حبيبي من يكون؟

 
الصدى-حبيبي
لوحة للفنان بلاسم محمد

سأكون صريحة وأحكي كلّ شيء.

لم يكن قد تبقى أمامي سوى ساعة إلا الربع، حين باشرت بإدخالي قدمي في حذائي الأسود الجديد ذي الكعب العالي الذي اشتريته لهذه المناسبة، فيما كنت أحاول إلصاق الرموش المستعارة بدقة أمام المرآة بعد أن انتهيت من وضع أحمر الشفاه، ثم فكّرت في ضرورة الذهاب إلى الحمام. أجل عليّ فعل ذلك حتى لا تفاجئني مثانتي الممتلئة وأنا أحتسي العصير في كافيتريا السلام قبالة المرفأ القديم.
كنت قد أنزلت تباني استعداد للتبوّل حين رنّ الهاتف. قضيت حاجتي بأقصى سرعة وأنا أرجو ألا يكون عماد هو من على الخط، وأدعو الله، إن كان هو، ألا يلغي موعدنا الأوّل الذي تعبت كثيرا لأجل الحصول عليه.
خرجت من الحمام وأنا أجاهد لأغلق البنطال الضيق، وأحمد الله على أنني بالأمس طليت أظافري وزجّجت حواجبي، ونتفت كلّ الشعر الزائد من ذقني وبقية الأماكن الحساسة، وصفّفت شعري بعناية عند حلاقتي الثرثارة التي أصرت على معرفة “حبيب الألب” الجديد، وكانت تطلقها بلهجة مصرية خفيفة الظل مثلها وهي تلوك علكة بنكهة النعناع.

كان الهاتف ما يزال يرن، فرفعت السماعة بلهفة وتردد معا. انسكبت في أذني تحية لطيفة خفيفة ظريفة:
– سالو (مرحبا)، كيف حالك؟
بقيت لحظات أحللّ الجملة التي سمعتها من هذا الصوت الأنثوي الرقيق الذي لا بدّ وأنني سمعته قبلا في مكان ما.
استغرق الأمر مني بعض اللحظات الإضافية لأستعيد ذاكرتي الصوتية. أجل انه صوت نادرة، “صديقتي” منذ أيام الجامعة. ترى كيف عثرت هذه اللعينة على رقمي بعد أن غيرته مرارا لا أكاد أتذكرها؟
– مرحبا نادرة كيف حالك؟ اشتقت إليك…
أجبتها بمرح متكلّف وجهد واضح لتزويق كذبي في ما يتعلق بالشوق إلى تلك البغيضة الكاذبة الغيورة الحاسدة التي كنت اعتبرها صديقتي … والتي والحمد لله نزعتها من قائمة الأشخاص المهمين في حياتي منذ زمن طويل.. فقد علمت من صديق مقرّب لنا بأن تلك اللعينة هي من أخبر أستاذ القانون الدولي المقارن بأنني أنا من وضع صندوقا مليئا بالخراء أمام باب بيت خطيبته، وأنني مغرمة به، وبسبب تلك الوشاية تحصلت على علامة صفر في الامتحان النهائي ورسبت سنتها، فيما نجحت هي في الامتحان وفي الزواج. ليس من ذلك الأستاذ الأحمق، ولكن من أستاذ رياضيات تعيس مثلها.
– وأنا أيضا اشتقت إليك.. أجابتني اللعينة بلهجة أكذب مني…
ثم أضافت:
– لقد تذكرتك منذ عدّة أيام… لكنني لم أتحصّل على رقمك سوى مؤخرا… أيتها الحمقاء (كانت تدللني هكذا قبل أن أمحوها تماما من خريطتي) لقد جعلتني أعاود الاتصال بعدة أصدقاء قدامى حتى توصلت إليه من شخص نعرفه نحن الاثنتين..
حبست أنفاسي وأنا أسوي البنطال وأتأمل شكل مؤخرتي في المرآة البعيدة عني، وأجبتها بكل برود وأنا أنظر إلى الساعة في يدي:
– حسن ها قد تحصلت على رقمي وها أنت تخاطبنني الآن، يبدو أن الأمر يستحقّ هذا العناء..
