إلى أين يتجه اليمن


 

اليمن السعيد ، او هكذا ما أعتدنا أن نسمي هذا البلد الجميل، الذي بإعتقادي لم يعد سعيدا، و لن يكون سعيدا لفترة طويلة قادمة من الزمن، بعد ان شهد قتالا و صراعا و نزاعا و حروبا داخلية و خارجية متعددة و متنوعة طيلة الفترة من اعادة توحيد اليمنين منذ اكثر من خمس و عشرين عاما و حتى اليوم ، و ربما كان الرجل الأكثر شهرة في تاريخ اليمن الحديث هو الرئيس اليمني المخلوع المقتول علي عبد الله صالح رحمه الله، و ربما كان له الدور الأهم في الأحداث الجسام التي شهدها البلد طوال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من تاريخ هذا البلد ..

الرئيس صالح، مولود عام ١٩٤٧، و قتل في ٤ ديسمبر ، كانون أول عام ٢٠١٧، كان الرئيس السادس للجمهورية العربية اليمنية من عام ١٩٧٨ حتى عام ١٩٩٠، و من ثم أصبح رئيسا لليمن الموحد عام ١٩٩٠ و لغاية تاريخ عزله عام ٢٠١٢ ..

من المصادفات أن أكون ممن واكبوا فترة الحرب عام ١٩٩٣ بين اليمنين الشمالي و الجنوبي عن قرب و من قلب الحدث، حيث كنت حينها أتنقل لإغراض العمل ما بين مدينتي الحديدة و صنعاء، و هما المدينتان اللتان شهدتا أحداثا مريرة هذه المرة أيضا ..

كانت الأحداث و المفاوضات و الجدال في حينها يجري بصوت عالي بين الأطراف المتصارعة، و بشكل رئيسي العليين، كما كان يطلق عليهما، علي سالم البيض و علي عبد الله صالح، و كان هناك هامشا من الحرية و الديموقراطية بما يسمح أن نسمع مناقشات و إنتقادات علنية و جدية لهذا الطرف أو ذاك ، نسمعها على مختلف أجهزة الإعلام و الصحف، و حتى في الحوار و النقاش مع العامة، و حتى في الأسواق و سيارات النقل العام ..

كلمات سمعتها على التلفزيون الرسمي الحكومي للشيخ الزنداني خلال فترة النزاع و الخلاف و الصراع الذي إحتدم قبل الحرب، و هو أحد أشهر رجال الدين في ذلك الوقت، و كان يزور أحدى قطعات الجيش اليمني، لدعوتهم للوقوف بشدة مع مصلحة الوطن خارج الصراع السياسي، قال بالتحديد ” إذا وجدنا العليين سيسببان لنا المشاكل، فسنمسكهما من إذنيهما و نرميهما خارج البلد ” ، هذا ما آتذكره، و ما أ عجبني في ذلك البلد، بلد الحضارات القديمة و التاريخ العريق، فبالرغم من مختلف أنواع التخلف و الأمراض و الفقر الذي يعاني منه معظم طبقات الشعب اليمني، لكن كانت لديهم الشجاعة و الدرجة الكافية و العالية من الوعي و الإدراك ليتعاملوا مع قياداتهم بهذا الشكل ..

ما حدث بعدها، و ماكان متوقعا، أن علي سالم البيض و اليمن الجنوبي لم يكن راغبا بالتعاون و التنسيق و التنازل عن السلطة و القوة بالكامل لصالح البلد الموحد، و كان الرئيس المخلوع القتيل علي عبد الله صالح مدعوما من قبل عدد من الدول العربية الكبرى مثل السعودية و العراق و مصر كما أذكر، حيث غلبت كفة العلي الثاني الشمالي على الأول الجنوبي، خاصة و إنه كان مدعوما من القبائل اليمنية الشمالية القوية و المسلحة بشكل جيد ..

