الأقتصاد الريعي قاتل الديموقراطية


 

منذ مدة ليس بقصيره انشغل تفكيري عن سبب فشل انشاء، ولا حتى نمو طفولي للديموقراطية في بلداننا، بينما ضربت الديموقراطية جذورها في دول شرق اسيا و تتنفس فيها.
الديموقراطية تحتاج الى حيز لممارسة نشاطها، فهي لا تمارس نشاطها في حيز غير محدد المعالم، وهذا الحيز هو البلد او الوطن. او بتعبير اكثر دقة في حيز الدولة الامه. هذا الحيز يتميز بدستور وتعريف محدد سياسي للوطن و فصل السلطات وحقوق للمواطنين متساويه، وبناء اجتماعي ممثلا بقوى سياسيه تمثل المجتمع على اساس افقي وليس عمودي.
نشاء مفهوم الدولة الامة مع نشوء البرجوازيه، او بتعبير اكثر تداولا سيادة الراسماليه. فقد قضت الراسماليه على حكم النبلاء و حكم الاقطاع المتحالف مع الكنيسة، و تحديدا الكاثوليكية منها، ويشر البعض الى دور البروتستانتيه في تطوير الراسماليه، لكن هذا الامر خارج اطار هذه المقاله ويحتاج الى مجالات اخرى في تناوله.
وجدت البرجوازيه ان من مصلحتها الحركة الحرة لراس المال و انتقال العمل، وكان يقف ضد هذا الاقطاع و الكنيسه، وبالاخص نظام النبلاء الذي يحتقر العمل و يعتبر قيمة الانسان بنسبه. هذا النظام دعم بقوة من قبل البطريريكيه الكنسيه او الدينية ان شئت. وكان النظام الاقطاعي مبني على سطوة النبلاء على مقاطعات معينه يمارسون فيها قوانينهم الخاصه على الفلاحين ضمن مقاطعتهم . اي بكلمة اخرى لم يكن هناك قانون جامع لجميع اجزاء ذلك البلد او الدولة التي لم تكن امه.
احتاج النظام الراسمالي الى اعادة تنظيم المجتع ليس على اساس المقاطعات وملكيات النبلاء و الكنيسه بل الى تنظيم اوسع، وهنا ظهر مفهوم الامة الدولة في اوربا واتفاقيات ترسيم الحدود بين الدول الاوربيه. فانت حين تجوالك عبر السيارة او القطار في اوربا الغربيه اليوم لا تجد اية حدود طبيعية تفصل بين بلد واخر لولا اعلان يرحب بدخولك دولة جديده او نقطة امنيه تسالك عن جواز سفرك او هويتك. وبهذا كانت البرجوازيه تضمن مصالحها ضمن هذا الاطار السياسي المسمى بلد. فشرعت القوانين والاتفاقيات الدوليه لضمان مصلحة راس المال الوطني. الا ان النقلة النوعية هذه لم تترك بقية تشكيلات البلد على حاله السابق. حيث ان قيمة العمل بدات باخذ شكل الاجر بدل السخره لان الراسماليه لا يمكن ان تقوم الا على اساس الاجر مقابل ساعات معينة من العمل. وبهذا وبعد ان ضمنت البرجوازية هذا الجانب وحدت المقاطعات السابقه في بناء جديد يسمى الدوله او الوطن او الامه عبر دستور شامل يطبق على جميع اجزاء تلك الارض. وباعتقادي فان فلسفة الديموقراطيه جأئت بعد انشاء الامة الدوله. وكان للمثقف دورا بارزا لا بل حاسما في بناء فلسفة الديموقراطيه.
لنعد الى سلسلة الموضوع. الراسمالية تنشئ الامة الدوله. ليس على اساس حقوق النبلاء الاقطاعيين بل على اساس التحالف بين العمل وراس المال ضد التحالف القديم بين النبلاء-الاقطاعيين والكنيسه، وتفلح في ذلك بنجاح باهر. حيث حققت البرجوازية الاوربيه نجاحات باهره في مجال التنمية الاقتصاديه و العلوم و الحريات الفردية و الثقافه لا بل نقلت تلك المجتمعات الى مراحل متقدمة جدا. وارجو ان لا يفهمني احد بانني امجد هذا المجتمع دون نقده، بل لانني هنا لست في مجال تقيم المجتمع الراسمالي، بل فقط في مجال علاقة الراسماليه بالامة الوطن، وهو مجال نشاط الديموقراطيه عبر المؤسسات والقوانين و مبدء المواطنه بدل نبلاء العبيد.و وتبع. ففي المجتمع القبلي والاقطاعي يسود مفهوم الاسياد و التوريث بدل اختيار المواطن او العقد الاجتماعي، قلة تمتلك الاغلبية المطلقة للثروة وهناك اغلبية بين جياع و معدمين. وليس هناك ابلغ من مقولة ادم سميث، مؤسس علم الاقتصاد ومنظر الراسماليه في الربط بين حريه الفرد و الراسماليه حيث يدعو سميث الى ” دعه يمر دعه يعمل” . ففي مؤلفه ثروة الامم عام 1776 يدعو ادم سميث الى ” تعزيز المبادرة الفردية ، والمنافسة، وحرية التجارة بوصفها الوسيلة الافضل لتحقيق اكبر قدر من الثروة والسعاده”. ولا يخفى هنا الربط بين الحريات الفردية وسيادة الراسمالية.

النفط دم الشيطان
تاسست دولنا نتيجه للصراع الدولي لتقسيم الاسواق، وهي ليست الدول الوحيدة في ذلك، فدول جنوب شرق اسيا، التي يطلق عليها اليوم النمور الاسيويه، بعض منها مر بذلك. ولم يكن همها انشاء مجتمعات ديمقراطيه بل كويكبات تدور في فلك النجم الكبير الشمس. لن اطيل في هذا المضمار لانه خارج اطار الموضوع.
ما بعد ” الحريه” كما تسمى في الادب السياسي يقصد بها بناء نظام سياسي مختلف عن الذي سبقه. واصبحت مفردة الحريه ملاصقة ومرتبطة فقط بالاستقلال من الاستعمار. ولم يتطور هذا المفهوم عندنا لحد هذا اليوم.
بعد ما يسمى ثورات التحرر الوطني اعتمدت السلطة على النفط كدافع اجور لقطاع العمل وربطت القطاع الخاص بسلطة الحكومه، عبر حصر جميع المشاريع الاقتصاديه بيد الدولة. بتعبير اخر لم تتشكل عندنا برجوازيه وطنيه مستقله من مصلحتها بناء الديموقراطيه، واخص هنا بالبرجوازية الصناعيه. فمذ الاتفاع الهائل في اسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي ظهرت عندنا طبقه برجوازيه اقسمها الى :

1-برجوازيه بيروقراطيه.
وهي المسيطرة على جهاز الدولة و تتكون ثروتها من الاجور والمرتبات و الكومشنات و الفساد. ليس من مصلحة هذه الطبقه اطلاقا تطور مجتمع ديموقراطي عراقي يحاسبها لا بل هو من يختارها او يزيحها. لا وبل ان من مصلحة هذه الطبقة بقاء المجتمع متخلف في وعيه وتعليمه لانها لا تحتاج له فالدخل يتولد عبر التصدير للنفط فقط وفتح حسابات في البنوك تودع فيه ايرادات النفط. اما الميزانية العموميه، فانها بابين المصاريف والايرادات، لا دور اخر لها، بينما في الدول المتطوره فدورها خطير اقتصاديا و سياسيا .

2-برجوازيه طفيليه.
وهي الفئه الملتصقة بقمة السلطة، ومن القطاع الخاص، وتمارس نشاطها عبر مناقصات تعلنها الدوله، وهي بالتالي تتكون ثروتها ودخلها من المشاريع الحكومية تحديدا، وليس بشكل مستقل عن سياسة الحكومة الاقتصاديه، لا بل ترتبط هذه الفئة مع الاقطاب المهمة وصاحبة القرار في قمة السلطة وبالتالي تدافع عن مصالحهم

ملاحظة قبل الختام :
البرجوازيه التقليديه او الغربية ان شئت لها مصلحة في تحسين المستوى المعاشي للمواطنين ولكنها ضد اعادة توزيع الثروة. والسبب في انها ترغب في ارتفاع دخل المواطن لان ذلك سيؤدي الى زيادة استهلاك المواطن مما يزيد من دخولها.
اما البيروقراطيه و الطفيليه فلا ترتبط اقتصاديا بالحالة الاقتصادية الدخلية للعراق، بل بالسوق العالمية التي تحدد اسعار النفط وبالتالي ايرادات او دخل العراق. اي انهم مغتربون عن الوطن. فالحريات الفرديه ستصبح حتما ضدهم فهم لا يؤمنون بمقولة ادم سميث ” دعه يمر دعه يعمل” لانها ضد مصالحهم ولا يدعون الى تعزيز المبادراة الفرديه ما دامت السلطة هي الخالق الاول وربما الوحيد للدخل. ويبقى موظفي الدولة هم الشريحة الممثلة للبرجوازية الصغيرة والتي ايضا ترتبط مصالحها بمصلحة السلطة عبر مرتباتها وهي بمعنى اخر غير مستقله ايضا عن السلطة السياسية.

تقليل اعتماد العراق على النفط هو اول الطريق نحو الديموقراطيه، لانه سيعزل البرجوازيات المشار اليها اعلاه، وتنشيط القطاع الخاص العراقي الصناعي تحديدا خطوة نحو الديموقراطية.

لا تعليقات

اترك رد