عازف الورد

 

… يجلس إلى ذاته، كلّ مساء. يتعرّى تماما من أعباء يومه ويتجرّد كليّا ممّا أثقل ظهره طيلة سنوات العمر العجاف، عدا اللّحظات الاستثنائيّة الّتي تتجلّى له فيها نفسه بألق لم يألفه. ينظر إلى وجهه في مرآة صقيلة ما كان يُعيرها اهتماما وهو يكدح كدحا ليلَ نهارَ. تنساب مشاعره شهدا زلالا ومن مرآة ذاته ينبلج طيف في رقّة الصّبا وقد برّح به الشّوق، وتتهادى إليه أنسام مضمّخةبعبق الورد وشذا ياسمين دمشق ويافا والحمّامات. ينبت له جناحان. يضحي باشقا فيحلّق طويلا، يحلّق بعيدا، يحلّق عاليا… ينسى مرضه وبيته وأعماله وكلّ التزاماته. ينسى كلّ شيء في حضرتها. يومئ إليها فتأتيه رافلة مختالة هاشّة باشّة. يغريها بابتسامته اللّطيفة العذبة فتنسكب في أحداقه نورا يبدّد عتمات وحشته. يغمض جفنيه كمن يخشى طارئا ويستبدّ به ظمأ إلى معين سحرها. يهمّ بالسّؤال فتضيع منه اللّغة. يلزم صمته الهّادر مستلذّا دفء حضورها في شرايينه وتدفّقها في أوردته. تهدهده أصداء أغنيّة موغلة في الذكرى طالما انتشى بها. يرقص النّبض منه طربا وتعزف أنامله خدرا سنفونيّةَ الحياة تُبْعث فيه فاتنة ريّا. تأخذه العزّة بالانتصار على رتابة الحياة وبرودة العلاقات، فيقرّر الإسراء بها إلى أرض بِكرٍ لم يطأها غير خياله المجنّح. يمعن في إغلاق عينيه، حتّى يبصر ما لا يبصر غيره. يزداد خدرا وتأخذه سِنة من نوم لذيذ تمنّى لو طالت دهرا…
نور ساطع يغزو الغرفة وقرقعة مرآة تتشظّى شذر مذر ووقع خطوات ثقيلة يعرفها، يعرفها جيّدا.
من نثار الشّظايا المبعثرة يرتسم شبح حليمة، زوجته تدعوه إلى العَشاء !
ينتفض، يبحث عن جناحيه… بلا جدوى. يجلس إلى المائدة صنما، ثمّ لا يلبث أن تنمّ منه صرخة مدوّية تزلزل كيانه ولا يسمعها سواه. يفرك عينيه ويحرّك ذقنه ويضع راحته على جبينه غير مصدّق ما يبصر بصحنه: جناحاه يسبحان في مرق لزج مع قطع بطاطا وأشياء أخرى لم يتبيّنها جيّدا !
ينظر حواليه: زوجته وأبناؤه منهمكون في الأكل بشراهة بدت له غريبة والطفل الأصغر يحتال على إخوته ليسلبهم بعض ما في صحونهم وما أن تفطّنوا إليه حتّى ضجّوا في وجهه فتنبري الأمّ في محاولة يائسة لإخماد شرر الخصومة التّي لا تلبث أن تزيده تشنّجا، فيصرخ في وجوههم جميعا لا ئما محذّرا ويغادر إلى مكتبه !
تظلّ الأمّ بين جحيمي الأبناء والزوج تتلمّظ خيبتها ويعود الأبناء إلى مرحهم وشغبهم المألوف غير مبالين، بينما ينزوي هو بعالمه عنهم. حسبه أن يشمّ عبق الحبيبة فيحلّق بمنأى عن البيت ومن فيه ! حسبه أن يومض طيفُها فيسمو حتّى يعانق الجوزاء فتسري به إلى وادي عبقر وتعرج به إلى بِكْرِ الرُّؤَى. هي رفيقته منذ عرف العشقُ إلى قلبه سبيلا، وهي توأم روحه وقد أعيا القريبَ والبعيدَ أن يفصله عنها ليبحث له عن دروب أخرى في الحياة، وهو لا يأوي إلى فراشه إلّا بعد أن يسامرها بأعذب ما يجود به يومه، وهو لا يُغمَض له جفنٌ إلّا بعد أن تدثّرَه بعبق طيبها ولا يصحو إلّا من أجل معانقة وجهها الصّبوح والإصغاء إلى ألحان حفيف ملمسها وهو يدغدغ جسدها النقيّ البضّ بأنامل فنّان مبدع قد خبر جلّ الدّروب إليها…
وجدها في انتظاره كما كلّ ليلة. بدتْ لهُ أشدَّ نضارة وأنقى صفاء وأبهى ملمسا. تخفّف من ثيابه وأوصد دونهما الباب. أطفأ النّور واكتفى بالسهّارة تضفي على الغرفة أُنسا وانسيابا. اقترب منها واثق العزم على أن يحرثها اللّيلة من أدناها إلى أقصاها. همس لنفسه:” يا لهب الشّوق أَسرجْ قناديلي حتّى أبثّها لواعج روحي وآهات حنيني !”
جلس إليها طربا وانقادت إليه جذلى ليفعل بها ما يشاء، كما في كلّ ليلة. ياه، كم تستلذّ فِعَالَه ! بدأ يُحادثها همسا حتّى لانت وانقاد له الكلام صاغرا، فقال وقال وقال… باح لها بعشقه الضرير، باح لها بخذلانه المرير وبضيق سجنه الكبير. باح لها برغبته الجامحة في حبّ بِكْر جريء يُزيح عنه كوابيس حياته الثاوية منذ أن تبلّد منه الحسُّ فأضحى البيتُ جحيما وأضحت الغربة فيه مقصلة… حدّثها عن عَذاب الرّوح وهي تهفو إلى الانعتاق من زنزانة الرّتابة وتُنشد آفاقا أرحب وغايات أنبل. حدّثها عن القلق الّذي استبدّ به في حلّه وترحاله وفي صحوه ومنامه، حدّثها عن تيهه في بيد وراءها بيدُ…
كانت تصغي إليه هادئة حينا ومضطربة آخر. هي تعلم أنّه يعشقها وأنّها ملاذُه الأوّلُ والأخير كلّما جفته الحياة وضاقت به الدنيا، وهي تعلم يقينا أنّه سيظلّ خِلّها الوفيّ ما دام الحبر قد امتزج بالدّمع وبدم القلب وأصداء الرّوح وما دام وجهها البضّ الجميل قد ارتشف كلّ هذا البوح وخبّأه في الصّدر؛ وهي تدرك أنّه مدين لها بكتمان السرّ حتّى يأذن لها بالنّشر.
هي وهو متعة وأنس لا صنو لهما. انحنى يتملّى وجهها الوضّاء وقد ازدان بتلاوينروحه فازداد إشراقا وبهاء. أدركه الارتواء فازداد ظمأ إلى أن يودع قلبه وعقله وروحه في صدرها وينام قرير العين وقد خفّ عنه عبء الأيّام العجاف التّي يضطرّ فيها إلى النأي عنها وبالفؤاد ضنى…
راودته عن نفسه فسارع بفتح النّافذة ليبعد عنه نعاسا داهمه فأثقل منه الجفن والأناملَ. أنعشته نُسيمات الفجر وتجلّى له الكون أرحب وأجمل. ظلّ واقفا يتملّى الأضواء الخافتة وظلال أطياف تراقص الذّاكرة. باغتته خطى متثاقلة تصعد الدّرج، خطى يعرفها جيّدا. وبصوتها المتثائب قالت: ” أتراك نِمتَ بالمكتب وصحوت الآن لتعانق النّافذة؟ ! ” لم ينبس بحرف ولم تنتظر منه جوابا وأردفت: ” هيّا انزل، الفطور والأطفال في انتظارك، عجّل ولا تتباطأْ كعادتك ! ”
ترك النّافذة مشرعة ونزل مثقلا بأحلام عزلته وتيهه يجرّ نفسه جرّا. جلس إلى المائدة وما أكل ولا شرب غير قهوة سوداء. كان الحاضرَ الغائبَ هنا وكانت كلُّ مداركه معلّقة هناك. صبّ القهوة صبّا على جرعات وغادر إلى محرابه وقد شاقه الحنينُ إليها وأغواه عبق الورد يتضوّع من أردانها. كان يقفز الدّرج وهو يمنّي النّفس بأن يعزف لها سنفونيّة الورد الّتي طالما حلم بها.
وجد المكتب مرتّبا غاية الترتيب. بحث عنها وطال به البحث وهو يبعثر كلّ ما نُظّم. كظم غيظه وأعاد التنقيب عنها في كلّ مكان: بين كتبه ومجلّداته ودفاتره… دون جدوى… مزّقت صرختُه سكونَ الكون وجلاله والعتمةُ يُداعبها بعض نور وهو ما انفكّ يردّد وقد أضحى عالمُهُ خرابا: ” أين اختفت؟ ! أين توارت؟ ! أين…؟ !

لا تعليقات

اترك رد