إشكالية القدر .. كشف النقاب وإضفاء الرؤية الفنية الواعية


 
الصدى-دراسة

إن مؤلّف (إشكالية القدر في النص والعرض المسرحي دراسة أصول القدر فنياً وعقدياً اوديب ملكاً لسوفوكلس أنموذجاً) الصادر عن دار الإبداع للطباعة والنشر-العراق/صلاح الدين 2016 للمخرج كاظم صفصاف العاني،ما هو إلا شاهد إنساني غار في الأعماق نتج عن عقل حصيف والتفاتة مسرعة عن العالم المحيط وبشهادة صادقة متوثبة بدراية عن الصراع الدائر حول مهمة تفكيك رموز هذه الإشكالية باستخدام حواس المؤلف الفنية والمهنية في الإخراج التلفزيوني بورع نامي لفتح آفاق جديدة بدعم علمي ورؤيا متحررة من قيود المجتمع المصاب بالإجهاض والصدود في زمن الطوفان..وهي دون شك تندمج مع ظروف الحياة حسب رأي ايزنشتاين (الذي ينظر إلى مادة الحياة باعتبارها حجة في الدفاع عن الفكرة وترجمة المفاهيم الى لغة الفن رغم إن المفاهيم مجردة من التحديد المرن لأنه بحث عن معادلاتها المرئية من ظواهر ووقائع الحياة وخلق صوراً لها معان كثيرة )

وينعطف ذلك تماماً مع قول توفيق الحكيم (الدنيا رواية،وما نحن سوى ممثلون لأدوار كتبها لنا “القدر”على خشبة مسرح الدنيا وما أن ينتهى دورك فى المسرحية تخلع ثوب عملك وتنسى ذللك الدور وتبحث عن غيره)..

وبناء على ذات الموضوع سالف الذكر فإن (القدر) على رأي الإمام أبي حامد الغزالي: هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة، بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص..

وإن تناول مؤلّف (إشكالية القدر في العرض والنص المسرحي دراسة أصول القدر فنياً وعقدياً) للمخرج التلفزيوني كاظم صفصاف العاني فيه شيء من التكلف لما فيه من أبواب كثيرة ومناقشات جادة لحداثة الموضوع ولدقته وتداخل النتائج والأسباب فيما بينها (وأعني الحاجة الى التخصص الدقيق) .. , وبشكل مختصر نتمكن من القول أن الحياة مسرح ونحن أبطالها فلا يقع عارض معين فوق الأرض إلا وله قدر معلوم “زمان –مكان – شخوص” وان إعادة مسرحتها يعني تبويب فني وأرشفة لنسق الأحداث عبر سلسلة من المرشحات بشكل “قدري” آخر لإسقاطها على موضوعات المجتمع لصنعه من جديد بغية التأثر والتأثير (اعطني مسرحاً أعطيك شعباً مثقفا)أفلاطون..

ان دراسة الإشكالية جاءت خطوة جريئة وفلسفة فنية اذ تمكن المؤلف كالصياد الماهر الذي مد شباكه في البحر ولمَّ أطرافها وقبض جواهر فنه الثمينة وقدمها إلينا دون مقابل…كما انه قد جمع بين علوم عدة(فيزياء-أدب-إعلام-مسرح-اجتماع-دين-علم نفس) لخدمة الموضوع ويدل ذلك تتبع خطوات الإحاطة باشكاليته ودراستها وفتح شفرتها وتحليلها موضوعياً بلغة “اني أعلم ماذا اصنع”

وعلى قول الأديب المسرحي الراحل – جبار صبري العطية – مؤسس جماعة المسرح المعاصر (الفقراء والضعفاء والمظلومين في أعمالي المسرحية تصعد صرختهم إلى السماء وتنزل على القوي الظالم أقوى مما تنزل الصاعقة )وفي قول آخر الإنسان يحيا مرتين الأولى في الحياة الطبيعية،والثانية في المسرح غير أن الفرق بينهما كبير،الأولى (واقعية ) والثانية (صورة فنية) مقطرة ومنقاة ، وعليه أن تكون أجمل وأمتع من سابقتها ، وإلا صارت فوتوغرافية نسخة ثانية منها ،وبها يفقد المسرح مشروعيته ومبررات وجوده..

كاظم صفصاف زاهد- مبدع بدأ بمفرده تحت قبة ثقافته الخاصة التي يفهمها دون غيره تنفس نسيم القرية البسيطة التي تحكمها عقول تعتكف أعرافها الصارمة، تحرر منها والتفتت إليه أنظار الأهل والجار من أبواب خشبية وجدران من الطين وسقوف من الخشب والقصب والبردي ،تمكن أن يصنع شيء آخر بظروف قاهرة غير الذي قيل فيه ،اذ تشبث في القرآن وكتب السنة النبوية المطهرة والأدب والسياسة والروايات ،فصار الكتاب والمذياع رفيقاه منذ مطلع السبعينيات،قرأ وكتب الكثير شعراً ونثراً وقصة ونقداً في العمل التلفزيوني والأدبي، ، اقو ل ان (القدر) لم يمنحه فرصته الفعلية في الحياة..
نبارك لزميلنا باكورة مؤلفاته،وان أول الغيث قطرة سائلين المولى القدير ان يمنحه الصحة والسلامة والعمر المديد..

شارك
المقال السابقحبيبي من يكون؟
المقال التالىخلاف!!
عامر الفرحان كاتب و قاص وروائي من مواليد العراق -صلاح الدين 1968 -حاصل على بكالوريوس إعلام –صحافة-كلية ألآداب- جامعة بغداد و ماجستير إعلام الجامعة الحرة -هولندا.. عضو نقابة الصحفيين العراقيين.. عضو مؤسسة النور للثقافة والإعلام... عضو مؤسس في رابطة مثقفي الرافدين.. عضو الاتحاد العالمي لللثقافة والادب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد