الإرجوحة


 

الزمان منتصف الستينات – المكان أحد أحياء بغداد

كان هناك بيت مزهر في أحد الشوارع الفرعية في حي جديد من أحياء بغداد ، كان البيت محط أنظار الجميع بحديقته الفواحة دائماً وفتياته الست الجميلات ، لكن نور كانت أجملهن وأكثرهن ذكاءاً ورهافة حس ، وكانت مهمتها أن تعتني بالحديقة ، ولم تكن أمها تسمح لها بالخروج كثيراً لأنها كانت تخشى عليها من ( العين والحسد ) ومن تحرش إبن الجيران ، لذا كان مفتاح الباب دائماً في جيب الأم . كان حلم نور أن تصبح ذات يوم مهندسة لذا فهي تعد والدتها دائماً بأنها ستبني ذات يوم بيتاً خيالياً معلقاً أشبه بعش العصفور وكان هذا مثار ضحك الأم وقهقهات الأخوات . كانت لا تقضي وقتاً طويلاً في إنجاز واجباتها المدرسية لكي تهرع بعد هذا إلى المطبخ لمساعدة أمها ، وبالرغم من هذا فقد كانت الأولى على صفها .
يدخل الوالد مساءاً إلى البيت ويبدأ بتقبيل فتياته وكان يسميهن عصافير الجنة لكن نور كانت هي المفضلة لديه .
كان المكان المفضل لنور هو إرجوحة الحديقة والتي كانت تصدر صوتاً غريباً في ذهابها وإيابها ، ولم يكن هذا يزعجها بل كان يثير فيها النعاس ، فتغفو قليلاً وكأنها في حضن أمها ، ثم تفيق فجأة على صوت أمها الذي يناديها للعشاء ، وبعد العشاء يجلس الأخوات على الإرجوحة لتحكي كل منهن ما جرى لها خلال النهار .
كان اليوم هو يوم الجمعة والجميع في البيت ، سُمع طرق على الباب في الصباح الباكر فهرع الأب إلى الباب ثم عاد بعد قليل وهو مُستغرب حائر لا يفقه ما الأمر ، سألت الأم ما الذي يجري على الباب قال :- وجدت مرآة كبيرة بطول الباب متكأة عليها ، فسألت الأم ولمن هي قال : لا أعلم ، قالت : إذاً ضعها في الممر عل صاحبها يعود إليها .
كانت نور كثيرة الحركة ، تتحرك يميناً ويساراً لتنظيف المنزل خاصة يوم الجمعة وكان عليها تنظيف غرفة الجلوس والممر فأسرعت لكي تعود إلى غرفتها لتكمل واجباتها المدرسية ، وفي هذه الأثناء دُقَ الباب ، فهرعت نور نحو الباب وإصطدمت في طريقها بالمرآة فتهشمت وأصبحت فُتاتاً ، قام الوالد بفتح الباب وهو ينظر حزيناً إلى المرآة المهشمة ، أخذت نور ترتجف وهي خائفة ثم دخلت الجدة إلى البيت وتسمرت أمام المرآة المهشمة ، وصاحت من كسرها إنه فأل سيء ، إنه فأل سيء ، وأخذت تولول وتقول يا لحظكِ يا إبنتي ستموتين وأنت صغيرة . قادها الآب إلى غرفة الجلوس وأخذ بتهدئتها قائلاً : ألا زلت تؤمنين يا أمي بهذا ، قالت : نعم وهناك قصص كثيرة سمعتها ولا أزال أذكرها ، إن هذا سيزرع الخراب في بيتكم وستحدث الكثير من المصائب ، قال الأب ساخراً ولِمَ كل هذا قالت لأنها مرآة كبيرة وهي بطول الفتاة وليست أية واحدة صغيرة ، ثم إستدركت وقالت : أعلمتم من وضعها على الباب ، أجاب الأب لم نره ، فصرخت الجدة أترون إنهم هم من وضعها ، تساءل الأب ومن هم ؟ قالت الجدة : إنهم فريق من الجن الذين يمقتون البشر ولا يضمرون لهم أي خير .
في صباح اليوم التالي أسرعت نور إلى مدرستها وهي لا تعلم من الأمر شيء ، عبرت الشارع بسرعة وكادت إحدى سيارات الإجرة أن تدهسها ولولا سرعتها لتَمزَق جسدها تحت العجلات . وصلت نور إلى المدرسة فقابلتها مدرسة الدرس الأول وأنبتها على تأخرها . بقيت الفتاة ساهمة رغم محبتها لدرس اللغة العربية ، كانت تدور في رأسها أفكار عديدة متطاحنة ، تهشم المرآة ، بكاء الجدة ، حزن أمها ورعبها ووصيتها لها بأن تنتبه في الطريق .
بقيت الجدة في البيت وإنتظرت إبنها إلى حين عودته من العمل ثم إختلت به بعد أن عاد وأشارت عليه بأن يأخذوا الفتاة إلى أحد الشيوخ المعروفين لكي يُبطل السحر عنها وإلا ستنزل الكوارث على هذا البيت . سمعت نور الحديث الجاري بين جدتها ووالدها فأخذت ترتجف وذهبت لتحتمي بالإرجوحة وظلت الإرجوحة تزقزق إلى أن نامت نور في حضنها .
في صباح اليوم التالي ذهب الأب حزيناً مكتئباً إلى محل الحدادة الذي يمتلكه ، كان متعباً وبالكاد يلتقط أنفاسه لأنه لم يستطع النوم أثناء الليل ، وكان يعمل وعيناه شبه مغلقتان ، أمسك بإحدى قطع الحديد لكي يقطعها إلى نصفين فكاد أن يقطع يده وجرحها جرحاً بليغاً ، أوصله أحد العمال إلى المستوصف ثم أوصله بعد تضميده إلى البيت . حينما رأته الجدة صرخت وقالت : ألم أقل لكم إنها بداية المصائب . عند المساء بدأ المطر يهطل بغزارة وكان هناك شرخ في غرفة الجلوس فأخذ الماء يتسلل منها وينزل إلى فرش الأرض . أخذ الجميع ينظر بخوف إلى الماء المتساقط من السقف وهرعت نور بعدها إلى غرفتها محاولة النوم . بقي الوالد يتحاور مع أمه ، سألها ما الذي سنفعله ، قالت : لن ينتهي هذا إلا بموت الصغيرة . كان باب الغرفة مفتوحاً وتناهى إلى سمع نور حديث جدتها . ظلت الفتاة تفكر ما الذي سيحدث لأخواتها وأمها . كانت تقلب الأمر في رأسها الصغير وتحاول أن تتخذ قراراً لتحمي عائلتها ، لكنها كانت خائفة وهي تعلم ماذا يعني أن تتخذ القرار . كانت ترى المصائب وقد أخذت تصدق جدتها . لقد قالت لها والدتها إن الشيخ الذي يستطيع فك السحر سيأخذ مبلغاً طائلاً من أبيها وقد لا يستطيع ذلك ، وستبقى المصائب تحل عليهم الواحدة بعد الأخرى .
أصبح الصباح وأحست نور بأنها مريضة ولن تستطيع الذهاب إلى المدرسة . وبعد أن بقيت وحيدة مع والدتها وبعد خروج الجميع أسرعت نور إلى إرجوحتها لتبثها أحزانها . وظلت الإرجوحة تنوح وكأنها تودعها . بقيت نور في الإرجوحة إلى حين عودة والدها فأخذها من يدها وأدخلها إلى البيت . لم تشأ نور أن تأكل مع الجميع بل دخلت إلى غرفتها لكي تنام . كانت حزينة وغاضبة من نفسها وعلى نفسها . تريد أن تفعل شيئاً نبيلاً وجريئاً لكي تحمي أخواتها وأمها من مصائب ستنزل بهم قريباً ، وتخيلت بخيالها اللامحدود كل المصائب التي ستنزل بهم ، قالت جدتها : سيسقط سقف المنزل عليكم وستحترق الورشة التي يعمل بها والدها ، وربما ستكون إحدى الفتيات طُعماً لأحد الفاسقين . ظلت نور ترتجف في فراشها وتشعر ببرد شديد . قُبيل الفجر قفزت نور من فراشها ثم صعدت إلى سقف المنزل وكأنها تمشي في نومها ، وضعت إحدى قدميها على جدار السقف ولم يبق إلا وضع القدم الأخرى . كانت دائما تحلم بالطيران وتحلم أن ينبت لها جناحان ، وقد آن الأوان لها أن تطير ولا فرق إن كان حلماً أم يقظة . كان الهواء بارداً ومنعشاً . وفكرت أنه سيكون طيراناً رائعاً ، ثم سقطت من الأعلى وأحست أنها لم ينبت لها جناحين بعد ، فسقطت عند أقدام إرجوحتها .

لا تعليقات

اترك رد