– لا أدري قد يكون مهما أو غير مهم إنه يتوقّف عليك…
أجابتني اللعينة وهي تريد أن تكون مشوّقة، ولكنها في الحقيقة مملة، مملة وغبية، وغيورة ولطالما كانت كذلك، ولا أعتقد أنها تغيّرت خلال هذه السنوات العشر التي ابتعدت فيها عنها…
– اسمعي نادرة، إن أردت إخباري بشيء فافعلي وبسرعة لأنه علي الخروج الآن…
أجبتها بحزم وثقة في النفس كنت قد اكتسبتهما في السنوات الأخيرة. فأجابتني على عجل وكأنها كانت ستقدم إلي خدمة جليلة ثم اكتشفت أنني لا أستحقها وقالت ببرود:
– مثلما تريدين، اتصلت فقط لأوصل إليك سلامه…
وهنا توقّف نبض الزمن. وفتح دماغي برمجية البحث مشمّرا على ساعديه ومتلهفا لوضع الكلمات المفاتيح ليبدأ نبشه في القائمة الحمراء الطويلة، قائمة الذكور ما بين متر وثمانين ومتر وسبعة ثمانين، وهي القائمة المفضلة لدي، فقلت أستدرجها للمزيد:
– سلام من؟
– هو… “حبيب الألب”… ومن يكون غيره؟
أجابتني بلهجة مصرية خالصة، لست أفهم سببها، فهي تذكرني بتفاهة حلاقتي التي لا تطاق..
وهنا فتحت قوسا جديدا في الزمن. وكمن أمسك ريموت كنترول وضغط على زر التوقيف، أوقفت كلّ شيء بما في ذلك إحساسي برمشي المستعار الذي بدأ يسبب لي حكة في العين اليسرى. فتحت عيني أتأمل شاشة ذاكرتي، وكتبت “هو” بالأسود العريض ووضعت تحتها ثلاثة أسطر.
ثم شغّلت محرك البحث. ولكن هذه المعلومة كانت غير كافية. فقد خرجت ثلاث قائمات، حمراء، زرقاء، وسوداء. فأضفت إليها “كلمة حبيب القلب” عسى أن أتوصل أنا وعقلي وبرمجية بحثي الداخلي إلى اسم ووجه يليقان بـ”حبيب الألب” كما قالتها هي باردة وممطوطة.
وكتبت المعادلة الرياضية التالية (هو) + (حبيب الألب) + (ومن يكون غيره) وضغطت على زر ابحث علني أصل إلى ذلك الشخص محور الحديث، وباعث السلام عبر الأثير، ومثير الحرب والفتنة في دماغي، قبل أن أضطر إلى طلب هذه المعلومة منها.
غير أن محرك البحث، وفي سابقة خطيرة، لم يتوصل إلى شيء في الغرض. فقد أخرج لي مجموعة لا نهائية من الذكريات على شكل مقاطع فيديو، وعناوين نصوص من رسائل فكرت في كتابتها في كلّ مرة أغرم فيها ولم أكتبها، وصور بالأبيض والأسود منذ كنت في المدرسة الابتدائية، إلى صورة ثلاثية الأبعاد، وصور متحرّكة، وصور بكلّ الأحجام والأنواع. وفي هذه المرحلة من الأحداث قررت أن أعيد تشغيل الواقع وأجبتها أحثها على الاسترسال:
– ومن هو حبيب الألب هذا؟ إنهم كثيرون..
قلت الجملة الأخيرة متفاخرة لأنني أعلم أن البغيضة قد تطلّقت من زوجها البغيض مثلها بعد ثلاثة أشهر من الزواج.
فأجابتني وكأنها تدخل سيخا في فروج منتوف استعدادا لوضعه في الفرن:
– لقد التقيت به في معرض فني.. تعرفين ذلك النوع من المعارض “الثقافية” المملة التي يقيمها معدومي الموهبة…
واسترسلت في إعطائي لمحة عن ذوقها الفني ومذاهبها الفكرية والفنية التي تؤمن بها… في حين التقط دماغي عبارة “معرض فني” وأضافها إلى عملية البحث.
