الايراني وقضايا الشرق الاوسط ونشر مقالته في مجلة فورين افيرز الامريكية بعددها الصادر يوم التاسع والعشرين من شهر ت٢ / نوڤمبر الماضي .

لنتابع ….

تنعقد اليوم في جنيڤ { كتب المقال يوم انعقاد مؤتمر جنيڤ ٨ } اخر جولة من حيث التسلسل لمحادثات السلام السورية برعاية اممية والهدف هو إنجاز تسوية سياسية بين الرئيس الأسد ومختلف الفصائل المعارضة المسلحة . تسوية من شانها انهاء الحرب الأهلية الدائرة منذ سنوات هناك .

تأتي محادثات جنيڤ هذه بعد جولة سبقتها في سوشي الروسية في الثاني والعشرين من ت٢/ نوڤمبر الماضي ، وقد ضمت من تبقى من أطراف رئيسية في الصراع مثل ايران وتركيا وروسيا ؛ كان يؤمل لمحادثات سوشي ان تكون نقطة تحول في مستقبِّل سوريا والصراع الدائر فيها . وكانت آيران الاكثر املاً في ان تسفر محادثات سوشي عن نتيجة واضحة في المحادثات . لكن المفاجئة ان المحادثات اظهرت شرخاً بين الداعمين الدوليين الرئيسيين للاسد ، روسيا وايران ، وشرخاً ايرانياً في الموقف من الصراع السوري داخل ايران نفسها بين الحكومة المدنية التي يرأسها السيد روحاني من جهة وقيادة الحرس الثوري من جهة ثانية .

لقد نجح الحرس السوري الايراني على مدى سنوات الصراع السوري في تأسيس وجود قوي في سوريا من خلال المليشيات والوكلاء المحليين ، وهو حريص على المحافظة على مكاسبه هناك في وجه محاولات أعاقته من قبل اسرائيل والسعودية والولايات المتحدة . هذا الموقف الذي يتمتع به الحرس قد يوصله الى نقطة الصدام مع الروس وبقية اللاعبين بضمنهم الرئيس روحاني الذي يبدي انفتاحاً للقبول بتسوية سياسية متعددة الاطراف من اجل انهاء الحرب السورية . تنبع احتمالات الصدام من حقيقة ان الحرس يبذل مساعيه ليس فقط من اجل الحفاظ على النفوذ الايراني في سوريا ولكنه يعمل على اعادة صياغة المليشيات السورية المتحالفة معه الى هيئة مؤسسية سياسية – عسكرية في سوريا مابعد الحرب الأهلية وتكون هذه الهيئة وفق النموذج الذي يمثله الحرس نفسه بحيث تكون قادرة على ان تلعب ذات الدور الذي يلعبه حزب الله في لبنان .

شكوك في سوشي

في الظاهر توافق كل من الايرانيين والروس والاتراك في سوشي على نقطة رئيسية : ان على جميع الاطراف احترام وحدة الاراضي السورية . لقد تم بحث موضوعات اخرى مثل مواصلة تعزيز عدم التصعيد في المناطق التي تم الاتفاق عليها في آستانة في مايو/ مايس الماضي . لقد كانت قمة سوشي تتويجاً للشراكة التركية – الروسية – الايرانية ف سوريا .

تتزايد الشكوك في طهران بشأن النوايا التركية والروسية في سوريا . مما يزعج الايرانيين ويثير اعتراضهم هو التوجه الروسي نحو العمل مع مختلف الاطراف في المنطقة . ان روسيا هي الوحيدة من بين أطراف سوشي التي لديها روابط قوية وحوار متواصل مع جميع دول المنطقة المهتمة بالمستقبل السوري مثل الولايات المتحدة واسرائيل ودوّل الخليج ” الفارسي ” . هذا يثير قلق ايران من ان تجري التسويات على حسابها .

قبل يومين من قمة سوشي ، على سبيل المثال ، عقد الرئيس الروسي پوتين اجتماعاً دام اربع ساعات مع الرئيس الأسد الذي قدم الى المدينة لإجراء مشاورات مع الرئيس الروسي . لقد نشرت الصحافة الايرانية ان ايران لم تكن على علم مسبق بالزيارة . ان ما اثار حفيظة ايران بشكل اكبر هو قيام الرئيس الروسي بإيجاز الرئيس ترامپ حول الخطط والنوايا الروسية قبيل انعقاد المؤتمر . لقد فهم الايرانيون هذا الإيجاز الروسي هو محاولة روسية لتهدئة الموقف الامريكي الذي عارض آية تسوية من شانها مأسسة الوجود الايراني في سوريا . يعرف الايرانيون عن حق ان آية محاولة لتهدئة الموقف الامريكي ستكون على حساب نفوذ ايران ومصالحها في سوريا مابعد الحرب .

من غير المستغرب ملاحظة ان الحرس الثوري قد بدأ بعد قمة سوشي مباشرة عملية زيادة اعداد وقدرة المليشيات الموالية له في سوريا على الانتشار وإدامتها . ان عرض القوة الصلبة هذا يستهدف بالشك جمهوراً معيناً من المشاهدين من بينهم السيد پوتين ومستشاريه .

