ومن البيان ما فتن، ومن الجمال ما أطفأ لهيب الفِتن


 

كما أنك ترتب شكل اللقاء وتختار له الزمان والمكان، وتذهب إلى أفخم محلات الورود لتنتق باقة أنيقة تعبّر بها عن حجم ذوقك، واهتمامك بمن ستجالسه على طاولة مستديرة، بأغطية ناعمة وأضواء تبعث إلى الهدوء. ترش حولك العطر الباذخ، لتجعل من قطراته هي السفير الذي يترجم جمال روحك بأسلوب مخملي.
كذلك عليك أن تنتقي كلماتك وتختار أجمل ما في قواميس الكلام حين تحاور الآخر الذي يقاسمك الأرض وتتشارك معه تفاصيل الحياة.
يتوهم الناس حين يعتقدون بأن سحر البيان ولغة الجمال هي حكر للشاعر والأديب فقط، وبأن التعبير الرقيق ليس من ضمن أولوياته وليست من اختصاصه. ومن المؤسف عندما يستسلم ويلقي رايته ويقول: أنا لست شاعراً لكي أرد عليك بالكلام الجميل؛ ولا ينتبه بأن القواميس لم تخلق لتكون في متناول الشعراء ولا الأدباء فقط، وجمالية الحوار ليست مادة في دستور الحياة خُصصت لثلة من البشر وأعفي منها الباقي.
فمن الأسباب الجوهرية وأكبر الخلافات التي تقع ما بين البشر والحروب التي وقعت في الماضي والحاضر بدأت بمجموعات كلمات وتصريحات فيها تهكم وتعدي على مشاعر أو عقيدة الآخرين مما أدت إلى إثارة الجدل الفارغ ومن ثم تحولت إلى فوضى وصخب وقد تمتد إلى أكثر من ذلك وتندلع من بعدها الحروب والانشقاقات وتخلق صراعاً مذهبياً وطائفياً وعقائدياً وهذا ما حدث عبر التاريخ وما يحدث في وقتنا الراهن.
بات علينا أن نفهم وندرك بأن الناس قد خلقوا وهم مختلفون باللون والعقيدة واللغة والمذاهب وكذلك علينا أن نؤمن إيماناً مطلقاً وواعياً بأن الاختلاف فيما بين الناس هو أمر طبيعي وحتمي.
“طالما أننا لم نكن الذين خلقوا أنفسهم واختاروا ألوانهم ولا ديانتهم يكون علينا أن نتقبل هذا الاختلاف ونتعامل مع الآخر المختلف بكل ذوق، وعلينا عندما نحاور هذا الآخر نحترم ديانته وعقيدته حتى وإن لم تتقاطع مع ديانتنا ولا معتقدنا”
فلو تصفحت الإنجيل والتوراة وصولاً إلى القرآن الكريم من المؤكد بأنك لن تجد آية أو سورة أو أيّ نص وتشريع يدعو إلى التقليل من شأن الآخر المختلف على العكس هناك العديد من العبارات والآيات والأحاديث التي تحض وتدعو إلى المحبة والسلام:
((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))
((اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ))
((أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ))
((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَفَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ))
ولو مسحت برفق على جسد حيوان لوجدته قد صار ليناً رقيقاً يمسح فروه بخيطان كفك مثل طفل صغير. ولو رششت الماء على نبات أنتعش وارتعش وكأنما يبادلك الحنان بجمال أوراقه اللامعة عربون محبة منه لرأفتك به. فكيف لو غمرت الآخر بروعة المعاملة وهمست له بكلام يذيب الحجر سيصغي إليك رغم الاختلاف ما بيتكما.
إن الشرارة الأولى التي اشتعلت ومن ثم أحرقت حقول السلام؛ كانت جراء تهمة تاريخية أو شتيمة طائفية، أو التقليل من شأن الآخرين أو الاستهزاء بعقيدتهم.
فما بين مؤيد لحزب من الأحزاب، وما بين معارض أضعنا أجمل ما نملك و أعظم ما خلقت من أجله الدنيا وهو الإنسان؛ فالإنسان هو من يصنع الحياة وهو من يشكّل ملامح الوطن، فعندما اُغتيل الإنسان بهذا الاغتيال ضيع الإنسان العربي وطنه وعمت الفوضى من حوله وشبت الحرائق في كل شبر من الوطن الذي يسكنه هذا الإنسان. وكان الإنسان على اختلاف مذهبه وعقيدته وديانته هو الخاسر في سلسلة الاغتيالات والتصفيات الطائفية.
ماذا تخسرون لو أنكم مددتم أصابع عقولكم وتناولت من مائدة الجمال أطباق التسامح وفاكهة المحبة وتبادلتم مع الآخر المختلف تلك الأطباق والفواكه اليانعة. إن للكلام الجميل تأثيره البالغ على النفوس، والكلمة الطيبة حصادها وثمرها أطيب.
قوموا من غفلتكم وتعصبكم ومدوا أيديكم للمصافحة وتعانقوا وتعايشوا مع الآخر على أنه توأمكم ونصفكم الذي به يكتمل شكل الجمال. ومن سحر البيان ما فتن، ومن الجمال ما أطفأ لهيب الفِتن.

شارك
المقال السابقالأقتصاد الريعي قاتل الديموقراطية
المقال التالىمنظومة هَاَرْبْ

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد