مملكة الورق


 

كان سيادة المستشار ( القضائي ) يواصل مراجعاته الدقيقة للبطاقات الانتخابية، بوصف مسؤولا عن لجنة انتخابية عامة والتي تضم عدة دوائر انتخابية فرعية . التف حوله رؤساء اللجان الفرعية يراقبون ما يقوم به ، بينما راح هو ومساعدوه يفرزون البطاقات ، ويتممون على الأرقام المدونة في المحاضر ، وقد أصاب الجميع التعب الشديد ، فهم ساهرون منذ الأمس حتى ظهيرة اليوم ، ينتظرون التوقيع النهائي والاعتماد من سيادة المستشار لما قاموا به ، وهو مصرٌ – كما أبلغ رؤساءه – أن يراجع بنفسه ، فهناك أخطاء عديدة بالفعل .
رفع المستشار رأسه ، فهناك من يسأله بصوت عال : ” ماذا تفعل يا سيادة المستشار ؟ ” ، وتطلع المستشار إلى سائله ، ليجد ضابط شرطة برتبة عميد بملابسه الرسمية ، فرد عليه بهدوء : ” كما ترى يا سيادة العميد ، أراجع وأدقق النتيجة النهائية ” . فابتسم الضابط وبكل ثقة وقال: ” لا تتعب نفسك ، فقد أعلنوا النتيجة على مستوى الجمهورية ” . وأخرج الضابط من جيبه جهاز راديو ترانزستور صغيرا ، ليسمع صوت سيادة اللواء ، المسؤول عن الانتخابات على مستوى الجمهورية ، وهو يذيع النتائج النهائية .
ساد صمت رهيب في القاعة ، وتجمّدت ملامح المستشار ، وأحنى رأسه ، فواصل الضابط كلامه ، أما عن لجنتك الانتخابية ، فقد جمعوا نتائج اللجان الفرعية، وقال لي مدير الأمن بعدما أبلغته بأنك لازلت تراجع ، قال : لا يهم .
انتظر الجميع ردة فعل المستشار ، الذي ظل منحنيا ، ومن ثم عاد لأوراقه مصمما على إتمام المراجعة ، قبل التوقيع النهائي والأختام .

*****
لا نستغرب موقف المستشار ، الذي تمسّك إلى النهاية بإنهاء أوراقه ، غير واع للمنظومة العامة التي لن تتوقف عنده ، ولا تقيم وزنا له ، وهو في الوقت نفسه لم يستطع أن يسجل اعتراضا عليها ، بل تحصّن بأوراقه متمسكا بألا يضع توقيعه إلا على ما هو مؤمن به ، وهو يعلم جيدا أنه لا قيمة لما يفعل . وتلك هي عقلية الموظف الحكومي الروتيني ، الذي يرى في الملفات والأختام ملاذات آمنة ، ولا يعنيه كثيرا ما يجري في الواقع ، ولا متاعب الناس في الشوارع ، فراتبه الشهري ثابت، وكرسيه مربوط خلف مكتبه ، ولم يحدث أن توقف راتبه أو أوقف عن العمل لأي سبب يختص بأحوال الناس ، فالمهم هو التزامه بالتعليمات واللوائح . فهو جزء من منظومة دولة الموظفين ، هؤلاء الآمنون دوما في وظائفهم ، ولا تفرق معهم كثيرا طبيعة النظام الحاكم ، ولا توجيهاته ولا قراراته ، لأنهم غارقون في أوراقهم .
وقد انتشرت هذه الفكرة ، وتدّعمت في الوجدان الشعبي العام ، وصيغت في المثل العامي الشهير : ” إن فاتك الميري ( شغل الحكومة ) ؛ اتمرّغْ في ترابه ” . فالوظيفة الحكومية أكثر أمانا من أي عمل حر ، ومرحبا بك في مملكة الأوراق ، حيث تجلس مستريحا على مكتبك ، محميا من القيظ صيفا ، ومن البرد والأمطار شتاء ، والأهم أنك ستحصل على راتبك ، وإن قلّ .