و هكذا غلبت كفة الشمال على الجنوب، و تم توحيد اليمنين بشكل فعلي و يفترض أقوى و أمتن، و كان ذلك في حينها ربما تحقيقا لحلم كثير من اليمنيين، بل لكثير من العرب الذي كانوا يرون أن تحقيق أي تجربة للوحدة هو مكسب و قوة لأمة العرب، البعض كان يرى الأمور بشكل آخر ربما أكثر واقعية، فهذه الوحدة كانت عكس مسيرة التاريخ و الأحداث، و ربما ما تعمل عليه الدول الكبرى العظمى و مصالحها في المنطقة و مصالح إسرائيل و إيران، في إحداث الفرقة و الضعف و التشتت و التمزق في هذه البلاد ، و ربما ما وصلنا إليه اليوم من أحداث في اليمن ما يحقق و يؤكد صحة الرأي و الإتجاه الآخر رغم إننا لا نحبه و نتقبله ..

لقد أعتبر الرئيس صالح في حينها بطلا يمنيا بل قوميا عربيا تمكن من توحيد البلاد، لكن كما يبدو تتجه الرياح في المنطقة بما لا تشتهيها و لا تحبها السفن، الأمور في البلاد العربية بين سئ و ردئ و ضعيف، العلاقات مع الجار القوي السعودية بين مد و جزر، صعودا و نزولا، لأسباب عديدة و متنوعة، و العراق الذي كان الحليف القوي بدأ العد التنازلي لتدميره و الضربة النهائيه لمصيره و وجوده، و السودان و ليبيا و مصر ليست بأحسن حالا كثيرا ..

و المنطقة بشكل عام كانت تشهد العديد من الحروب و النزاعات و الصراعات، ربما كان أهمها في حينها الحرب العراقية الإيرانية، و إحتلال الكويت ، و حرب تحرير الكويت، و من ثم الحصار القاتل على العراق الذي كان يعتبر حليفا مهما لليمن، هذا عدا الصراعات و الخلافات المستمرة مع الجار اللدود ، السعودية، حيث كانت تؤثر كثيرا في السياسة الداخلية و الخارجية اليمنية، و على الأوضاع السياسية و الإقتصادية و المالية فيها ..

الرئيس صالح كما يبدو حول هذا الإنتصار ليعمل لصالحه الشخصي، و لصاله عائلته و عشيرته و قبيلته، و أهمل الإصلاح و التعمير، و لم يعط الجنوب الجزء الأكثر حضارة و تعلما و تطورا، بشكل نسبي، لم يعطيهم حقهم الكافي و العادل في التعامل ماديا و إقتصاديا و سياسيا، و بدأت الوحدة تعاني كثيرا و ربما أصبحت عبئا على الطرفين ..

و كان من نتائج إنفراد صالح و عائلته و عشيرته بالحكم تقريبا، أن عم الفساد و إنتشر في بلد تعداده السكاني كبير، و موارده لا تكاد تذكر، و كنا في حينها نسمع الكثير من الطرائف عن نوع و حجم الفساد المنتشر هناك، منها مثلا أنه سؤل أحد الموظفين عن دخله الشهري فقال ٧٠٠٠ ريال، و سؤل مرة أخرى كم يصرف على القات، الذي أبتلي به أهل اليمن، فقط شهريا، فقال ٢٠٠٠٠ ريال ..

كان يقال أنه لا تنجز أية مشاريع مهمة و رئيسية من موازنة الدولة، بل كانت تتم من خلال

التبرعات و الدعم الدولي، الذي كان سخيا جدا مع اليمن، فألمانيا مثلا أنشأت أحدث منظومة إتصالات هاتفية و بريد في اليمن يضاهي الموجود في أوربا حينها، كما كنا نسمع مثلا أن الرئيس الراحل صدام حسين تبرع برصف شارع المطار، و الرئيس القذافي رحمه الله تبرع ببناء مستشفى، و الشيخ زايد رحمه الله مجمعا سكنيا، و اليابان تبرعت بتكاليف تنظيف مدينة صنعاء، و هكذا ..

تمكن علي عبد الله صالح، رحمه الله، و لا تجوز إلا الرحمة على الميت مهما كان، تمكن من أن يقف على قدميه كلما تعرض إلى نكسة أو هجوم أو معارضة شديدة، و تمكن من أن يكتسب قوة و خبرة و مهارة في التعامل مع القوة المؤيدة و المعارضة داخل البلاد و خارجها، ليخرج منتصرا بشكل ما ..

و كان وقوفه إاى جانب العراق في حربه مع إيران و من ثم إحتلال الكويت و تحريرها و قبلها كعضو في ما كان يسمي ب ” مجلس التعاون العربي ” الذي تأسس بدعم من العراق و عضوية اليمن و مصر و الأردن، و الذي لم يكتب له أن يعيش طويلا لتعلن وفاته مع إحتلال الكويت، علامة مميزة في تاريخه، جلبت له الكثير من الأعداء الذين باتوا يعتبرونه عنصرا للإزعاج و خارج عن الخط العام الذي بدأ يترك معالمه على الأحوال و الأوضاع في المنطقة، و خاصة في منطقة الخليج، و خاصة السعودية ..

كما ذكرنا، كان يحسب لعلي عبد الله صالح مواقفه مع العراق، و إصطفافه مع الرئيس الراحل صدام حسين، و مواجهته الغضب و المعارضة العربية و الخليجية، خاصة مع أحداث الكويت، و ربما هذا ما سبب له الكثير من المشاكل فيما بعد، خاصة و أن هناك حدودا طويلة جدا لليمن مع السعودية، و هناك الملايين من اليمنيين ممن يعملون في السعودية، و الذين إضطر معظمهم للعودة إلى بلادهم بسبب سوء المعاملة و لتوجيه مزيدا من الضغوط الإقتصادية لليمن لتحييد موقفها السياسي، و فعلا بدأت اليمن الفقيرة و المحدودة الموارد أصلا، تعاني إقتصاديا و سياسيا و ماليا ..

كما يحسب للرئيس اليمني صالح وقوفه إاى جانب العراق و العراقيين منذ أيام الحصار و إمتدادا لما بعد إحتلال العراق، حيث فضل الكثير من العراقيين خاصة من المسؤولين السابقين أو ضباط الجيش و أساتذة الجامعات، الإنتقال للعمل و الإستقرار و العيش في اليمن، و تحت رعاية و دعم من حكومة علي عبد الله صالح، و ربما كان ذلك نوعا من رد الفضل للعراق و رئيسه الراحل صدام حسين الذي وفر دعما ماديا و معنويا و عسكريا لليمن في فترات مختلفة حتى في أحلك الظروف التي مر بها العراق ..

لقد جاء الربيع العربي ليتمم على تدهور الأحوال و الأمور في اليمن، حيث تعالت الأصوات لعزل الرئيس صالح، و تعرض حينها لمحاولة إغتيال، لكنه أبى و تجبر و قرر الإستمرار في المقاومة، خاصة و إنه تشجع ربما بمشاهدة الأسد في سوريا صامدا و مقاوما، لكن اليمن غير سوريا و غيرها في العراق ..

تطورت الأمور نحو الأسوأ في اليمن، ليتم عزل صالح عام ٢٠١٢ و تعيين نائبه عبد ربه منصور هادي رئيسا لليمن ليمارس مهامه من مقره في السعودية و بإشراف مباشر و رعاية

سعودية، بعد أن قرر صالح و تمكن من التآلف و التوحد مع قوى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، ميليشيات الحوثي، ليبسط سيطرته على العاصمة صنعاء، و عدد آخر من المدن الرئيسية اليمنية ..

و ربما كانت حركة عزله المدعومة من السعودية و الإمارات و عدد آخر من الدول العربية هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير في اليمن، فالأوضاع هناك لم تتقبل ذلك، كما لم تتقبل موضوع التعاون العسكري و السياسي بين صالح و الحوثيين، أعداء الأمس ، ليكونوا رفاق الدرب في مقاومة حركة و مسيرة ” الربيع العربي “، و مقاومة الضغوط الخارجية التي تسببت في عزله عن الحكم، و كما يبدو أن مصير صالح بعد عزله، و قراره بالمقاومة و المعارضة إستنادا لدعم بعض قيادات الجيش و الحرس الجمهوري الذين بينهم بعض الأخوة و الأبناء و الأقارب، و دعم عشائري و قبلي، و دعم الحوثيين، هذا كله أعطى جرعة مسكنة و مقوية لعلي صالح، ليستمر في الوجود عدة سنوات أخرى متقلبا من حالة لأخرى، و من تحالف لآخر، و من موقع لآخر ..

لكن كما يبدو، كان التحالف مع الميليشيات الإيرانية الدعم التكوين، الحوثيين، و من ثم محاولة الإنقلاب عليهم، هو الخطأ القاتل الذي أوصل علي صالح إلى مصيره المحتوم، و لو بعد حين ..

و الواقع من يتابع مسيرة هذا الرجل، يجد أنه كان بارعا في التقلب بين الأعداء و الأصدقاء، و كان بارعا في التخلص من الأعداء و الخصوم، و كان بارعا في التخلص من الأزمات و المخاطر، و كنت قد شبهته في مقالة سابقة لي ب ” القط بسبع أرواح “، لكن كما يبدو أن روحه أخيرا قد لفظت أنفاسها الأخيرة ..

أحد الإعلاميين في البي بي سي قال، في وصف الرئيس صالح رحمه الله، بأنه كان بارعا في الرقص على رؤوس الأفاعي

DANCING ON THE HEADS OF SNAKES

في وصف جميل لمدى براعة الرئيس صالح في التعامل مع الملفات الخطيرة و الساخنة و المشاكل و الأزمات و النزاعات و الصراعات الداخلية منها و الخارجية، و المحاولة للإفلات منها و البقاء بقدر الإمكان، و كما يبدو أن محاولته الأخيرة للإفلات من قبضة الحوثيين الذين ذهب إليهم بنفسه، و سلمهم اليمن بنفسه، و قوى شوكتهم بنفسه، فكان جزائه القتل على أيديهم، و كما يقال بأمر و توجيه من قاسم سليماني و إيران ..

نعود الآن إلى التوقعات لما سيجري في اليمن بعد مقتل الرئيس السابق المخلوع صالح، و الحقيقة كل التوقعات، أفضلها سئ و مخيف و مقلق و مرعب، قناة سي أن أن العربية مثلا ، تتوقع أن يكون شهر ديسمبر دمويا في اليمن، و نحن نتوقع كذلك أيضا، و ربما ليس فقط ديسمبر، و للأسف الشديد ..

فمهما كانت قوة شوكة و سيطرة الحوثيون و دعم لبنان حزب الله و إيران فيلق القدس و عراق الحشد الشعبي لهم بوضوح و علنية، لكن نتوقع أن يكون للرئيس المقتول حجم كبير من الدعم خاصة و أن له الكثير من الأخوة و الأبناء و الأقرباء من قادة الجيش و الحرس، إضافة لحلفائه في حزبة المؤتمر ، لكن ما لا نعرفه بالتحديد هو حجم الضرر الذي تسبب فيه التحالف مع الحوثيين و من ثم محاولة الإنقلاب عليهم بين حلفاء صالح و من ثم مقتله، و بالتحديد المقربين منه، لكننا نتوقع أن قيام ميليشيات الحوثيين بمثل هذه العملية لا بد و أن تكون مدروسة و محسوبة و مخططة بشكل جيد، و خاصة بدعم و توجيه مباشر من الحليفة إيران، و ما علينا إلا الإنتظار لأيام معدودات لن تطول لنتعرف جيدا على ردود الفعل ..

ما يؤيد رأينا ذلك، أن عدد من مساعدي صالح قد قتلوا خلال عملية الإغتيال، و أن هناك شائعات عن عمليات إغتيال و إعتقالات تقوم بها ميليشيات الحوثيين في عدد من المدن و المناطق للمقربين من صالح في الجيش و الحزب و الدولة ، كما أن بعض التحليلات تشبه قتل صالح بقطع رأس الأفعى الذي يتسبب في شلل جسمها و قتلها، لذلك يتوقعون أن تكون ردود الفعل محدودة و ضعيفة ..

دعاءنا لله تعالى أن يحفظ اليمن و اليمنيين، و أن يخفف عنهم ما يواجهونه من ضيم و مخاطر و مهالك، و أن يرحمهم و يحفظهم من كل شر و سوء، اللهم آمين ..

شارك
المقال السابقحين تخون الثمار أغصانها
المقال التالىزمان الصمت

غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة … عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد