قراءة في كتاب اللاعنف في التربية للفيلسوف الفرنسي جان-ماري مولير


 

قراءة في كتاب اللاعنف في التربية للفيلسوف الفرنسي جان- ماري مولير
محاولة لاكتشاف المفاهيم والاسس

توسعت ظاهرة العنف المدرسي والبيتي بشكل كبير في مجتمعاتنا مما يدفعنا لدق نواقيس الخطر والسعي الحثيث من اجل سلامة اولادنا النفسية والجسدية في مجتمعات تعاني مخلفات الحروب، والصراعات الاجتماعية الطاحنة التي تسحق طفولتهم في عجلة العنف الطاحنة التي لاتتوقف عن الدوران. واحسب ان لامخرج من هذه الدوامة الا بالبدأ بالتثقيف على ثقافة سلام وانسانية جديدة تحل محل مصحات الرعب القاتلة التي نعيش فيها، حتى لو بدى الامر مثالايا نوعا ما ، لكن انا شخصيا اؤمن باهمية ان نحلم ببداية جديدة الان. لذا احاول تقديم مشروع مهم في التربية على اللاعنف للفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر، لعله ينفع من يرغب في مساعدة نفسه والاخرين لخلق بديل تربوي اكثر انسانية في مجتمعاتنا.

يعد الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر( 21 اكتوبر 1939) المختص بفلسفة اللاعنف ومدير الدراسات في معهد البحث من اجل بديل لا عنفي، وعضو لجنة رعاية التنسيق الفرنسي من اجل عقد ثقافة السلام واللاعنف، من اهم الداعمين لقضايا السلام في العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص، فقد زار اماكن متفرقة من الارض العربية وقدم محاضراته بهذا الخصوص. كما ان له عدد كبير من المؤلفات التي تم ترجمتها الى العربية من بينها. ( قاموس اللاعنف، معنى اللاعنف، نزع سلاح الالهة، انجيل اللاعنف…الخ).

اما كتابه الذي سنتحدث عنه في هذا المقال اللاعنف في التربية الذي صدر عام 2002 فيكتسب اهميته من تبني منظمة اليونسكو نشر هذا الكتاب فقد قدم للكتاب ( كويشيرو ماتسورا) المدير العام لليونسكو، للتعريف بالمفاهيم الاساسية للسلام واللاعنف ونشرها في اكبر عدد من البلدان العربية، لفائدة المربين وكذلك الطلاب والشبان وكل من له اهتمامات ببناء ونشر السلام في مجتمعات مابعد النزاعات المسلحة. لاسيما بعد ان اعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة في العاشر من نوفمبر 1998 فترة( 2001-2010) عقدا دوليا لتشجيع ثقافة السلام واللاعنف لصالح اطفال العالم وفق القرار 53/25 .

وضع مولير في كتابه اللاعنف في التربية مجموعة من المفاهيم الاساسية التي تستند اليها اسس التربية اللاعنفية ومنها:

1- مفهوم اللاعنف:

قدم غاندي كلمة لاعنف للعالم بعد ترجمته المصطلح السنسكرتي (ahimsa ) الذي كان شائعا في نصوص الادب الهندوسي والياني والبوذي، ويتضمن المصطلح معنى البراءة اي فضيلة من لايرتكب ضد الاخرين اي عنف قاتل، فاللاعنف يرد الاعتبار للبراءة كفضيلة للانسان القوي وكحكمة للانسان العادل. فاللاعنف هو موقف جوهري هو الغياب التام لسوء النية بحق اي كائن حي. ينشأ العنف من الصدام مع الاخر والرغبة في ازاحته او امتلاك ما ملكه هذا الاخر قبلنا، الاخر تهديد مستمر لوجودنا يشعرنا بالقلق والتهديد المستمر. لذا فان جملة مفاهيم اخرى تنضوي تحت مفهوم اللاعنف منها مفهوم النزاع والعدوانية.

2- النزاع:

ينشأ النزاع من الخوف والقلق الذي يثيره الاخر فينا حين يبدو منافسا لطموحاتنا يلقي وجوده شعورا بالريبة وانعدام الامان لدينا. وهنا ينشأ الصراع بين الانا والاخر، اذن فالنزاع قضية حتمية بين الناس لابد ان نواجهها ونعالجها، لكن الخلاف يكمن في القرار الذاتي بكيفية المواجهة، هل ستترافق مع العنف والغاء الاخر ام تعتمد تسويات وتتضمن تطمينات تكفل حقوق الاطراف المتنازعة؟ وقد وضع مولير سببا للنزاع هو الرغبة في ( المحاكاة) وهي الطريقة التي يتنافس البشر فيما بينهم فحيازة غرض ما يصبح سببا للتنافس لكونه مرغوبا في الوقت نفسه من عدة اعضاء في الجماعة وكل هذا منشؤه الغيرة وهو احد دوافع النزاعات التي تجابه الافراد بعضهم ضد البعض الاخر. اذ تولد السلطة على الاشياء سلطة على الاخرين، لذا فان الصراع على الاشياء هو صراع من اجل السلطة وهو يدفع الانسان الى ان يطلب اكثر ولا يتوقف عن السعي لامتلاك السلطة. وهكذا فان التنافس بين البشر لايمكن التغلب عليه الا من اللحظة التي يقيد فيها كل فرد رغباته.(( الرغبات المقيدة تتوافق مع العالم، الرغبات التي تحتوي اللانهائي لا تتوافق مع العالم)) سيمون فايل.

والنزاع ليس سلبيا دائما لان هناك نوع من النزاع يؤدي الى نيل الحقوق وصنع العدالة بين البشر. لكن العنف ينشأ من التعسف في استخدام القوة، وتشيئ الانسان اي تحويله الى شيء فالقتل شكل بدائي للعنف لكن التشيئ هو الشكل الاشد خطورة حيث يتول الانسان الى وسيلة لتحقيق غايات ناس اخرين.

3- العدوانية:

العدوانية قوة قتالية وهي قوة تاكيد الذات وتعد من اقوى الدوافع الغريزية الانسانية، والعنف ليس سوى مظهر من مظاهر العدوانية لكنه ليس العدوانية بذاتها وليس التعبير عن العدوانية بالعنف حتمية طبيعية فهي كالنار يمكن ان تكون خيرة او شريرة هدامة.

فالعدوانية تتحول الى طاقة خيرة حين تقترن بنضال الانسان لنيل حقوقه من مغتصبيها وتاكيد ذاته ومواجهة خوفه، فدون العدوانية يتحول الانسان الى الهروب الدائم امام تهديدات الاخر والعمل اللاعنفي يهدف بادئ ذي بدء الى خلق النزاع وايقاظ العدوانية لدى المظلوم للمطالبة بحقه لان قدرة الانسان على الرضوخ اكبر من قدرته على المجابهة والعصيان. وهنا يدخل مفهوم القوة التي ترادف معنى العنف لكن في النظال اللاعنفي تكون القوة هي قوة المجابهة بطرق لاعنفية وقوة اثارة نزاع بهدف تحقيق المطالب، وليس قوة الدمار والتخريب والحروب وقتل البشر لذا فمصطلح استخدام القوة قد يكون مضللا غالبا لانه يعني استخدام العنف الهدام.

وتبرير العنف والقتل بسبب كونه موجود في طبيعة الانسان هو التفاف على حقيقة اخرى كون الانسان كائن يمتلك الوعي بخطورة افعاله وبامكان العقل ان يلجم الشر مع وجود القوانين التي تعزز قوة الوعي واللجم. فريضة اللاعنف هي فرضة العقل نفسها.

4- حكم المواطنين:

مسؤولية المدرسة ان تمكن الافراد من التحول الى الديمقراطية الحقيقية التي هي ليست شعبية بل مواطنية لان مواطنة كل امرأة ورجل في المجتمع هي التي تؤسس للديمقراطية، فالانسان كائن علائقي اساسا قادر على الائتلاف مع البشر الاخرين عبر الكلام والعمل، فالمدرسة تحول الديمقراطية من حكم الشعب لنفسه وبنفسه الى اعتناق الفريضة الاخلاقية التي تجعل المرئ يحترم الحق اكثر من احترام الاقتراع العام.

اسس تربوية اعتمدها جان ماري مولر لتحقيق التربية اللاعنفية في المدارس

1- التربية على المواطنة

يجب ان يكون طموح المربي ليس تعليم الطفل المعارف بالدك والتلقين والاكراه، بل تربته اي ان يطلب من الطفل النظر الى كلمات درسه وفحواها والفائدة التي جناها ليس عن طريق الاستشهاد من ذاكرته فحسب بل من حياته، يهدف التعليم بصورة اساسية الى النافع فهو نفعي ينقل معرفة تتيح مهارة لكن مهما بلغت العلوم التقنية فانها تبقى غريبة عن القيم التي تضفي على الحياة معنى، فالعلم لاتتيح التفكير في العنف ولا في الالم ولا في الموت، لذا فالمدرسة واجب تربوي وحيز وسيط ومكان انتقالي بين حلقة الاسرة وبين العالم الرحب يكتشف فيه التلميذ مجتمع الاخرين والعيش المشترك مع الاخرين فهي المكان الامثل للتمرس الاجتماعي والسياسي

والمواطني. فمعنى كلمة ربي هي ربي على الحرية والقانون فاللعب يتطلب قوانين والانضباط المدرسي قوانين ايضا وهذه القوانين تمثل جملة اكراهات تربوية غير عنفية لانها قائمة على عقد جماعي متفق عليه داخل المدرسة وافق التلميذ عليه مسبقا.

