تفاعل القارئ في النص


 

“المشاهدون هم الذين يصنعون اللوحات الفنية”
مارسيل دوشان

حينما فتح الفنان المعاصر الأمريكي جيف كونس(1955) Jeff Koons رواقا للعرض بإيطاليا، وتركه فارغا لم يعرض فيه شيئا، أثار هيجان وغضب العديد من النقاد المتتبعين مساره الفني وخصوصا منهم الذين يقفون معارضين في وجه فنون ما بعد الحداثة، فبدأت الكتابات المتنوعة الرؤى والمشارب تتناثر على صفحات المجلات المتخصصة وملحقات الجرائد الثقافية، وبات الجميع يتحدث عن تصرف كونس غير العادي. وبذلك يكون الفنان قد حقق مبتغاه، بخلق زوبعة من الخطابات Discours حول فكرته التي لم يكن من ورائها شيء حقيقي وعياني يثير الانتباه والفضول، فيصبح عمل جيف كونس عملا مفاهيميا Conceptuel ينتمي حقيقة إلى الفن المفاهيمي الذي من سماته الرئيسية أنه يعتمد بالضرورة على الفكرة واستدعاء المتلقي للمساهمة في تحقيقها وبناء نسيجها. وبما أن فعل كونس أثار مجموعة من الخطابات (الجمالية)، فهو مقبول إذاً كعمل فني. هناك من النقاد الغربيين، الفرنسيين على الخصوص، من اعتبر فعل جيف كونس نسخة لما سبق أن قام به الفنان الفرنسي إيف كلان Yves Klein (1928-1968) في بداية ستينيات القرن الماضي، حينما استدعى الجمهور لحضور معرض ” الفراغ” (Le Vide) برواق فارغ. الفكرة لها دلالة كبيرة في أوساط الفن الراهن، ذلك أن بعض الأعمال ومقاصد الفنانين عبارة عن دعوى موجهة إلى المتلقي كي يساهم في بناء العمل الفني، نظريا، فيصبح بذلك طرفا فاعلا في إنتاجه. فالفنين الحديث والمعاصر تبقى أعمالهما مفتوحة وقابلة للتأويلات المختلفة والمتنوعة، حسب فكرة “الأثر المفتوح” التي تناولها إمبرتو إيكوUmberto Eco

(1932 – 2016) في كتابه الذي يحمل نفس الاسم.(L’œuvre ouverte) رغم أن إمبرتو إيكو تناول في تحليله ودراسته أعمالا فنية غير حداثوية وقصد بالشخص المساهم في بناء العمل الفني “المؤول الذي يتدخل في العمل الفني (ويؤديه) كالعازف الموسيقي”. ربما يتقاطع “المؤول” مع ما يريده صاحب العمل وما يقصده وربما يختلف معه. “إن المؤلف يقدم للمؤول أثرا يحتاج أن يكمله” (إيكو). فالعمل الفني يبقى دائما متعدد القراءات polysémique، حيث “لا يوجد معنى حقيقي في النص”، كما قال الكاتب/الشاعر/الفيلسوف الفرنسي بول فاليري Paul Valéry (1871-1945).

إن العمل الفني حينما يغيب فيه الموضوع العيني ويبتعد عن التشخيص الواقعي الوصفي يعرض نسبيا، لتفسيرات وتأويلات الذين يستقبلونه، كل حسب ثقافته وميوله الفكرية. أقول نسبيا لأن الأعمال الفنية العظيمة، الكلاسيكية على الخصوص، رغم أنها تبدو واضحة من حيث الشكل، فهي غنية بحمولاتها الرمزية المتنوعة، مما يتطلب من قارئها الإلمام بظروف نشأتها وأساس مواضيعها: انتماءها المدرسي والأسلوبي/الجمالي ومواصفاتها التاريخية والدينية وغير ذلك. ورغم وجود العناوين والتسميات المصاحبة للعمل الفني فذلك ربما يزيد القراءة تعقيدا وغموضا أكثر مما يسهل السبيل إلى توضيح وإدراك المدلول فيها.

حسب ستيفان ملارميه Stéphane Mallarmé (1842-1898) أن “تسمية أي موضوع يعني استبعاد ثلاثة أرباع من متعة القصيدة التي هي السعادة المصاحبة للتخمين”، وما يجري على النص الأدبي، يمكن إسقاطه على النص التشكيلي. فحينما نصاحب عملا تشكيليا بعنوان أو نحدد له تيمة معينة، فإننا نضيق على المتلقي متعته وتلذذه وبالتالي نوجهه نحو القناة التي حددنا قبلا مداخلها. وهذا توجه خاص بالفن التشخيصي البسيط في واقعيته، أما الأعمال التشخيصية الأصيلة، الصعبة المنال فليس في مقدور أي كان أن يقرأها دون أخذ بعين الاعتبار نسقها الفكري والفلسفي والإيديولوجي الذي نمت فيه وترعرعت. فعلى سبيل المثال تيقى أبحاث المؤرخ/الناقد Erwin Panofsky(1968-1892) ، حول ما أسماه “رمزية الأشياء المخفية” أساسية لفهم واستيعاب فنون عصر النهضة الأوروبية. تتجلى أهمية الدراسات النقدية التي أضافها إرفين بانوفسكي إلى كوكبة النقد الفني التشكيلي في كونه حدد ثلاثة مستويات لبناء قراءة تحليلية للأعمال الفنية : قراءة صورية إيقونية Iconique، تقتصر على الأشكال الدالة دون غيرها. وقراءة إيقونوغرافية Iconographique، يوظف خلالها المحلل “المصطلحات التصويرية التي تسمح بالتعرف إلى الصورة وتحديد صفاتها ومواصفاتها، أي هويتها”. ثم مستوى ثالث سماه تحليلا إيقونولوجيا، إذ يمتح المحلل أفكاره انطلاقا من التاريخ العام وتاريخ الفني والجمالية، الذي يضع الأعمال التي يدرسها في منظور اجتماعي وتاريخي، ليضع الأعمال، موضوع الدراسة داخل سياقها السوسيو-تاريخي، مسائلا حيثيات الإنتاج، وكاشفا الشيفرات التي من المرجح أن تنقلها في زمنها.

هوامش

1- إمبرتو إيكو – الأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، ط. الثانية 2001، دار الحوار للنشر والتوزيع-اللاذقية، سورية

2- Erwin Panofsky – l’œuvre d’art et ses significations, Tr. Marthe et Bernard Teyssèdre, Ed. Gallimard, 1969

3- ناتالي إينيك، سوسيولوجيا الفن، ترجمة حسين جواد قبيسي، المنظمة العربية للترجمة، ط.1،بيروت 2011

لا تعليقات

اترك رد