*****
” بلد شهادات صحيح ” ، تلك مقولة ” عادل إمام ” في باكورة شبابه الفني ، عندما كان بجوار ” فؤاد المهندس ” في مسرحية ” أنا وهو وهي ” ، كان الأول ” عادل ” يؤدي دور الباشكاتب في مكتب الثاني ” فؤاد “، وقد تضخمت ذات الأول كثيرا ، ويرى أنه يقوم بأعمال لا تقل أهمية عن عمل صاحب المكتب ذاته ، سيادة المحامي. وقد ضحكنا كثيرا على “عادل إمام ” ، وهو لا يزال في بداياته الفنية ، يؤدي دوره بتلقائية عالية ، مرتديا بذلة مهترئة ، وطربوشا مكرمشا ، وهو يمشي مرفوع الأنف ، متحدثا بتعالٍ وأنفة . وكانت الأزمة مع المعَلِّمة التي جاءت تعرض على الأستاذ المحامي أن يتولى قضية زوجها المَعَلِّم ، الذي ضرب صبي المقهى حتى الموت ، لأنه عكّر مزاجه. صرخت المعلمة في الباشكاتب عندما منعها من الدخول على الأستاذ قبل أن تستأذنه هو . ثم شتمته ، وهو قادم إليها في مكتب الأستاذ حاملاصينية القهوة التي طارت بضربة واحدة منها وهي خارجة ساخطة مهددة بعدما رفض الأستاذ المحامي قضيتها . وقف الباشكاتب ” عادل ” ينظر إلى الصينية على الأرض ، وهو يقول : مركزي لا يسمح لي أن أنظف الأرض ، ثم يكرر جملته : ” بلد شهادات صحيح ” .
الجملة الأخيرة دالة على فكر مملكة الورق ، فالعبرة بالشهادات الورقية ، التي هي طريقك للصعود الوظيفي والمكانة المجتمعية . فما أجمل أن يلحق اسمك لقب “أفندي ” وهذا كان أيام الملكية . أما في عهد الجمهورية ، فأنت ستحمل لقب أستاذ والذي تطور لاحقا في عصر مبارك ، ليستجلب ألقاباعديدة ، ترتبط بطبيعة المنصب ، وكلها مأخوذة من أيام الملكية فهناك ” الأستاذ ” للموظف العادي ، و”البك ” لمن يعلوه ، و” الباشا ” لضباط الشرطة وسلك القضاء ، وهناك ” معالي ” للوزير ومن حوله ، وهناك أصحاب الفخامة .
فالعبرة لدى أصحاب مملكة الورق أن تحمل الشهادات الموثقة ، غير معنيينبالكفاءة، ولا المهارات والقدرات المتميزة للشخص، فالمهم ” تستيف ” الورق وضبطه.

*****
وفي فيلم ” معلهش يا زهر ” ( 1950م ) ، للممثل الكبير زكي رستم ، ومعه شادية وكارم محمود وسراج منير ، نجد أن الوالد ( زكي رستم ) يفكر بعقلية الموظفين ، الباحثة عن الأمان والسكينة ، لذا يرفض ابن جارهم التاجر ( كارم محمود ) لأنه يعمل عملا حرا في تجارة والده ، ويرى أن زوج ابنته لابد أن يكون موظفا ، له راتب ثابت ، ومعاش بعد التقاعد . وتأتي المفارقة أن يحضر عريس لابنته بهذا المواصفات ، ينال إعجاب الأب ، فهو يتكلم بحساب ، بذلته متأنقة ، وحذاؤه لامع ، وقد أحضر معه صورة من ملف خدمته ، والدرجات والتقارير التي حصل عليها ، فدرسها الأب بإمعان ، ومن ثم وافق على الزواج . طبعا بقية أحداث الفيلم معروفة ، فقد ضجر الأب من النظام الوظيفي كله ، وآثر أن يتقاعد مبكرا ويحصل على مكافأة نهاية الخدمة ، ويشارك بها جاره التاجر ، بعدما هربت ابنته لتتزوج ابن التاجر ، وتعود بعد عام حاملة طفلها منه .
تلك هي عقلية الموظف في أكثر صورها الكاريكاتيرية ، وللأسف هي موجودة عند الكثيرين ، وأذكر أن أحد أصدقائي أراد تقدم لفتاة ، فرفضوالدها لأنه ليس موظفا حكوميا ، بالرغم من أنه ميسور ماديا ، ويعمل في وظيفة حرة جيدة .

*****
ويتطور الأمر أكثر ، عندما ينحصر العمل في المنظومة الورقية ، ودائرتها المستندية ، وتتمثل في الاجتماعات ، واللجان الرئيسة والمنبثقة والفرعية وفرع الفرعية والثانوية ، وما يتمخض عنها من قرارات وتوصيات ، يسهر عليها الكتبة الموظفون ، ويعتمدها رؤساؤهم المباشرون ، ومن ثم ترفع إلى المسؤولون ، ليتم الاعتماد النهائي بالأختام ، بعد مراجعتها من قبل مجلس الإدارة ، والتدقيق فيها . ولك أن تتخيل الدورة الورقية ، لأي قرار يمكن أن يتخذ .
وقد خرج علينا ذات مرة ، أحد الوزراء ( في دولة خليجية ) ممن دخلوا وخرجوا من الوزارة عدة مرات متحدثا عن واقع حكومي مرير ، وقال : إن الدورة المستندية لأي مشروع إذا مضت بدون عراقيل وفي مساراتها الطبيعية ، تستغرق أربع سنوات.
صحيح أن المنظومة الإدارية السائدة في العالم العربي مأخوذة من النظام الإداري الغربي الذي تطور كثيرا بعدها إلا أنها ظلت لدينا جامدة ، ثم اهترأت . أما هم هناك – في الغرب – فقد أصبحت الشهادات الورقية جزءا من كلٍ في تقييم الموظف ، فهم يجعلون الخبرة والمهارات والإنتاجية هي المعايير الأساسية .

*****
وفي مطلع القرن العشرين ، كانت اليابان – في نهضتها الحديثة – ترسل مبتعثين إلى الجامعات الأوروبية ، للحصول على الدكتوراه في تخصصات تكنولوجيا الصناعات وآلاتها ، مشترطة على كل طالب إتقان إحدى الآلات : تركيبا وتصنيعا وتشغيلا ، مع حصوله على الدكتوراه ، وذلك خلال سنوات لا تزيد على الخمس .
وقد حدث أن عاد أحد المبتعثين لبريطانيا بعد عام من سفره ، دون الحصول على الدكتوراه ، وقال لحكومته : لقد أتقنت الآلة تماما ، ومعها مستلزمات الدكتوراه ، ولا داعي لاستمراري ، وتحميل الحكومة بقية تكاليف بعثتي . فما كان من الحكومة إلا قبوله وتعيينه فورا مسؤولا في أحد المصانع ، شاكرين صنيعه .

*****
إذا تتبعنا مفهوم الموظف الروتيني الورقي ؛ سنجد أنه مستقى من المنظومة الفلسفة الغربية ، التي صاغت ما يسمى بالإنسان الأدائي ، ذلك الفرد المنغمس في العمل ، ويعمل بجد واجتهاد طيلة فترة دوامه ، ومن ثم يعود لينغمس في شؤون أسرته . وهو محصلة طبيعية لتركيبة النظام الاقتصادي الغربي ، القائم على الصناعة كثيفة العمال ، والمصالح الحكومية كثيفة الموظفين ، وكل فرد يختص بالمهمة المنوطة به، فيما يسمى إجادة جزء من الكل . وهي منظومة ابتدعها رجل الأعمال الشهير “فورد ” صاحب مصانع فورد للسيارات في الولايات المتحدة ، عندما قال : لا أحتاج لعمال مهرة في ميكانيكا السيارات ، وإنما أحتاج لمن يعرف جزءا من مئة جزء في تصنيع ماكينة السيارة ، فهذا يكفيني ويكفيه .
وهذا توجه لا بأس به ، ولكن المشكلة في أن يكون هذا العامل / الموظف لا يعرف أكثر من المهمة التي يؤديها ، ويجهل كثيرا المنظومة التي تحركه ، وهو ما انتقل إلينا في عالمنا العربي ، حيث أنشئت دولة الموظفين الأدائيين ، ومنهم نشـأت فئة التكنوقراط ، التي تولت المناصب العليا والوزارات ، تعمل بعقلية الموظف بكل ورقياتها ونظامها الروتيني ، ويندر ابتكارها ، وتخاف من التجديد ، بل تخاف من الإكثار في العمل ، على قناعة أن ” من يعمل كثيرا يخطئ كثيرا ” ، والأفضل العمل المحدود الذي يسيّر السفينة ، ولا يعطلها .
*****
والمفارقة في كل ما سبق ، أن الدولة – وفق المنظومة الورقية – تسير منضبطة ، ملتزمة باللوائح والتوصيات والأطر القانونية ، ولكن الواقع غير هذا ، فهناك مشاريع وإنجازات ، عبّرت عنها ملايين الأوراق والمستندات ، وبشّرت بها التصريحات الوزارية ، والخطط الحكومية ، ولكنها للأسف غير متحققة أو مرجئة ، أو هي قائمة ولكن ضعيفة في أدائها التشغيلي .
وتلك طامة كبرى ، كيف تتحقق النهضة إذا كانت العقلية ورقية ، وكيف تتقدم الأمة إذا كانت القيادات المسؤولة تفكر بعقلية الموظف .
وها هو مصطفى الفقي، أحد رموز عصر مبارك ، يقول في برنامجه الشهير “السنوات الضائعة ” : إن مبارك كان يفكر بعقلية الموظف ، لا يهمه الزمن ، ولا ينظر للناس كثيرا ، فكل شيء يؤجل لمزيد من الاستيثاق ، فأرجئ الحل لآلاف المشكلات حتى تعاظمت ، وعندما أراد الحل ، كانت قد تعملقت واستعصت

لا تعليقات

اترك رد