وبهذا يلتقي مولر مع التربويين الامريكان في تقديم المنفعة في التعليم وفق الفلسفة البركماتية ولاسيما تشارلز بيرس و وليم جيمس وجون ديوي ، حيث العملي ينطبق على القوانين الاخلاقية والبركماتي ينطبق على قواعد الفن واسلوب التناول، اذ يرى جون ديوي ان الاهداف تتضمن دافعا يحس به الفرد او الجماعة ثم يتحول هذا الدافع الى رغبة ثم تتحول الرغبة الى التفكير في تحقيقها عن طريق تغيير الظروف المناسبة. وهذا يتعارض مع التربية التقليدية التي توجهت نحو التحفيظ والتسميع التي ادت الى قتل روح الابتكار لدى التلاميذ وتحويلهم الى نوع سيئ من المواطنين يؤمر فيطيع، وتوضع له الخطط فينفذ.

2- التربية اللاعنفية تعلم طاعة القانون

ينبغي ان يتعلم الطفل طاعة القانون في المدرسة لكن القانون الذي ينتج عن علاقة الحوار فيكون صوت التلميذ مسموعا، وليس خاضعا لسلطة الراشدين، فكل عمل لانشترك كلنا به هو عمل عنيف،هذا يعني انه ينبغي على المربي قبول الحوار والنقاش مع التلاميذ فليس للمعلم في التعليم اللاعنفي سلطة مطلقة على التلاميذ.

ينبغي ايضا تعويد التلاميذ على الاستقلالية بدل الخضوع والحس النقدي بدل الطاعة العمياء. والتنبيه على العلاقة القائمة بين القانون والعدل واهمية الالتزام الاخلاقي الذي يعود بالنفع على جميع الافراد، فنواهي القانون هدفها ضمان العدل واحترام حقوق الجميع، فعليه ان لايسرق اغراض جاره حتى لايسرق جاره اغراضه هو ولايخرب ملكية غيره حتى لايعتدي الاخرون على ملكيته..الخ لذا فالاحترام واجب الجميع.

وهنا ياتي دور المربي في مشاركة التلميذ في وضع القواعد معا اي مساهمة التلاميذ في وضع قوانين تحكمهم ( رسم الميثاق) وتعريفهم ان هذه القوانين قيود للحرية لكنها في نفس الوقت ضمانات لها.

3-القصاص التربوي

يراد من القصاص التربوي اقناع التلميذ باحترام فرائض القانون لذا يلجأ المربي الى الاكراه مع افهام الطفل انه خرق العقد الذي قبل به بنفسه، كي يتيح له ان يعي مسؤولية افعاله سواء تجاه نفسه او تجاه الاخرين.

لكن يجب ان تتوجه العقوبة الى الفعل وليس الشخص فحين نقول ارتكبت حماقة غير ان نقول انت احمق، ولا يجوز تحويل العقوبة الى فعل انتقامي فحين يدرك التلميذ خطأه ويصلح الضرر ويعتذر فالاجدر طي الموضوع والغاء القصاص ولابد ان يكون من احد المبادئ اللاعنفية الاساسية اعادة اعطاء الطفل فرصة جديدة دائما.

3- كسر قانون الصمت

تعليم الطفل ان يرفض ان يكون الضحية وان يكسر قانون الصمت الذي يفرضه العنيفون في المدرسة كلمة لا تصبح هدفا في حد ذاتها فهي تعني انك لاتوافق على مايفعلونه بك ومايسببونه لك من ازعاج، لان قوة لا ستمكن الطفل المعنف من تحقيق العدالة لنفسه والانتصار لانكساره بعد خوف من المعنفين.

القاعدة هي ان يتكلم كل طفل معتدى عليه عن العنف لعضو من الجماعة التربوية، وهذا الاجراء يلعب دورا رادعا للمعتدين المحتملين. ويغير مناخ المؤسسة ويقلص اعمال العنف.

اختم هذا المقال بمقولتين لجان ماري مولر الاولى(( تبدأ التربية على اللاعنف من لاعنف التربية))

الثانية(( ان افظع ما في العنف ان اناسا يمارسونه ضد اخرين. ولكن هذا يثبت انه ليس حتمية))

كل ما علينا ان نسعى لامكانية نشر اللاعنف حتى لو كان الطريق طويلا وغير معبدٍ لكنه يظل غير مستحيلٍ.

لا تعليقات

اترك رد