حوار أدبي مع الاديب المبدع عبد الرحمن حسن


 

بين الخاطرة والأدب قناةٌ سريةٌ تصل بين الفؤاد والعقل فكلا الفنين هو شريان محبة يمد المتلقي بالحب والخير والجمال والمفاجآت …وحوارنا اليوم مع أديبٍ فلسطينيٍّ يكتب الخاطرة.. يبث من خلالها لواعجه وهمومه وآماله.

في البداية لابدّ أن أتقدم ببالغ الشكر والتقدير لأستاذنا المستشار الأدبيّ الأستاذ حسين الهنداويّ على هذا اللّقاء متمنياً له المزيد من العطاء، وراجياً من الله تعالى له دوامَ الصّحّة والعافية والعمر المديد.
تعتبر الخاطرة بالنسبة لي حالةً وجدانيةً مكثفةً تنبع من ذات المبدع في لحظة أسميها لحظة انفلات الأنا، لأنها تعبّر بشكلٍ أو بآخر عن مواقف أكثر عمقا وأكثر إنسانيةً. ومن هنا يمكن القول: الخاطرة قد تكون رومنسيّةً أو إنسانيّةً أو اجتماعيّةً، أو سياسيّةً، أو دينيةً.. وقد يكون بها شخوصٌ لكنّها لا تأتي بأحداثٍ، وليس بها عقدةٌ أو زمانٌ أو مكانٌ. فهي بوحٌ أدبيٌّ لخفايا الأحاسيس والمشاعر، ولابدّ أن يكون لها فكرةٌ أو مغزىً ويحكمها الحسّ الأدبيّ والمخزون الثقافيّ لدى الكاتب لكي يعبر عن إحساسه بكلماتٍ أو عباراتٍ أدبيّةٍ، وهي تعبيرٌ عن مكنونات النّفس وما يدور فيها من صراعاتٍ أو حبٍّ أو حزنٍ أو حتى ضيقٍ أو ألمٍ أو فرحٍ وسعادةٍ. فهي كلام القلب يترجمه اللّسان لكلماتٍ.
الخاطرة هي فنٌّ أدبيٌّ وتعبيريٌّ عمّا يخطر في القلب والعقل معاً وهي نثرٌ أدبيٌّ تحاكُ كلماتهُ ببلاغةٍ.
ويمكن القول أيضاً: إنّ الخاطرة هي بداية الكتابة وميلادها، والكاتب الحقيقي هو الذي يستطيع توجيه قلمه نحو أدبٍ ما.. سواءً أكان توجهه شعرياً أو نثرياً في مجال القصة أو الرّواية.

………………………..

س1: لكلّ أديبٍ طفولةٌ يافعةٌ بالحب والشوق، فما هي أبعاد طفولة الأديب؟ وكيف التقيت بكرّاسة الأدب؟
تتميز طفولة الفلسطيني بالحرمان والبعد عن الوطن والشوق والحنين للأرض أرض الآباء والأجداد، ربما لم أشهد حالة النكبة وتشرد الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني لكن قرأتها من خلال ما سمعته من والدي ووالدتي وما قرأته في الكتب والمجلات ووسائل الإعلام. وعشت نكسة حزيران وحياة الخيام والبؤس.
فأنا من هذا الشعب الذي عانى من حالة التشرد واللجوء وأصبح قدري أن أكافح وأناضل منذ الصغر، حيث كان كفاحي يتمحور في اتجاهين الأول: هو حلم العودة إلى الوطن وقد قرنت فيها القول بالفعل والتحقت بصفوف الثورة الفلسطينية إلى جانب الآلاف من أبناء شعبنا ليتحقق حلم التحرير والعودة الى أرض الوطن، فكانت رسالتي في الحياة تتمثل في حمل المسؤوليّة تجاه وطني وعائلتي، حيث كان حملاً ثقيلاً، لذلك لم أعش طفولةً عاديةً هادئةً كبقيّة الأطفال في المجتمعات المستقرّة، بل كانت طفولة الجد والعمل، الأمر الذي رسم ملامح حياتي لاحقاً. وكان الحنين الى الوطن حاضراً دائماً، وأعبّر عنه من خلال الكتابة.

س2: البعد والشوق والحرمان هي مفردات الأديب. فما هي مفردات خواطرك الأدبية؟
لا تتوقف خواطري على بعدٍ معينٍ لكنني أكثر ما أهتم به البعد الإنساني بكل تجلّياته وكذلك البعد العاطفيّ بكافة أشكاله من شوقٍ وحرمانٍ وحنينٍ وألمٍ وفرحٍ.. فالأديب الحقيقيّ هو الذي يستطيع التعبير عن كلّ ما يشعر به أو يجول في خاطره مهما كان نوعه.
لكن عموماً تطغى مواضيع الشوق والحنين على موضوعات خواطري بحكم تجربتي الإنسانية وظروفي الحياتية التّي مررت بها.

س3: لكل أديب بعد يميزه عن الآخرين فما هي أبعاد خواطرك الأدبية؟
أعتقد أنّ أهمّ ما يميّز خواطري هو انسياب المفردات دون أدنى تكلّفٍ لتكون خواطراً بحقٍّ كما هو واضحٌ من اسم الخاطرة.
وكذلك عنصر التفاؤل والفرح الذي يطغى على معظم خواطري.. فهذا البعد الإنساني الجميل هو الذي يدفعني دائماً إلى الكتابة ويجعل من خواطري مشوقةً للمتلقي.

س4: يقال: إنّ بعض كتاب الخواطر يكتبون خواطرهم وأن البعض الآخر تكتبه الخاطرة. فمن أيّ الأدباء أنت؟ وكيف تولد الخاطرة لديك؟
الكاتب الحقيقي إنسانٌ يتأثر بكلّ ما حوله ويؤثّر في الآخرين بحسب درجة تأثّره. فكاتب الخاطرة الوجدانية أو العاطفية يكتب الخاطرة وتطغى عليه تأثيره. أما كاتب الخاطرة الاجتماعية مثلاً فيؤثر الواقع فيه فيعكسه في خواطره وهكذا..
أنا من النوع الأول لأن خواطري في معظمها من النوع الذاتي الوجداني. أمّا عن ولادة الخاطرة عندي فهي تولد وفق ما أحس وأشعر آنياً دون تخطيط مسبقٍ.. فتكون ابنة اللحظة بكراً لا تكلّف فيها.

س5: من ترى من كتاب الخاطرة في عصرنا من يستحق لقب أديب الخاطرة؟ وما هي صفات كاتب الخاطرة الفذة؟
كتاب الخاطرة هم كثرٌ وهذا يبهج النفس ويسر القلب وأنا أعتبر نفسي أتلمس طريق الكتابة وما زلت في بدايته. ومن موقعي لا أستطيع أن أمنح أحداً هذا اللقب ولا يحق لي فكل من يكتب إمّا هو أديبٌ أو هو مشروع أديبٍ بالتأكيد.
أما من ناحية صفات كاتب الخاطرة فهي أن يتحلى بكل الصفات الجميلة من خلال مشاعره وأحاسيسه وارتباطه بكل القضايا اليومية وأن يكون قادراً على صياغة مفرداته وتقديم رسالة محبةٍ للجميع لتعزيز القيم الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية.

س6: ما رأي الأديب بالخواطر التي تكثر على المواقع الالكترونية وصفحات المجلات والجرائد؟
الكثير من هذه الخواطر فيه لمسةٌ فنيةٌ جماليّةٌ لكنّ المشكلة تكمن في النّوع أولاً أي في درجة رقيّ الخاطرة.. قد يبدع الكاتب مرةً لكنّ الأهمّ أن يستمرّ في إبداعه لكي يحقق كمّاً تراكميّاً يجعل منه كاتباً مواظباً.. فالنجاح يكمن في الاستمرار وتطوير الأسلوب والخبرات وصولاً إلى الرقيّ المطلوب.

س7: الخاطرة لديك تحمل بعداً ذاتياً وبعداً وطنياً وبعداً انسانياً. هلا حدثتنا عن أبعاد خواطرك؟
بقي هاجس التحرير قابعاً في أعماق ذاتي، ولم أنفصل يوماً عن هذا الهاجس الحلم الذي يمثّل التّوق إلى العودة إلى الوطن لذلك كان لابدّ لفلسطين أن تكون موجودةً في كلّ حروفي إلى جانب القضايا الأخرى الإنسانيّة والاجتماعيّة والوجدانيّة والإنسانيّة.

س8: همسة في أذن كتاب الخاطرة على كثرتهم.
لكل إنسانٍ أحاسيسُ ومشاعرُ تنبع من داخله، وحين نودّ الكتابة نجد صعوباتٍ في صياغة الخاطرة ونشعر بأنّ أحاسيسنا ومشاعرنا قد تجمّدت بعدم القدرة على كتابة الخاطرة، وهنا لابدّ من المحاولة، ولتكن كلمات الخاطرة نابعةً من القلب حتى يتقبّلها الآخرون.
تحتاج الخاطرة أوّلاً إلى اختيار عنوانٍ موفّقٍ يعكس موضوعها، وتقسيم الخاطرة إلى: مقدمةٍ وعرضٍ(عقدة) وخاتمةٍ.
وثانياً إلى وضوح الهدف: فإذا كانت الخاطرة تحمل هدفاً معيّناً، فيجب أن يتضح الهدف سواءً في المقدمة أو الخاتمة، وألا تشذّ أحداث الخاطرة ومفرداتها عن خدمة الهدف المرجوّ منها.
وثالثاً لغة الخطاب: عندما تكون الخاطرة بلسان الكاتب عليه مراعاة ضمير المتكلم، وعندما تكون تعبيراً عن الغير يُراعي استخدامَ ضمير الغائب وهكذا.
رابعاً: التنويع في مواضيعك، مثل الصداقة، والعلاقات الاجتماعية، والمواضيع الإسلامية وغيرها.
خامساً: الإيجاز والإسقاط الفنيّ.
سادساً: حتى تكونَ الخاطرة تعبيراً عمّا بداخلنا ولتكون صادقةً علينا ألا نستخدم الألفاظ الصّعبة، بل نسطّر الألفاظ المنتقاة التي غالباً تحملُ في طيّاتها السّهولة والبساطة لتصبح أقرب إلى الفهم.

س9: رسالةٌ أدبيةٌ تريد أن تقولها للقارئ العربي.
الخاطرة أسلوبٌ أدبيٌّ سهلٌ ممتعٌ جذّابٌ يغلب عليه الجانب الوجدانيّ، وفيها توصف بعض الخواطر باللؤلؤ المنثور في رقّتها وجمالها لروعة كلماتها من قوة التّعبير والتّصوير والتماسك الفكري والرمز والتّوجيه والشّفّافيّة…إلخ.
أرى بأنّ ضرورة التواصل في القراءة – إن لم تكن الرغبة في الكتابة أيضاً- هامّةٌ جداً من قبل القارئ وذلك لكونه هو القادر على التّمييز. وأعتبر الخاطرة فنّاً أدبيّاً كغيرها من الفنون الأدبية متشابهةً مع القصّة والرّسالة في مضمونها، والأسلوب.
وفي العقدة أو العرض يجب أن يحدّد الكاتب ماذا يريد أن يكتب: هل حزناً أم فرحاً أم عشقاً …. هناك من يخلط بين أنواعٍ كثيرةٍ من الأدب مثل الرّسائل، والمقالة، والخاطرة، والقصيدة (من فئة التفعيلة) أو القصيدة النّثريّة، وبين القصّة، والرّواية…

س:10- ليتك تكتب لنا أعز خاطرة على قلبك في نهاية الحوار.
” لم أبحر بعد، فالبحر عميقٌ، وقلبي مازال قلب طفلٍ، وما زلت بحّاراً فاشلاً، فعلّميني كيف أعوم في بحر العينين، ودعيني أغرق، فأنا ما زلت بسيطاً لامتهن لغة العشق، وركوب البحر لأغامرَ أكثرَ، وأعرفَ لحظات السّعد، فكوني قاربي ومجدافي، وسارية عمري وشراعي، فأنا أمام الحبّ لا أخاف الصّعب، ومن صدرك أتنفّس فرح الأيّام القادمة، وعلى وجهك أتلمّس خارطة عمري، فكوني لي كلّ العمر.
دعيني أشيّد على صدرك إمارةً للحبّ والنّقاء، ومن شفتيك أرتشف الشّهد، ومن ضياء وجهك ألتمس خيوط الشمس، فأنتِ منايَ وكلّ الوعد. أحبّك وأحطّ على محيّاك كنحل العسل، لأقطف رحيق الورد، فكوني وردة عمري وكوني أنت العهد.
الآنَ أحبّك أكثر، واصنع شعاع الأمنياتِ من ضوء القمر، لأعشقك أكثر وأكثر، فعشقك أضحى قضيّتي، فأنت مملكتي وإمارتي وجمهوريّتي، سأعلن بياني الأول أنّي أحبّك، والثّاني أموت فيك، والثالث أنّك الحريّة والانتماء، فكوني إلى الأبد معشوقتي التّي أحبّ “.
مودّتي الخالصة لك.. ومع لقاءٍ إنسانيٍّ واعدٍ.

الــسّـــــــــيرة الـذّاتيّـــــــة

الاسم الثلاثي: عبد الرّحمن سعيد حسن.
مكان وتاريخ الولادة: العال / 1956. البلد الأصلي: فلسطين، لوبيا، قضاء طبريّا.
المؤهّلات العليمّة:
1- حائزٌ على إجازةٍ في الدّراسات الفلسفيّة والاجتماعيّة /علم الاجتماع/ من جامعة دمشق.
2- حائزٌ على شهادة (دبلوم) من كليّة التّربية بجامعة دمشق.
3- خرّيج المعهد العالي للعلوم السّياسيّة في موسكو / الاتحاد السوفييتي سابقاً.
4- عضو الاتحاد العامّ للكتّاب والصّحفيّين الفلسطينيّين / فرع سوريا.
5- له العديد من المقالات الأدبيّة والنفسيّة والاجتماعيّة في صحف ومجلاتٍ عربيّةٍ وفلسطينيّةٍ.
6- له العديد من الأعمال قيدَ الإنجاز والطّباعة والنّشر.

حاوره: المستشار الأدبي- حسين علي الهنداوي

1 تعليقك

  1. هنا الياسمين يفرد موشوره اللوني جمالا يترك العطر بين السطور بدقة الابداع لمحاور يجيد العزف على سبر اغوار النفس أخي وصديقي الغالي المستشار الأدبي حسين علي الهنداوي وأديب يمتلك ناصية الحرف ويختزن في ذاكرته المتوقدة حلما دافئ الايقاع أخي وصديقي عبد الرحمن حسن . لكما فيض محبتي

اترك رد