كوريا الشمالية .. المظالم .. القانون الدولي


 

مرَ اكثر من عقدين على تسيد امريكا على العالم، كقطب واحد وحيد يتولى رسم سياسات مجلس الامن وقد تولت عجلة قيادة العالم بلامنازع بما يتلائم مع مصالحها الى حين من الزمن وقد انتهى هذا الحين، اما الان وقبل هذا الان بسنوات قليلة، تغير العالم، فقد شهد تحولا جديا الى عالم متعدد الاقطاب مع انه لم يخرج بعد من مرحلته الانتقالية، ان هذا التحول يمنح هامش واضح للشعوب الضعيفة، شعوب العالم الثالث للمناورة في مجاليّ السياسة والاقتصاد والمجال العسكري، لكنه وفي ذات الوقت يظل هامش ضعيف ان لم يُسّند بقوة الشعوب وارادتها الحرة بالحرية، الحرية الكاملة وفي جميع مناحيها وقنواتها.. او بالمعادل الموضوعي للحرية بما يجعلها حيوية في الحراك الواقعي لجهة الكرامة والسيادة وايمان الشعب العميق بهما، ايمان نابع او صنعته الذات المجتمعية تحت او كرد فعل لهراوات التهديد، تهديد مصير الشعب ووجوده وانماط حياته، لتتراجع ضغوطات سقف الدكتاتورية الى الخانات الثانوية، الغير مؤثرة في فعل الكتلة المجتمعية الصلبة، ذات الايمان الراسخ والمتجذر في الذات الجمعية بعدالة قضيتها، شعب كوريا الشمالية مثالاً. في الان، ان تلك الاقطاب الدولية المفترضة ( مفترضة لأنها لم تاخذ بعد الشكل النهائي لها، بمعنى لم تتحدد بعد، ابعاد ها الوجودية ومساحات حركتها..)، سوف وهذا السوف هو الاساس في حركة تلك الاقطاب الدولية المفترضة، تبحث عن مصالحها واطماعها في اي اتفاقات او معاهدات مهما كانت مسوغاتها وقواعد ارتكازها. حتى تلك الاقطاب من المؤكد في القادم من الزمن ومهما قيل ويقال عن الحق والعدل في العلاقات الدولية والقانون الدولي، تستمر لوحة المصالح والمنافع، تفعل فعلها في اي كتابة لميثاق عمل على جدار تلك اللوحة وبالتنيسق الغير مباشر وبتلاقي المصالح بين هؤلاء من الدول العظمى والكبرى. ان كرة الارض وما عليها من الدول وشعوبها، تم وضع، في السابق والان وفي المستقبل، قانون او مجموعة قوانين الحوكمة لجميع حقول تنظيم العلاقات بين الدول وفي داخل الدولة الواحدة ، بين الحاكم وشعبه بما يحفظ مصالح الدول العظمى، التى لايمر قرار الا بموافقتها وقد يكون احيانا وفي الاعم الاغلب بالضد من ارادة الدول وناسها اللذان يستهدفهما هذا القرار او ذاك القرار، حتى وان كان الحاكم دكتاتور وظالم وقاتل لشعبه او من انظمة القرون الوسطى، وفي المقابل تناصب العداء لحكومات ودول وتصدر القرار يتبعه قرار ظالم وقاسي على الشعب اكثر بكثير من الحاكم، لا بسبب وجيه، السبب الوحيد ان هذا الحاكم رفض الرضوخ للهيمنة الاستعمارية بثوبها الجديد، فنزويلا وتشيلي، الليندي المنتخب ديمقراطيا، مثلا. نعود الى اصل هذه السطور المتواضعة والذي يخص ما فاجأت كوريا الشمالية، امريكا إذ اطلقت صاروخ مداه 13 آلف كيلومتر، صاروخ عابر للقارات..يغطي كامل مساحة امريكا. لذا اصبحت كوريا الشمالية على صغر مساحتها وقلة امكانياتها، دولة نووية، تمتلك قوة ردع. بهذا قطعت الطريق على الحرب، قطعا تاما. ثماني دول وهما الخمسة الكبار مع باكستان والهند واسرائيل تمتلك سلاح نووي. الانتقائية في امتلاك السلاح النووي، أمر غير اخلاقي وغير قانوني ظالم ووسيلة لأرعاب وارهاب الشعوب الضعيفة على طريق الهيمنة والسيطرة ونهب الثروات. منع الانتشار النووي، امر حيوي لأمن العالم وكرة الارض وما عليها. لكن يجب ان يشمل او يتضمن نزع السلاح النووي وكافة اسلحة الدمار الشامل من جميع الدول بما فيها الخمسة الكبار. بخلاف ذلك فهو سلاح لأضطهاد الدول وشعوبها. عليه يكون من حق الدول المهددة بكرامتها وسيادتها وامنها، امتلاك سلاح ردع نووي او غيره، لتبعد شر الاشرار عن حدودها. اما استعمال منضدة (مجلس الامن) باصدار قرارات الحصارات والتى في الاول والاخير تستهدف وكتحصيل حاصل، الشعوب وليس الحاكمون. السؤال الذي ينتجه الواقع، واقع القوى العظمى والكبرى في العالم، هو، لماذا الكيل بالمعايير المزدوجة وليس الكيل بمكيالين، هنا يكون الامر مختلف فان الكيل بمكيالين لايتوافق مع المنظومة الدولية المتحكمة بمصائر الدول وشعوبها، فهي تستخدم ألف معيار ومعيار لصياغة قراراتها فوق مناضد (مجلس الامن) بما يناسب مخططها وما تريد بلوغه من اهداف. لقد تطورت رؤية الناس من صناع المعرفة واجتراحتها العقلية واللامنتهية والغير متوقفة عند حد معين، وانفتح العالم على المعلومة والخبر والمعرفة بصورة مذهلة، لكنه ومع الاسف وفي حقل القانون الدولي لم يتطور قيد انملة وهنا نقصد لب التطور في هذا الحقل، الذي يعني ويخص مصائر الدول وشعوبها، على العكس تماما فقد استثمر هذا التطور بما يسير في مسارات متضاددة مع مصالح الشعوب الضعيفة. ان كرة الارض وما فوق سطحها الكروي، لايمكن ان تنعم بالامن والسلم العالمي والتطور والانفتاح الا بموازنة حركتها ودورنها بعقول، جميع عقول شعوب الارض بلا تفرقة واستغلال ومصادرة الارادات والسيادة. ان الارض لايمكن ان تستقيم وتتوازن وتدور في دوران لاينتهي، على قرون الكائنات المدنصرة، حتما سوف يختل توازنها وتضطرب حركتها وتسود الفوضى في ارجاءها، وتحدث الانفجارات، انفجارات البشر في وجه الظلم الذي تمارسه القوى العظمى في كرة الارض هذه. ان الظلم والاستغلال المشرعن بالقانون الدولي، يسلب من شعوب العالم الثالث، الكثير من فرص التنمية وتنمية الموارد( الا استثناءات قليلة لحسابات التاثير والتاثير المتبادل لصالح الرؤية الاستراتيجية للدولة العظمى صاحبة النفوذ في تلك الدولة الواقعة في المجال الحيوي لأمريكا، الدولة العظمى، كوريا الجنوبية وما يجاورها، مثلا..) وما ينتج عنها من انتاج وعي جمعي لتلك الشعوب، وعي متنور ومنفتح على عالم الانفتاح، بفعل توفر فرص العمل والوفرة المالية التى تنتجها تنمية الموارد سواء البشرية او في القاعدة الصناعية والزراعية. ان السيطرة الاستعمارية بالباسها الديناصوري العولمي، يقلص الى حد كبير، مساحات تلك الحركة في الدول التى تسمى خداعا وكذبا بالدول الصديقة اي تحويل الاستعمار الجديد الى صديق او الدول الحليفة او الشريكة او مناطق النفوذ، جميع تلك التسميات ماهي الا غطاء مهلهل او كما الغربال في وجه الشمس للتغطية على حقيقة وواقع هذه العلاقة غير المتكافئة. هنا السؤال المهم ما الذي يدفع القوى العظمى على مناصبة العداء الى كل من كوريا الشمالية!؟.. أهو الحرية او حقوق الانسان او تهديدها للسلم والامن العالميان، هل هذه هي الحقيقة، بالتأكيد هذه ليست هي الحقيقة. في كوريا الشمالية وبصرف النظر عن دكتاتورية الحاكم، السبب هو ليس ما ذٌكر في اعلاه من هذه السطور المتواضعة، السبب اكبر واعقد واعمق من هذا الذي ذكر سلفا. الاسباب هي التالية من وجهة نظر متواضعة:
1-التحدي الكوري الشمالي لإمريكا، بعض النظر عن احقية هذا البلد الصغير والمهدد في عقر داره من قبل امريكا في سيادته وامنه، فهو تحدي تاريخي ناجح الى ابعد الحدود، فقد جعل امريكا تفقد هيبتها بالاضافة اختلال ثقة حلفاءها بها وبقدرتها على المحافظة على امنهم، اليابان وكوريا الجنوبية، مما يؤدي بالضرورة الى ان يدفع القوى السياسية في هذاين البلدين الى استنهاض قدرتهما العلمية والفنية في المجال النووي والوسائط الاخرى المرتبطة به وبالذات اليابان. ويقلص بالاضافة الى هذا الهاجس الذي يكتسب الصدقية في العمل الجاد لاحقا، في المستقبل، المجال الحيوي للعب الامريكي في شبه الجزيرة الكورية وما يجاورها من بحر ومحيط..
2- يفتح المجال واسعا لروسيا في استنزاف قدرات امريكا في هذه المنطقة من العالم والمحاددة لروسيا، اضافة الى فتح مجالات التعاون ولو بشكل متخفي مع الكوريين الشمالين، مما يتيح المجال واسعا لتقوية التحالف الروس الصيني. لذا نلاحظ ان روسيا تكتفي بالشجب البروتكولي لتجارب كوريا الشمالية في الحقلين النووي والصاروخي. وفي هذا التوجه، رفضت روسيا الدعوة الامريكية لدول العالم في اهمية قطع العلاقة مع كوريا الشمالية،وقد قال المسؤولون الروس: اذا كانت امريكا تريد تدمير كوريا الشمالية فعليها ان تقول ذلك بوضوح..في رد واضح وصريح على تصريح تليرسون من ان الحرب اذا اندلعت بين البلدين ويقصد امريكا وكوريا الشمالية، سوق تقود الى تدمير كوريا الشمالية بالكامل..
3-تعتبر كوريا الشمالية الحليف الاستراتيجي والايدولوجي للصين، ومهما قالت الصين وشجبت تجارب كوريا الشمالية، تظل حقيقة العلاقة هي على غير ما يصرح به في الاعلام، وما هذه التصريحات الا ذر الرماد في عيني امريكا التى تراجعت قوتها وهيمنتها على العالم الاالمنطقة العربية( امارات وممالك الخليج العربي ودولة او دولتان غيرهما..)، لأن كوريا الشمالية هي ذراع الصين في كسر الهيبة الامريكية واجبارها مع تعاظم القوة النووية والصاروخية للأولى على التعامل الواقعي والحقيقى مع الصين كندين عظميين..تليرسون وزير خارجية امريكا حث الصين على قطع الامدادات النفطية الى كوريا الشمالية وهنا نُذكر ان هذه الدعوة سبقتها دعوات كثيرة…
في الختام ان كوريا الشمالية بزعيمها الشاب والشجاع وليس المتهور كما يروج عنه في وسائل الاعلام الامريكية واخواتها، تمكن من ان يجعل من كوريا الشمالية وكما قال هو عنها: كوريا الشمالية دولة نووية كاملة. ان الدعوة الامريكية لدول العالم بقطع العلاقات مع كوريا الشمالية، في غاية الخبث واللؤم والاستعداد النفسي والاخلاقي في تدمير اي دولة تعترض طريق جبروتها،هذه الدعوة اذا ما قيض لها النجاح وهذا امر مستحيل لتشابك المصالح والاهداف بين كوريا الشمالية والكثير من دول العالم وفي مقدمة دول العالم، كما اسلفنا الصين وروسيا والاخيرة رفضت تلك الدعوة بل ادانتها، الهدف من هذه الدعوة، هو رفع الغطاء الشرعي عن تلك الدولة الصغيرة، وحعلها دولة مارقة، خارج، رسميا المنظومة الدولية، تمهيدا لتدميرها، لا لسبب الالكونها امتلكت ما يحمي سيادتها وامنها من تهديدات الديناصور الامريكي، ولم تستخدمه ضد اي دولة او تهديد به اي دولة الا امريكا من اجل كبح جماحها وايقافها عند حدها، امريكا ومن المفارقات هي الدولة الوحيدة في العالم من استخدت السلاح النووي..

لا تعليقات

اترك رد