من الواضح ان موسكو تستعد لان تصبح صانعة الملك كهدف دبلوماسي اعلى في سوريا في هذه الأيام التي قد تكون الاخيرة في الصراع . ازاء ذلك فان جنرالات الحرس الثوري الايراني يريدون تذكير جميع الاطراف بضمنهم الأسد والروس بحضورهم ونفوذهم في سوريا ، وكما تطمح ايران لزيادة وجوده واهميتها في سوريا مابعد الحرب فان متشددي الحرس يتوقعون ان تؤتي سنوات استثمارهم في سوريا والمليشيات العربية الاخرى الموالية لهم بأُكلها .

الدبلوماسية لاتجدي

ان راس الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري كان واضحاً على الدوام بشأن نواياه لزيادة حجم المليشيات الموالية لايران في سوريا . لقد أعلن الجنرال جعفري في الثالث والعشرين من ت٢/ نوڤمبر على سبيل المثال ان الأسد على علم بانه مدين للمليشيات الشعبية وانها عنصر اساس في دوام سلطته . كما اشار جعفري الى ان الأسد سيعمل على منح المليشيات وضعاً مؤسسياً بحيث يحتفظون بوجودهم لمواجهة اخطار المستقبل ، وان الحرس الثوري هو صاحب القول في تحديد هوية هذه التهديدات وانه رهان رابح الافتراض بان من الاهداف المعتادة هما الولايات المتحدة واسرائيل .

ان الهدف النهائي للحرس الثوري هو تحويل المليشيات السورية الى كيان قائم بذاته داخل الدولة مما يجعله اداة دائمة للنفوذ الايراني في سوريا . هذه الستراتيجية ليست مفاجئة وهي ذات الستراتيجية التي أنتجت الحرس الثوري نفسه . تحول هذا الحرس بدءاً من عام ١٩٧٩ من قوة صغيرة من العناصر المخلصة والموالية لشخص آية الله خميني الى ماهو عليه الان حيث يشكل دولة داخل الدولة ويسيطر على امبراطورية هائلة من المال والرجال .

ان التصعيد الخطابي الذي يقوم به الحرس الثوري لايستهدف الجمهور الأجنبي فقط ؛ لقد تحول موضوع المليشيات الموالية لايران في سوريا الى مادة في الجدل السياسي الداخلي في طهران ذاتها . لقد سعى روحاني الى ابقاء مسافة بينه وبين خطة الحرس الساعية لمأسسة المليشيات المرتبطة به رغم ان اليد روحاني لم ينتقد علناً هذا المسعى . من ان تاتي الانتقادات التي توجهها وسائل الاعلام المرتبطة بالحرس الى حكومة روحاني باعتبارها تتعامل بنعومة مع الطلبات الغربية بتفكيك المليشيات او نزع سلاحها .

ان ردود فعل الحرس ازاء النعومة النسبية لموقف روحاني من هذا الموضوع تاخذ اتجاهين :

الاول ، هو انه من الغباء اتخاذ قرار باعتماد صفقة مع الغرب ( او روسيا ) حول مستقبل المليشيات السورية والتفريط في المكاسب التي تحققت على الارض السورية مقابل وعود غامضة بالتعاون الدولي لترسيم مستقبل سوريا ؟ . كما ان المردود الناقص للصفقة النووية لعام ٢٠١٥ يعطي موقف الحرس زخماً كبيراً في المناقشات .

الثاني ، هو التذكير بان الحرس هو الأفضل الذي بامكانه تنفيذ عملية اعادة اعمار فعالة في سوريا ، ويزعم جعفري قائد الحرس الثوري ان حكومتي روحاني والاسد اقرا بان المؤسسات الاقتصادية التي يديرها الحرس هي أفضل من يستطيع تنفيذ خطة لاعادة الإعمار وانها بحاجة الى حماية توفرها المليشيات ؛ لم يعلق روحاني حتى الان على هذا الزعم .

الدفاع المتقدم

يعتبر المراقبون ان تزايد التصلب في موقف الحرس ازاء قضية المليشيات في سوريا نذير شؤم ، لكن في طهران يمتلك الحرس اليد العليا في الشأن السوري . من الواضح ان الحرس يمتلك النموذج الذي يبرهن على صدقية وصواب خطته : حزب الله اخر أينما كان ذلك ممكناً .

يشير قادة الحرس الى ان البيئة الامنية المتغيرة في الاقليم تدفعهم الى المراجعة الدائمة لستراتيجيتهم العسكرية وهم يطلقون على ذلك ” الدفاع المتقدم ” او المبادر ، وهو مبدأ يقوم على فكرة ان على ايران منازلة خصومها خارج أراضيها الوطنية وان ادارةٍ المليشيات العربية الموالية للحرس الثوري مثل تلك التي في سوريا هو جزء من الدفاع المتقدم .

على مستوى الساحة السورية فانه يصعب تصور امكانية احلال سلام دائم في البلاد تعمل وفق توجيهات منظمة عدوانية وأيديولوجية مثل الحرس الثوري الايراني فضلاً عن الدور السياسي الحساس الذي يلعبه في بلاده .

شارك
المقال السابقالقدس تدفع فاتورة – ترامب – باهظة السعر
المقال التالىظاهرة السيناستيجيا Synaesthesia

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد