اِسقاطات التأريخ وحرج الآباء


 

تتمكن مني غصة ووجع وارتباك وأنا أدرس ابني كتاب التاريخ والذي يشاكسني بأسئلته .
أسأله من هم أول من أوجدوا التعاليم الدينية وأول من اخترعوا الكتابة ومن هم أول الموحدين ؟
يجيبني وأنا أرى في نظراته علامات تعجب وريبة حين يقول :
بلاد الرافدين هم أول من شرعوا القوانين وأوجدوا الديانات واخترعوا الكتابة والتدوين !!
اعتدل في جلسته وفي فمه كثير من الكلام فأراه حائرا وخجلا يريد أن يقول شيئا ما .. فشجعته على الكلام فتحدث متلعثما :
أين هو بلد الرافدين ومنهم هؤلاء الذين علموا واخترعوا كلشيء ، هل ماتوا ، أين هم الان ، هل نحن أحفادهم ، هل ورثت شيئا عنهم يا أبي ؟ لم أشاهد في بيتنا ما تركوه من ارث أوأثر ؟ هل سرقوا تركاتهم ولماذا سمحت لهم أن يسرقوا ارثنا ؟
لقد عصف الوجع في قلبي وأنا أستمع لأسئلة ابني هذا الولد المشاكس ، لقد استفزتني تساؤلاته والوجع الأكبر حين لم أجدما يشفي من اجوبة ، يخطر في ذهني أن أكذب عليه لأسعف حرجي وأنقذ نفسي من ورطة التاريخ الذي أدرّسه اياه .
نقلب صفحة أخرى من الكتاب ونقرأ : ( الصابئة المندائيون ) هم أصحاب أول الديانات التوحيدية في بلاد الرافدين وكانوا يمارسون طقوسهم في ( المنادي ) على ضفاف دجلة .
قال : يا أبتي ان كانت الصابئة أول الموحدين في بلادنا لماذا كانوا قلة وما زالوا لحد الآن أقلية ؟
لماذا لم يوحدوا أجدادنا الله وعكفوا على عبادة الآلهة ؟
واستطرد قائلا هل توحد الله يا أبي أم ما زلت على دين الآلهة ؟
فقلت له : ما وجدت الأديان يا بني الا لإصلاح البشر وتهذيبا لسلوكهم وتقنينا لحياتهم وزرع الألفة والمحبة في قلوبهم ، مهماكان دينهم وجنسهم ولونهم ، ليس المحافظة على الأثر غاية بقدر حفاظنا على عادات وثقافات وتقاليد أجدادنا والسير على نهجهم ، هذه البلاد باركها الله في تنوعها الثقافي والاثنيو الديني .
ان ذاكرة الطفل رهان صعب ومجازفة غير محسوبة النتائج لأنها قيمية اعتبارية تقوم على أسس المقارنة بين التعليم والواقع المعاش ، ربما لا يدرك التربويون الذين يضعون المناهج التعليمية لطلبة المدارس للهوة والفجوة الكبيرتين بين الدراساتالنظرية وشواهد الواقع الحياتي المعاش للطفل والمجتمع ، وقدتعود المثل والقيم والمعلومات التي يتعلمها الطالب في المدرسة والجامعة بنتائج عكسية صادمة قد تسهم بانحلال المنظومة القيمية والأخلاقية والثقافية لهذا المجتمع ، لأن أية تغذية ثقافيةمغلوطة غير رصينة وعير واقعية تعد بمثابة رياء وثقافة وعلوما لاتتسم بالمصداقية ، فعلى أثر ذلك يصيبها الانهيار والانحلال وبالتالي يتفسخ المجتمع ومنظوماته الأخلاقية والثقافية ، ويصبح مجتمعا تسوده الجريمة والانحلال في روابطه وقيمهويفقد بريقه الحضاري والبنيوي ويصبح مجتمعا هشا متخلفايبتعد عن الركب الحضاري والانساني .
انني أجد في اسئلة ابني الصغير حيرة كبيرة لي ولكل الآباءالذين هم مثلي في ذات الحرج والارتباك في هذا الزمن العصيب الذي لا هوية له ، عندما نستذكر ونتغزل بالماضي التليد نجد من يسيء ويتعدى على هذا الارث وهذه الحضارة التي خلفها لنا الأجداد ، وهناك من يهدم آثارنا وتاريخنا ويحرق مخطوطاتنا ولم يكترث لها أو يحترمها ، وعدم احترام خصوصية الآخر من اقليات أو لمن يتبنى رأيا مغايرا وثقافة أخرى غير السائدة ، وعندما تصادر الحريات الشخصية وحرية المعتقد ، وهذا الارتباك الثقافي يعد شرخا في بينة ولحمة المجتمع فسيكلفنا الغالي والنفيس لأننا سنفتقد لمقومات الدولة يوما بعد يوم وبالأخير سنفقد موقعنا كبلد كان زاخرا بالحضارات والأمجاد .

لا تعليقات

اترك رد