وواصلت نادرة اجترارها للأحداث حتى قالت “كنت أتأمل صورة لشيء ما، يبدو صلبا ورخوا في نفس الوقت، لونه بني وبرتقالي مع لطخات مائلة للأصفر… – خراء – قلت في عقلي الباطني، أقصدها هي والرسم والرسام طبعا، إلا إذا كان “حبيب الألب” رسام، وهنا سارعت فأضفت كلمة رسام إلى البحث الجاري وواصلت هي وكأنها تروي أحداث مسلسل كوري “…وحدّثني عنك بشغف… ” صمتت قليلا ثم أضافت كملاكم يريد أن تكون ضربته الأخيرة موجعة، أو لاعب كرة قدم في مواجهة الشبكة ويسدّد كرة الشوط، أو لاعب كاتش يقوم بحركة تثبيت عنيفة”ويبدو أنه ما يزال يحبك”.
لدى سماعي هذه الجملة الأخيرة، وفي تلك اللحظة، ليس الفضول هو ما تملكني، ولكن الغضب.
أجل. ففي كلّ علاقاتي السابقة أنا التي كنت أحبّ.
وأنا من يكتوي بنار الحب.
وأنا من يسمع الأغاني الحزينة.
وأنا من يتخيل نفسه محور كل الأغاني والأفلام والقصص العاطفية.
وأنا من يبكي كثيرا، ويأكل الشكلاطة، وينهار، ويلازم الفراش، ويحلف ألا يعود مجددا للحبّ ونار الحب…
ولكن أن تخبرني صديقة قديمة لدودة حقودة حسودة بأن شخصا ما، أجل شخص ما في هذا الكون، يعرفني ويعرفها على الأرجح، أحبني وأنه ما يزال يحبني فذلك فوق احتمالي.
– ومن هو؟ سألتها بلهفة
– لن أخبرك.. يبدو أنك غير مهتمة.. ولا أريد أن أجعلك تتأخرين فقد كنت على وشك الخروج.. إلى اللقاء…
وأغلقت الخط.
أجل. هكذا بكل بساطة أغلقت الخط بعد أن ألقت قنبلة محكمة الصنع في رأسي وقلبت أمسيتي الرومانسية رأسا على عقب.
يعني تطلبني. تشغلني. تحيّرني. تجعلني اقلّب دفاتري الماضية. ثم تغلق الخط. هكذا بكل بساطة.
كلا كلا، إنها ليست بغيضة. إنها الجحيم. إنها الخراء مجسما. إنها ..إنها.. لست أجد وصفا مناسبا لها.
حسن سأمسك زمام أمري، ولأرتب أولوياتي: علي أن أخرج بعد دقائق حتى أتفادى الوصول متأخرة على عماد في موعدي الأول معه. ففي سنّ الأربعين من الصعب العثور على حبيب من حين لآخر.
هكذا قلت لنفسي، وأنا أتنفس ثلاث مرات قبل أن أرتدي معطفي وأحمل حقيبتي وأخرج.
عماد، هو مشروع حبيبي الجديد. الذي انتظرت ثلاثة أشهر قبل أن أسمع منه دعوة لتناول سندويتشا في المحل المقابل للإدارة الجهوية للتطهير حيث أعمل موظفة، ويعمل هو محاسبا متربصا، وانتظرت أربعة أشهر أخرى قبل أن يعطيني رقم هاتفه الجوال، وانتظرت أسبوعا كاملا بعد أن هنأته على الترسيم لأدعوه لشرب العصير معي في كافيتيريا السلام. وبالمناسبة لقد شهدت هذه الكافيتيريا كل قصص حبي، من أول لقطة تعارف إلى لحظات الفراق الأليمة بالنسبة إلي في كل الأحوال.
لا أعلم كيف قدت سيارتي حتى وصلت إلى كافيتريا السلام قبالة المرفأ القديم. حقا لا أذكر كيف توقفت في إشارات المرور، ولا كيف تحكّمت في السرعة، أو ضغطت على المكابح في الوقت المناسب. كلّ ما كان يشغل بالي هو هذا الحبيب الذي نبت فجأة في صحراء علاقاتي الماضية.
هذا الحبيب من يكون؟.
صحيح أنا الآن في بداية علاقة مع عماد ولا أدري إن كان هو الرجل المناسب لي أم لا.. المهم أنه سبب ذهابي إلى مصففة الشعر… سبب نظري إلى وجهي في المرآة، سبب تذوقي للأغاني.. السبب في الابتسامة البلهاء الدائمة على وجهي. ولكن ها هي نادرة البقرة، نادرة الكلبة، نادرة الخراء كما سأسميها من الآن فصاعدا، تفتح عليّ بابا لم أتوقعه.
ولكن هذا الحبيب المشتاق إلي، والذي ما يزال يحبني من يكون؟
أوجدت مكانا لسيارتي في الموقف بصعوبة، ودفعت دينارا ثمن المأوى ودينارين للحارس كي يمنع أي سيارة من أن تركن خلفي. وتوجهت إلى الكافيتريا أتأمل الوجوه الكثيرة حولي.
تساءلت وأنا أبحث عن عماد في الكافيتريا، ويبدو أنني سبقته، هل هو أحمد الذي عشقته عندما كان عمري أربعة وثلاثين عاما. عندما كنت فتاة في قمة الاستقلالية المادية. والذي قال لي في آخر لقاء بأنني لست السبب في قطع العلاقة، وأنني أفضل شيء حدث له في حياته، وأنه لا يستحقّ فتاة رائعة مثلي، قبل أن يبلغني عدم قدرته على مواصلة العلاقة. هل هو أحمد الذي عبثا حاولت أن أتصل به وأبعث له على هاتفه الجوال رسائل قصيرة من نوع “أين أين؟”، و”اشتقت إليك”، و”لا أستطع العيش من دونك”. ولم يكلف نفسه الاتصال بي هاتفيا سوى مرة واحدة، بعد شهر من الفراق وبعد أن استنزفت أعصابي في رنات لا متناهية في الليل والنهار، وقال لي بالحرف الواحد أنه ما يزال عند قراره وأنه لن يغفر لنفسه أخطائه في حقي، رغم أنني كنت طول الوقت أقاطعه باكية وأقول بأنني أسامحه من كلّ قلبي..
كلا ليس أحمد.
قطعا ليس هو.
الآن وقد بلغت الأربعين أنا واثقة من أنه ليس هو، أولا لأنه ليس فنانا، هو مهندس كمبيوتر أحمق. وثانيا هو يكره الفن والفنانين والأدب والأدباء.
جلست فير ركني المعتاد. نظرت إلى ساعة يدي، ثم إلى هاتفي الجوال، الساعة تجاوزت السادسة بخمسة دقائق، لم أكن أتوقع أن يكون عماد من النوع الذي لا يلتزم بالمواعيد. سأنتظر ربع ساعة. وإن لم يأت سأتصل به. ناديت النادل وطلبت عصير برتقال.
ثم عدت إلى رحلة بحثي عن “حبيب ألبي” من يكون.
الكافيتريا، في هذا المساء الخريفي تغص بالثنائيات. تعجبني هذه الضوضاء، تجعلني أحس بأنني داخل شبكة من العلاقات الدافئة، المشاعر الإيجابية المتوهجة، تشعرني بالرضا. وكأس العصير منعش لا ينقصه شيء ولا حتى قطعة سكر. ولو جاء عماد بعد دقائق فسيكون وجوده أحلى من السكر.
سمعت أحدهم ينادي على ياسين. فتذكرته. ياسين. ياه. يا له من زمن كنت أنتفض فيه كعصفور مبلل الريش كلما سمعت اسمه.
ياسين ذاك الذي تعرّفت عليه أمام المبيت الجامعي عندما كنت طالبة. كم كانت لديه قدرة هائلة على الكلام والإطراء. ورغم أنني لا أصدق عادة الكلام المعسول، ولكن عندما كان يخرج ذاك العسل المغشوش من شفتي ياسين المثيرتين، يكون مغشوشا وحلوا، مغشوشا ومثيرا، مغشوشا ولكن تصعب مقاومته.. ولطالما صعبت عليّ في تلك الأوقات مقاومته.
ربما كنت في الواحدة والعشرين حينها. عندما خرجنا من مدرج الجامعة، تاركين نادرة لتنقل محاضرة مملّة عن القانون الدستوري المقارن. وفي المسافة الفاصلة ما بين باب الجامعة ومحطة الحافلات المخصصة لنقل الطلبة، والتي لا يزيد طولها عن ثلاثمائة متر، أخبرني كلّ شيء بفمه المثير وكلامه المعسول.
أخبرني ياسين ذاك، وكأنه يحرص على إعطائي جرعة الدواء دفعة واحدة، بأنه غير قادر على تطوير العلاقة التي بيننا ومواصلة المشوار معي، وأنه في هذه المرحلة من حياته يعيش حالة من اللخبطة وعدم وضوح الرؤية، وأنه حالما يتصالح مع نفسه سيتصل بي. ثم وكما يحدث في كلّ الأفلام التجارية الهابطة، أدار ظهره ومشى بخطى واثقة وتركني – من دون أن أستطيع تركيب جملة واحدة، أو التوقف عن ذرف الدموع – في موقف الحافلات أنتظر تحت لفح شمس أكتوبر الخانقة للأنفاس الحافلة المخصصة لنقل الطلبة لتنقلني إلى غرفتي القذرة في مبيت الطالبات.
تغلبت على نفسي هذه المرة. أولا لم أعد تلك المراهقة الغبية. وثانيا أنا لا أقبل على نفسي في هذه السن أن أذرف دمعة قد تفسد ماكياجا تطلب وضعه أكثر من نصف ساعة، حتى ولو دخل أحدهم بحزام ناسف وهدد بقتلنا جميعا، فلن أذرف دموعا، فما بالك بذكرى قديمة بالية.
أخذت رشفة طويلة من العصير وعاودت النظر إلى هاتفي الجوال. يجب أن أركّز. ركزي يا مروى، أنت الآن في كافتيريا السلام في المرفئ القديم، حتى طيور النورس ترفرف في سماء الغروب الجميل. أنت تنتظرين زميلك عماد، في أول موعد “غرامي”.
ولن تستطيع تلك ال…بة نادرة أو أي شيء آخر أن يعكر صفوك. فقط انتظري ربع ساعة إضافية. ماذا ستخسرين. وفرضا أنك طلبته الآن على هاتفه الجوال، وكان يقود سيارته، فماذا ستقولين له، لماذا تأخرت إنني أنتظرك منذ ربع ساعة. ماذا سيقول عنك؟ كم هي متطلّبة؟ كم هي شغوفة بي؟ كم هي سخيفة؟
انتظريه. ما هي ربع ساعة أمام إمكانية أن يكون هو “هو” يعني هو حبيب القلب الحالي والمستقبلي.
اصبري.
استمعي إلى داليدا تصدح في الكافيتيريا “امرأة في الأربعين”. أو أنظري إلى هذا اللوحة على الجدار، لطالما كنت تأتين إلى هذا المقهى، مع حبيب أو من دونه، لطالما كان هذا مقهاك المفضّل. تأملي هذه اللوحة، أو تأملي البحر وهو يلتحف السواد، تأملي الطيور، تأملي الزهور البلاستيكية، تأملي العشاق وهم يحلمون أو وهو يتخاصمون، فقط امنحي عماد وقتا ليصل، حتى وإن كان بعد الموعد بساعة، لا بأس، أنت هنا. والكافيتيريا هنا. والموسيقى هنا. وداليدا مثلك في الأربعين. والبحر أمامك. وسيارتك في الموقف. وعائلتك بعيدة مئات الأميال.
