سفيطلة : من ينابيع الهوى


 

(كيف يشكو من الظّما من له هاته العيون)

تمهيد عام :
الإسان و المدائن : سعى البشر عبر تاريخ البشرية إلى تشييد المدائن يسكنونها ويحقّقون فيها خيرَهم. وقد مالوا إلى الاجتماع المستقرّ. ففازوا بحياة مدنية ما كانت لهم أيّام الانفراد والتّشتّت من ناحية وأيّامَ كانوا من أهل العَمَد الرحّل.فشيّدوا بناءات تجيب إلى مختلف حاجاتهم ورغباتهم. ولعلّ خير من ابتدر البشريّة إلى بناء أنساق لمدن ذات نظائر هم الرّومان أنفسهم بعد أن أسّس روميس و روميليس ابني الربّ مدينتهم المرجع “روما” سنة ٧٥٣ ق.م. وظلّوا يستنسخون لها نظائر تشسع أو تضيق وفق عدد سكّانها وتفخم وتفتقر وفق مقامهم ووضعهم المادّي.. وتكاثرت بنات روما في كلّ حيّز طالته أيادي محاربيها فاستولوا على المكان وأقاموا به أثرهم الأثير الحيّ-المدينة Le citée-ville.


وامتدت أيادي الرّومان شرقا وغربا وجنوبا وشمالا وناب تونس مَنَابٌ قيّمٌ منالمدن الرّومانية لعلّ أهمّها مدينة قرطاج الرّومانية ودڨّـة وسفيطلة وتيسدروس ( الجم) وهدرومتم ( سوسة) مكتريس ( مكثر) سيكافينيريا (الكاف) نيابوليس( نابل )وغيرها كثير وقيل إنّها مائة وأربعون أو هي مائتا مدينةً بالتمام والكمال…
هَوِيَ الإنسان المكان فتوّجه بمدائن تخلّد ذكره وأثره ومعارفه وأحواله وأفعاله … فعشِق المُنجِز ما أنجز وما انفكّ يستميت في الذّود عن حماه ويشيّد الحصونَويدرّب العساكر ويتفنّن في ابتكار أسلحة الدّفاع وخُططه … وظلّ يُباهي بمنجزه.ويُفاخر أمام باقي الأمم. وتنافست الأقوام في تشييد المدائن ومواطن الحياة المُـترفة.


ونشبت بين المدن-الدّول خصوماتٌ وحروبٌ يسعى فيها كلّ طرف إلى الاستيلاء على منجز الآخر وتطوير منجزه هو. وودّ لو طبّق الآفاق بين جنبتيه. فنشأت إمبراطوريّات وممالك تصارعت على امتلاك اليابسة كلّها فعدل الزّمان بين البعض.وغلّب القويّ على الضّعيف. وأنمى الضّعيف لينال ممّن ساده واستوطن أرضَه.وظلّت هذه السُّنن حُكمًا تتداوله الدّول عبر الأزمان. فسكن الإنسان أوطانا وأوطانا قبل أن يخسرها عيانا. فتستحيل إلى ذكرى ما فتئت تستوطنه هي بعد أن كانت له سكنا.
فالعلاقة بين الإنسان والمكان علاقة جدلية. فهو ابن مِهاديه الطّبيعة والتّاريخ وإن هو لم يَقْوَ على حمل مدائنه الدُّرر أو أن الحَدَثان نالا منها، دفنها في فؤاده ووقاها من الاندثار أو أن تكون نسيًا منسيًّا. فكلّ منهما يبني الثّاني ويَسِمُه بِسِمَته مادام كلٌّ منهما دالاّ على الثّاني فروما دالّة على سكّانها والرّوماني رامز إلى روما. ولعلّ سفيطلة وهي سرّة إفريقية من المدائن الرّموز التي يمكن الاستدلال بها على ما سبق وما لحق، باعتبار إطارها المحوريّ وزمان إنشائها وأثار الإنسان الدالّة عليها ورمزيّتها التّاريخية عبر الأزمان وخصوصيتها الجغرافية لاسيما خصوصياتها الحضارية والثّقافية وهي مَحَجٌّ سياحيّ مُغرٍ بما ظهر منه وما بطن..

سفيطلة التاريخ : (من التّأسيس إلى العدم إلى الخلود)
تأسّست مدينة سفيطلة في نهاية القرن الأوّل ميلاديًّا وفي منتصف القرن السّابع اختارها الحاكم البيزنطيّ جرجير عاصمة لحكمه بدلا من قرطاج إثر تمرّده على إمبراطور القسطنطينية إلى غاية الفتح العربي على أيادي العبادلة السّبعة.
وهي كغيرها من نظائر روما لم تخرج عن نسق التّأسيس: خصوصيات التّأسيس :
– حفر السّور بإشراف رجل دين. وتكون سكّة المحراث الذي يحتفر به أساس السّور بقدر ثراء المدينة المزمع تأسيسها وثراء أهلها بعد تخيّر إله حام.
– الشّارعان الرّئيسيان المتعامدان. (Cardo Maximus وDicumano Maximus) ويكون الأوّل باتّجاه شروق الشّمس وغروبها ويتعامد عليه الثّاني تعامدا عموديّا حيث يلتقيان في حفرة العَقْر (Gomma) إرضاء للآلهة التحت أرضية وتنحر فيها العقائر وتقام عليها السّاحة العمومية( forum) مزدانة بقوس كبير ملتقى أهل المدينة حيث تشرف على مشاغلهم الدّينية المتمثّلة في معبد الإله الحامي( capitole (إضافة إلى مجلس حكماء المدينة) (sénat ( القيادة السّياسية) كما تقضي إلى أهمّ المتاجر وقيادة العسكر الذي عادة ما يُقام له سُورٌخاصّ ذو مناظير تطلّ على مشارف المدينة.

الحمامات( les thermes): من أهمّ ميزات المدن الرّومانية. وتضمّ في تونس لوحات فسيفسائية تُغطّي جُدرانها وتكسو أرضيتها عادة.
=لسفيطلة خصوصيّات: إذ هي تجمع بين آلهة ثلاثة جيبيتر(إله الآلهة)وجينون(إلهة الخصب والوَضع) ومينيرفا(إلهة……)
+ التّنظيم والانضباط من أهمّ ميزات المدن الرّومانية. فهم بارعون في مدّ أقنية مياه الشّرب والرّي ّ. وبسفيطلة حفية عمومية أيضا..كما برعوا-نعني الرّومان- في مدّقنوات التّطهير..
ازدهرت مدائن الرّومان في كلّ مشارب الأرض. وظلّت مطمعا للإغارة كما هي نفسها مُغِيرةٌ على محيطها غير المدينيّ. فتسلبه ثرواته. وازدهرت الحياة المعرفية والرّياضية والسّياسية في مختلف المدن-الدّول.
لا أعتقد أنّ سفيطلة شذّت عن هذا العُرف والمنهاج والنّظام الرّوماني شديدِالحزم.

الخصوصيّات الجغرافية وأثرها في طابع المدينة:
سفيطلة بُثرة ماء عذب سقت أهلَها و محيطَها عبر التّاريخ وأثمرت زيتونا بلون عيون بناتها.. أُقيمت مِعْصَرة ليسيل الزّيت ذهبًا في أحواضها..
سفيطلة مدينة السّوائل الأثمن عبر التّاريخ ماءً وزيتًا وبترولاً. واستمرت مدينةًنابضةً بالحياة باثّة لها. ولعلّها من المدائن القليلة التي رضي عليها التّاريخ والجغرافيا كليهما وأساء إليها الإنسان…

الحضارات الوافدة على سفيطلة مذ تأسيسها ( التأثير والتأثّر )
– الحضارة النّوميدية
– الحضارة الرّومانية
– الحضارة البيزنطية
-وهي -أي عروس المدائن الرّومانية- نقطة انطلاق الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا والأندلس ( عبد الله السّرح وعبادلته الستّة)..
-وهي موقع صراع الجيش الألماني والجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثّانية..
** قال عنها الإدريسي الجغرافي في القرن 12 ميلاديّا:” كانت من أحسن البلاد منظرا وأكبرها قطرا وأكثرها مياها وأعدلها هواء وأطيبها ثراء”المصدر (الإدريسي “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق “)..
– سفيطلة من أكثر مدائن الرّومان شساعة وإشعاعا. إذ هي مدينة معبر نحو مدائن الشّمال والجنوب والشرق والغرب فهي كما شمس الأسطرلاب. إن أنت قصدتها انتهيت إلى عين المُنى ومنبع الهوى. وإن أنت غادرتها سَكَنك تُجاهها بالفؤاد حرٌّ لا يطفأ إلاّ متى استعدت وَصلها ثانية ..فهنيئا لكلّ من مرّ بها يوما يرد من ينابيع هواها وينعم بصفائها ويَعُلُّ من بهائها أكؤسا وأكؤسا.. أمّا عن ساكنها فحدّث ولا حرج. فهو ساكن جنان مترامية الأطراف يصيبه الوجد ويذبل كما العَشَقة إن هو فُطم عن أمّه الرّؤوم.
** سفيطلة من عرائس تونس السّامقات الضّاربات في عمق التّاريخ. حُضنها مُضَمَّخٌ بنكهة الشّهامة وعبق سيّدات الأساطير، تشِفّ رقابهن عن الماء حين يشربنه ورموشهن بسواد النّفط حُلكةً. فالألحاظ منهن ذابحات أمّا العيون الزّيتون.ففيهُنَّ صفاءٌ. والمقل قاتلة في هدوئها، بله متى جَنّدت اللّحظَ والحاجبَ، وقد بلّلَها ليّنُ ماء الذّهب وقد فارق اللّمى..
* سفيطلة تجمع بين عبارتين أمازيغيتين sufes و Thala وتعني النّبع والمنبع..

[ العبادلة السبعة عبد الله بن عمر بن الخطاب + عبد الله بن الزبير + عبد الله بن سعد بن أبي سرح فتحت على عهد عثمان بن عفان سنة 37 للهجرة]

سفيطلة المنتظرة:
-لِمَ نُبقي المِرداة الخرساءَ. لا نستنطقها ونبثّ فيها روحها ؟
-هلا ّكففنا عن التّعامل مع هذه المدن الكنوز تعاملَنا مع القبور ، والحال أنّها ضاجّةٌ حياةً ومعانيَ ؟.
– إنّ تعاملنا الفُلكلوري مع رموز حضارتنا يقتلها فينا وينفّر النّاشئة منها وقد ألْفتها آثارًا دارسةً ما قدرنا على استنهاض الحياة فيها.
== كم آمل أن نقتدي بأولئك الذين استعادوا مدنَهم العميقةَ وكفُّوا عن الاعتقاد أنّها ملعونة (maudit )وماهي منا ولا نحن منها. فظلّت حظائرَ للأموات مثلَها مثل القبور، لا نزورها إلاّ في مناسباتٍ محدودةٍ زُلفَى وتظاهرًا والحالُ أنّها يمكن أن تدرّ ذهبًا إن نحن عاملناها معاملة الذّهبِ لا الذّاهبِ. نمرّ به فنهزَأُ [به] ولا يَلْقَى منّا إلاّ النّظرَ الشّزرَ.
ليتنا نعمل على استعادة تُحفنا. فنسكنَها ونقيمَ بيننا وبينها علائقَ ودٍّ. ونرمّم المُهَدّم فيها بالمقاييس والمعايير التي تَردنا عن المصادر الأدبيّة التي احتفى فيها المؤرّخون بكلّ أركانها..

== لعلّ مطلبي يظلّ حالما جدّا بعيون من لم يجرّب هوى الوطن وحبّاته. فكلّ ما في تونس لنا ونحن له. وكلّ ما في سفيطلة لنا. ونحن له. وَلْنتركْ الوجلَ جانبا. وَلْنضعْ الأمورَ في نصابها. وَلْنقترفْ جرمَ الحُلمِ وخطيئةَ الحُبِّ. فكلاهما في الوطن خيرُ الذُّنوب وأروعُ المَلذّاتِ. فأَطْلِقُوا العَنَانَ لجناحيْ الحُلم بسُفيطلتكم.. ولا تخشُوا في هواها العيونَ والكواشحَ. فلن تحبُّوا الحياةَ إلاّ متى عَشقتم أنفُسَكم. ولن تتيّموا بذواتكم إلاّ متى وَلِهْتُمْ بمدن وبلدان هي صور لكم وأنتم صور لها.

شارك
المقال السابقمملكة الورق
المقال التالىتصريحات موجّهة الى شعوب مغيبة!!

عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له “عيون العشّاق” منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و”البرنزيّ” وهي رواية تحت النّشر.وله مح....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد