الفن التجريدي بالمغرب وسؤال التجاوز


 
انشاء فني للفنان المغربي رشيد باخوز
انشاء فني للفنان المغربي رشيد باخوز

1. الغرب:

الفن التجريدي Abstrait أو الفن اللاموضوعي Non Objectif أو الفن اللاصوري Non Figuratif، تختلف الألقاب والتسميات حول هذا التيار الفني العالمي، الذي عرف انتشارا واسعا في العالم لم يسبق أن شهدته تيارات قبله، ولم تشهده تيارات بعده. يؤكد المؤرخون على أن هذا الاتجاه الفني بزغت شمسه في العقد الثاني من القرن العشرين. وقد تم تقعيده فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ ما سيجعله ينتشر بشكل واسع وسريع كونه ليس حكرا على جماعة معينة أو اتجاه معين، عكس باقي الاتجاهات الأخرى التي ظهرت في تزامن معه، واختفت سريعا مثل المستقبلية، أو انحسرت في الزمن أو التمدد مثل التكعيبية، أو كان المنتمون إليها معدودون على الأصابع مثل السوريالية… فلا بيانا للتجريدية ولا أهدافا موحدة وواحدة لها.

يُحسب للتجريد ظهوره أول ما ظهر -بعيدا عن أية تحقيب قد يعود إلى الفن الإسلامي أو غيره- إلى الفنان التشكيلي فاسيلي كاندانسكي وبالتحديد سنة 1910، مع عمله الذي شكل انعطافا حادا في الفن التشكيلي بأوروبا وخارجها. وإن كان كاندانسكي الفنان التشكيلي الأول الذي اتجه صوب التجريد، فليس هو الوحيد عند البدايات، والذي اعتمده كأسلوب تعبيري “جواني”. ففي سنة 1914 سيكون الدور على موندريان Mondrian، إلا أنه عبر مسار جد مختلف، بينما ليس بوقت بعيد عنه، سيعمد ماليفيتش Malevitch إلى التجريد عبر منحى مغايرا من حيث الاشتغال على أعماله التشكيلية المعتمدة على روح هندسية وبصرية فوقية -تسطيحية. أعماله التي سيذهب بها إلى أقصى التجريد في لوحاتها الشهيرة، “مربع أبيض على خلفية بيضاء” (1918)، وقبلها لوحة “مربع أسود على خلفية بيضاء” (1915). فنانون وإن وحّد بينهم التجريد من حيث الاكتشاف والتعبير، فقد فرقت بينهم الجغرافيا، فالأول جاء من ميونخ (ألمانيا) والثاني من باريس (فرنسا) والثالث من موسكو (روسيا). ما سيجعل الفن التشكيلي يتمدد على طول الجغرافيا الأوروبية من الشرق إلى الغرب.

2. المغرب:

سيتعرف المغرب على الفن التجريدي في العقد الخامس من القرن الماضي، وبالتحديد حينما سيبلغ هذا الأخير ذروته في أوروبا. سيسعى الفنانون المغاربة المنتمون لهذا التيار الفني أن يجعلوا منه مستندا لأعمالهم التي ابتغوا منها أن تعبّر عن جوانياتهم وذواتهم، التي كان من الصعب أن يعبروا عنها عبر الأشكال التشخيصية والتيارات التصويرية. ففي الوقت الذي سيصير الفن التجريدي “ظاهرة وليس مجرد تيار”، باعتباره قد صار مظهرا يعم جل الأعمال التي انتشرت في العالم من العقد الثاني إلى العقد السادس من القرن الفائت. سينتمي فنانون تشكيليون مغاربة إلى هذه الظاهرة في محاولة منهم إلى إخراج الفن المغربي من “فطريتهم وسذاجتهم !” -حسب ما جاءت به بيانات بعضهم، أو ما جاء يؤكد عليه بعضهم في حوارات مَؤَسِّسة، خاصة على صفحات مجلة أنفاس -وإن سيتراجع عن هذا الإدعاء جلهم.

هذا في الوقت الذي وجب التأكيد فيه، على أن الفن التجريدي لم يكن ليلقى (في نظرنا) أوجه العالمي، لولا ذلك الصراع الغربي الشرقي بين الضفتين المتصارعتين عالميا، زمن الحرب العلمية الثانية خاصة. إذ سيسعى الاتحاد السوفياتي إلى مواجهة التيارات التعبيرية-التجريدية والانتصار لكل ما هو تشخيصي واقعي، في غاية الترويج لإيديولوجيته الماركسية الشيوعية.. بينما سعت الولايات المتحدة رفقة الدول المتحالفة معها، إلى تبني التجريد كرد على البروبغاندا السوفياتية، وإعلاء المجرد واللاتصويري مقابل التشخيصي والتصويري، غاية في كبح لجام انتشار أية وسيلة يبتغيها المعسكر الشرقي وسيلة لنشر أفكاره السياسية والدعائية.

بينما جاء تبني الفنانين المغاربة للفن التجريدي -خاصة المنتمين إلى الدار البيضاء بحكم مجيئهم من مدارس غربية وخاصة بباريس- في مسعى للرد على الرؤية الغربية للفن المغربي، عن كونه فولكـلوريا أو “سذجا”… فقد سعى الفنان المغربي القادم من الغرب إذن، إلى الانشقاق عن أبوية هذا الأخير، وتشكيل هوية خاصة، إلا أنها في نظرنا، هوية مبنية على ما هو غربي في الأساس، من حيث أن الفن التجريدي هو نتاج غربي خالص… وهذا ما يجعلنا أيضا نعيد طرح سؤال الهوية مطرح تساؤل ملحاح… في الوقت الذي كان فيه الفن الخام (الفطري) فنا مغربيا من حيث العمل والموضوع والفنان.

بالتالي فالفن التجريدي شكل ظاهرة مميزة ارتبطت بالتحولات كبرى شهدها المجتمع الغربي منذ نهاية القرن التاسع عشر بالتحديد، ولو أنه يكاد لا يقتصر على هذه المرحلة، إن ابتغينا العودة لأزمنة بعيدة، وبالتحديد إلى الفن الاسلامي والزخرفة والتوريق وغيره، بينما يمكن أيضا العودة لعصور سابقة من حيث الاعتماد، في تزيين الدور والحمامات، على تلك الزخرفة التي لا تعتمد على أية تشخيصية. إلا أن الأمر لا يعود لوعي محدد كما حدث في العقد الثاني من القرن العشرين مع كاندانسكي ومن زامنه.

3. ماذا بعد؟:

في الوقت الذي ستقفز فيه أوروبا، بعد نهاية الحرب الباردة ونهاية الإيديولوجية وموتها وانهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، إلى تجاوز التجنيس والرجوع إلى الموضوعات البدائية، بما فيها التصوير، عبر إعادة طرح سؤال الذات ونقدها، وشبه التصالح مع الماضي، في حد معين. إذ ستظهر اتجهات تصويرية بما فيها الفوتوغرافيا والفوتوغرافيا التشكيلية، والتصويرية المفرطة، والتصالح مع الجسد ما أبرز فن الفيديو والبرفورمونس وغيرها… ظل فنانون مغاربة -خاصة المنتمون إلى الدار البيضاء مع بضع استثناءات- رهيني التجريدي والقماشة والأشكال المجردة، إلى حد سيفقد التجريد طابعه المدهش في مجموعة من الأعمال المتناسخة، كأنها سليلة خيمة واحدة، إلى حد صعوبة التفرقة بين عمل وآخر لفنانين مختلفين، خاصة بتأثر مجموعة من فناني الجيل الحالي باعمال لسولاج أو تابييس أو غيرهما. وهذا ما عطّل في نظرنا، إلى جانب تشبث البعض بالتصويرية الواقعية بشكل ساذج، دخول المغرب سريعا إلى المعاصرة.

هذا في الوقت الذي وعي فيه مجموعة من الفنانين، بأهمية الانزياح عن التصوير الساذج وعن التجريد من أجل التجريد، إلى الاعتماد على الاشتغال على الشبه واقعية أو الشبه تجريدية، عبر إنتاج أعمال تعمد إلى التعبير عن الجواني والبراني بشكل سيمولاكري، لا يبتغي الإظهار ولا الإخفاء، ولا النقل. من حيث الإدراك بكون الصورة السيمولاكر تتخذ قيمتها باعتبارها نسخة و”لانسخة” في الآن نفسه. إنها نسخة مشوهة عن الواقع، وتصير هي واقعا بديلا، تصير أصلا. فكما يحدد ذلك بنيامين حينما يقول أن الفن المعاصر أزال الهالة عن الأصل عبر نسخه المتكرر، وهذا ما نلحظه في مجموعة أعمال تعتمد على السيريغرافيا أو المونتاج والإلصاق، أو الصور الظلية…والمابعد، في نظرنا، تجاوز أوهام الحداثة، وتسهيل الفن من قبل البعض، والترويج لتيار على أنه “الفن”، في مقابل محاربة تيار آخر بدعوة أنه “فن متجاوز أو لافن”… بدون إدراك للرؤية المعاصرة التي تبتغي الدخول في كل الثورات المابعد حداثية، والتي تسعى لإعلاء من ما هو إنساني وجعل “كل ما ينتجه فن”… بمقابل ضرورة وجود لغة وخطاب وموضوع ورؤية سياسية أو اجتماعية أو دينية، تبتغي مواجهة القائم والسائد رغبة في التغيير، من حيث هذا هو دور الفنان في الأساس.

لا تعليقات

اترك رد