فكري بكريم المتعالي. صبي جامّ غضبك عليه. فهو يستحق فعلا. لقد سحق البغيض قلبك. فكري كم كان أنانيا، وكم كان يتبجح بأنه يعرف ذلك ويسعده ألا يحب سوى نفسه. فكّري كم جرحك حين صارحك هكذا ومن دون مقدمات ولا لفّ ولا دوران بأنه لم يكن يحس بالراحة معك منذ البداية.
أو ما رأيك لو فكّرت بوليد الذي أخبرك بصراحة جارحة بأنه ما زال يفكّر في حبيبته السابقة وأنه لم يستطع نسيانها. فكّري كم كان عدوانيا ودائم الاستعداد للتشاجر، وكم كان يتمسك برأيه وكم يكثر من الصياح. تذكري وجهه العبوس مزاجه المتقلب وأعصابه المتوتّرة. وكوني واثقة أنه قطعا لم يكن “حبيب ألبك”.
انتهى كأس العصير. وانتهت الأغنية الحزينة، وعوضتها أغنية ايديت بياف “عشّاق يوم”. حقا لا أدري من هو هذا الوضيع والحقير التافه الذي يختار الأغاني، إنها تعيسة وتشعرني بالتأزم.
فكّرت في طلب قهوة، ولكن القهوة تترك رائحة فضيعة في الفم، ولم أكن أريد أن تتسبب رائحة فمي في إبعاد عماد عني، لذلك طلبت كأس عصير ثانية. عبثت أصابعي بهاتفي الجوال، ولم أعرف كيف أرسلت له “أين أنت؟”. تبا يذكّرني ذلك بتلك الأسابيع التي قضيتها على الجمر. يذكرني بانتفاخ عيني من البكاء، ومئات المناديل الورقية. تأملت اللوحة على الجدار فيما كان رواد الكافيتيريا يخرجون ليأتي غيرهم.
على اللوحة طائر سنونو وحيد على غصن. لم يكن على الغصن عش. ولم يكن في السماء شمس أو قمر. فقط عصفور صغير مبلل الريش، يحتمي بأوراق شجرة. عصفور صغير ووحيد مثلي.
تذكرت حكيم. لا أدري لماذا. ولكن منظر العصفور الوحيد ذكرني به. ذكرّني به، عندما قال لي ذات يوم بعد أن كنا نسبح معا، وبعد أن عانقني مطوّلا تحت الماء، ودهن بعد ذلك ظهري بواقي الشمس، قال لي ومن دون أن ينظر في عيني مباشرة، وإنما كان يمرّر يديه بلطف ورقة على ظهري وبصوت رقيق ناعم، أقسى جملة سمعتها في حياتي “ما رأيك لو نأخذ وقتا مستقطعا”. وواصل “شهر أو ستة أشهر لنرى تأثير البعد علينا… لو استطعنا التحمل فمعناه أننا لم نخلق لبعضنا..”
حكيم.. لقد استطاع هو بالطبع أن يبتعد عني، أما أنا فقد أنفقت كالعادة أموالا كثيرة في ترك رسائل على الهاتف لأخبره عن الحب واللوعة والفراق، في حين كان هو في رحلة مع أخرى يسبح معها وربما يدهن ظهرها برفق ورقة بواقي الشمس. قطعا ليس هو. ليس حبيب قلبي ولا ألبي…
مضت أكثر ساعة. لم يأت عماد ولم يتّصل. شربت كأس العصير الثاني، وقاومت رغبتي في الاتصال به. ذهبت إلى مرحاض الكافيتيريا وكان مقرفا مثلما هو متوقع تماما. تأملت وجهي في المرآة.
ماذا ينقصني؟.
لا شيء.
لا ينقصني شيء لأكون سعيدة.
عدت إلى مقعدي وبدأت أفكّر في العودة ونزع عماد من القائمة، فناديت النادل لأدفع الحساب.
– هل أعجبك العصير؟ سألني مبتسما
– أجل كان ممتازا، حتى أنني شربت كأسين.. ثم أضفت مستطردة “سيصيبني الأرق حتما هذه الليلة”، وقطعا ليس بسبب العصير.
– وماذا في ذلك؟ أجابني متسائلا..
ثم واصل وهو يعيد لي الباقي رافضا أخذ البقشيش “أنا حين يجافيني النوم أمسك الفرشاة والألوان وأرسم… رأيتك تنظرين إلى لوحتي، فهل أعجبتك؟”
– أنت من رسمها؟ افتعلت الدهشة، فأنا أذكر جيدا أنني ربما من خمس أو ست سنوات تحدثت معه عن الفن ورغبته في الرسم، حتى أنني شجعته على الالتحاق بمعهد حر للفنون، ثم واصلت مجاملة ومبتسمة وقد قرّرت أن أنسى كلّ الأفكار السوداء التي مرت على رأسي منذ ثلاث ساعات “إنها رائعة”…
– يسعدني أنها أعجبتك…لقد أسميتها “حبيبي من يكون؟”
– يا له من اسم جميل للوحة عن عصفور وحيد… أجبته ملاطفة.
– شكرا لك… بالمناسبة لقد التقيت صديقتك نادرة مع خطيبها اسمه عماد، على ما أعتقد، منذ أسابيع في معرض فني شاركت فيه مؤخرا… فهل أبلغتك سلامي؟
هنا توقف الزمن.
في ماذا يجب أن أفكّر؟.
لا شيء.
لم أعد أستطيع التفكير.
نظام التشغيل في حاسوبي الداخلي تعطّل تماما.بل لقد شلّت يده.
لقد تلقيت طلقتين. الأولى في القلب، والثانية في الرأس.
لم يسل دمي.
ولم تسل دموعي.
فقط سال بولي في بنطالي.
فقد انفجرت ضحكا. ضحك هستيري. لا أحد فهم سببه. ولا حتى حارس موقف السيارات الذي رآني أكاد أسقط ضحكا وأنا أسير مترنحة بحذائي الجديد الأسود ذي الكعب العالي في اتجاه السيارة. وابتعد عني مسرعا. ربما لأنه شمّ رائحة البول تفوح مني.
ألم أقل إنها خراء.
وعلى ما يبدو أنا هي التي أكلت الخراء.
أين جهاز الريموت كنترول. يجب أن أوقف كلّ ذلك حالا. أين زرّ الرجوع إلى الوراء؟
سأعيد من البداية. كنت أدخل قدمي في حذائي الأسود الجديد ذي الكعب العالي الذي اشتريته لهذه المناسبة ولم يبق أمامي سوى ساعة إلا الربع. ثم كنت أستعد للتبوّل حين رنّ الهاتف و.. ماذا كانت تريد أن تخبرني نادرة؟، ماذا كانت تقصد بشخص نعرفه نحن الاثنتين؟.
كلّ ما فكّرت فيه هو رغبتي في العودة إلى البيت. أستحم. أرمي البنطلون الضيق في سلّة المهملات، فلم أكن أحبه على كلّ حال. وأرمي كلّ شيء بما في ذلك الرموش المستعارة والذكريات في سلّة المهملات. وفي أول إشارة، في مفرق الطرقات توقفت نزعت الحذاء الأسود الجديد ذي الكعب العالي. لم أعد أحبه. والأسود لا يليق بي أبدا. ورميته من الشباك.
نظرت إليها بعد أن انتهيت من تدوين إفادتها. كمحاميها عليّ أن أتحرى بعض المعلومات. فقد أستطيع نفي تهمة رمي شرطي مرور عمدا بحذاء أسود ذي كعب عالي. من الواضح أن مروى في ورطة بسبب سقوط الشرطي أرضا وتصادف مرور شاحنة فضلات من فوقه مما أدى إلى وفاته أثناء تأدية واجبه. ولكن لدي من الخبرة ما يكفي لأخرجها من القضية مثل الشعرة من العجين. ليس فقط لأنني محام موهوب، بل لأنه عليّ أن أقول بأنّ هذه المرأة المجنونة تعجبني وتثيرني. سأحاول الحصول لها على البراءة. ومن ثمة من يدري، فقد تكون حبيبة قلبي.

لا تعليقات

اترك رد