لسنا أحرارا


 

كنت طالبا في الصف الثالث الإبتدائي، أحب الرسم كثيرا، وظن بعض أقربائي بأني سأكون رساما ذات يوم، طلب منا معلم الرسم أن نرسم شيئا نراه في منازلنا، فقررت أن أرسم المهد المعدني (الكاروك) الذي اعتادت أمي أن تضع فيه أختي الرضيعة، أعتنيت كثيرا بتلوين الأعمدة البيضاء والكرات الذهبية، وشعرت بالزهو لأن المعلم سيرى أني أنجزت عملا جيدا، لكني فوجئت حين كتب على الورقة 3 من 10، شعر المعلم بمفاجأتي فسألني سؤالا لم أفهمه، ولم أعرف كيف أجيب عنه، سؤال أربك سنواتي التسع:
ـ حق لو باطل؟..
خشيت أن أقول له باطل فيعاقبني لذا أجبته بكلمة: حق… فما كان منه إلا أن رفعني وطلب مني أن أتشبث بطرف الباب العلوي بأصابعي، فتعلقت بالباب، كنت أشعر بالرعب لأني لم أفهم سبب تصرفه هذا، ولم يعطني المعلم الوقت لأفكر كثيرا فقد أغلق الباب بقوة لتنضغط أصابعي مسببة ألما لا يطاق، أفلت أصابعي وقفزت صارخا فما كان منه إلا أن يلاحقني بالعصا ليضربني في أية بقعة تصلها عصاه، أتذكر أني هربت من الصف يومذاك، وما زلت حتى يومنا هذا لا أعرف سبب تصرفه بالغ القسوة ذاك، كما أني لم أجرب أن أرسم شيئا مذاك، وفي فترات مختلفة من حياتي كنت أبحث عن المعلم حسن وهذا أسمه لأسأله فقط عن السبب، لكني في كل مرة وحتى بعد أن أصبحت أبا، كنت أخشى التقرب منه، رأيته مرة وكان قد أحيل على التقاعد، وارتدى (كشيدة) وهي غطاء رأس يشبه الطربوش ملتف بخرقة بيضاء أو خضراء كالعمامة، يرتديها عادة من يقومون بأعمال الخدمة في المراقد المقدسة، هل كان متدينا حين قام بتعذيبي دونما مبرر، من المعروف أن الحيوان لا يمتلك عقيدة أو فكرة ما، بل مجرد قائمة من الغرائز التي تدفعه إلى هذا الفعل أو ذاك السلوك، حتى تصبح الغريزة ذاتها هي عقيدة الحيوان أو مرجعه لأي سلوك يؤديه، أما الإنسان فتحركه الغرائز في طفولته الأولى ثم يبدأ بتلقف الأفكار لتشكل بالتالي عقيدته التي تشذب سلوكه وتضع الحدود لغرائزه، ونعلم جميعا بأن مرجعية هذه الأفكار المتشكلة تدريجيا هو الدين، الأطار الشرعي للعقيدة، وفي بلداننا تنعدم المزاحمة المتكافئة للعقيدة والتعاليم الإسلامية، إذ يمارس الدين الإسلامي هيمنة لا تمنح الحق لأية عقيدة أخرى لطرح وجهات نظرها، إذن، مجمل السلوكيات المعروفة والأخلاقيات الشائعة مستمدة من هذه العقيدة، ولو بدأنا من أعلى سلم السلوكيات المستهجنة فسيكون القتل أكثرها بشاعة، فكم هو عدد الآيات التي تحرم القتل في القرآن؟… من يحصيها فسيجدها ثلاثة آيات فقط، وهي لم تحرم هذه الجريمة صراحة، نقرأ في سورة الإسراء: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق).. قتل أزلام النظام السابق الكثير من العراقيين لأنهم كانوا يرون قتلهم حقا، فهذا هارب وذاك يهدد أمن الدولة، وثالث مشكوك في ولائه، وقتل السنة والشيعة بعضهم بعضا خلال الحرب الطائفية البغيضة، وكلاهما يرون ما فعلاه حقا، حتى داعش التي قتلت المسيحيين والإيزيديين وسبت نسائهم فإنها كانت تؤمن بأن ما تفعله هو الحق، وأن هؤلاء يستحقون القتل، فالحق إذن نسبي، يراه البعض في وجهة ويراه آخرون في وجهة مختلفة، الحق مفردة هلامية تتشكل وفقما يراه من يريد استخدام هذا الحق، وسط فضاء سادت فيه مفاهيم العداء والبغض، ولعل الكثير من الآيات القرآنية تطرقت إلى مفهوم العداوة والبغضاء حتى أخذت موقعها البارز في اللاوعي الجمعي، جاء في سورة البقرة: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، وفي سورة المائدة: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)، وفي سورة الممتحنة:(وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا)، وفي سورة البقرة أيضا: (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، لقد سيطرت على لاوعينا تربية تستسهل قتل الآخر تحت دعاوى العداء أو الثأر، فصار الداعشي يصرخ: الله أكبر وهو يمارس عنفه، وفي الجهة المقابلة يصرخ من يحاربون ضد داعش: الله أكبر.. ثم يمارسون معهم عنفا لا يقل شراسة وقسوة، وكلاهما يرى أنه ينفذ الحق.. مع أي جانب منهما يقف الله الأكبر؟.. وكيف سنجزم أن هذا أو ذاك يقف إلى جانب الحق؟… كان الحرف الأول في أبجدية داعش هو رفض أفكار الآخرين، وهذا أدى إلى رفض أقوالهم وسلوكهم ثم تكفيرهم، وإباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وانطلق الجانب المقابل من المنطق نفسه… ولعل مراجعة سريعة لبعض ما جاء في تراثنا الشعبي ترينا أن الحق هو آخر ما نهتم في البحث عنه، فالمثل الشعبي السائد: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب، لم يفكر إطلاقا إن كان ابن عمي أو الغريب على حق أو باطل.. إننا نحتكم في مثل هذه الأمور إلى ثقافة التبرير الشائعة في مفاهيمنا الإجتماعية، فقد اعتدنا أن نصدر الأحكام وننفذ العقاب ثم نبحث عما يبرر سلوكنا ونحاول أن نجد أسبابا عديدة تبيح لنا سلوكياتنا المتطرفة ضد الآخرين.. حين ضربني المعلم حسن، لم يفكر بأنه بحاجة إلى مبرر، فالسائد أن الأب قد يضرب ابنه لمجرد أنه منزعج، أو خاض شجارا مع زوجته، ولم تكن العصا تفارق المعلمين وكأنها جزء من العملية التربوية، ربما أجزم بأن المعلم حسن كان مستمتعا بتعذيبي، أو لعله مندفع بسبب غضب ألم به، المعلم حسن وأنا معا، وأغلب أفراد مجتمعنا ضحايا ثقافة ترسخ الحقد والكره والغضب.. ينسب للرسول الكريم حديث ذكره أبو هريرة قال فيه: (علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا)
الصلاة فعل يهدف إلى تحقيق صلة مباشرة بين العبد وخالقه، لابد أن تمتلك قدرا كبيرا من التجلي والروحانية، فهل يدرك ابن السابعة المجبر على أداء الصلاة حقيقتها هذه، وإن ضرب لإجلها طفلا في العاشرة فهل سيؤديها وقلبه ممتلئ بالإيمان بها، أم سيؤدي ذلك فقط لأنه خائف من عقاب الضرب؟… وهل يقبل الله صلاة طفل تعرض للضرب من أجل أن يصلي؟.. الطفل هنا مثال لما ستتشكل عليه أفكار ومعتقدات من سيكون رجلا مسؤولا ذات يوم، لقد أجبر على أداء أمر لم يفهمه جيدا، وضرب كي يؤديه رغم إنه لم يمتلك الوعي بعد لإدراك أبعاد هذا الفعل ونتائجه، وأدرك هذا الطفل بأنه مجرد ملكية تعود إلى أبويه الذان يفعلان به ما يشاءان دون أن تكون لديه أية فرصة للإحتاج أو ابداء الرأي، وعليه أن يكون خانعا مطيعا على الدوام، من منطلق طاعة الأبوين، ثم طاعة المعلم، ورجل الدين، والقائد السياسي، وجميعهم يعملون دائما على التفكير بالنيابة عن هذا الانسان الذي لن يضيره أن يضع جانبا قدرته الذاتية على التفكير، وقد يصدق أنه ليس بحاجة لها، خاصة أن الكثير من مفردات التراث الشعبي الديني تحثه على ذلك، مثلا: (ذبها براس عالم واطلع منها سالم)..
سلوكنا الجمعي منطلق من عقيدة مهيمنة، رسمت لنا الحدود، وأوغل رجال الدين في إيضاح ما اعتبروه حلالا أو حراما، مباحا أو ممنوعا، مكروها أو مستحبا، وهم حريصون في كل مرة على أن يقرنوا تعاليمهم بإرادة الله ورسوله، وفقما جاءت به الآيات والأحاديث،وما زلت أجزم أن الآيات لم يحسن تفسيرها بعد، والأحاديث نسب أغلبها للنبي محمد ولا أظنه نطق بها، إنهم يعلموننا أن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق وهذا جيد، لكن الأحداث المتناقضة والمستهجنة لا علاقة لها بهذه المكارم، فمنذ 1400 عام وهم ينسبون للنبي محمد أنه فاخذ عائشة ثم تزوجها صغيرة، وأُنزه الرسول الكريم عن أمر كهذا، وتعلمنا كتبهم أنه نام مع اليهودية صفية وما زالت دماء زوجها وأبيها وقومها تجري بعد أن أبادهم المسلمون، وأرفع أصبعي مشككا في مثل هذا الحدث كذلك، يخبروننا كذلك أن النبي الكريم اشتهى زوجة ابنه بالتبني زيد، فدفعه لتطليقها لكي يتزوجها، وهذه سلوكيات يريدون أن يقنعونا بأنها مقبولة وعلينا اعتبارها سنة نبوية، رغم انه لا تليق بإنسان بسيط فما بالك بنبي.. يعلموننا أن الكذب مباح في بعض أوجهه تحت مسميات التقية الشيعية والمعاريض السنية، إن ما يغرسه رجال الدين والفقهاء لما يعتبرونه العقيدة الإسلامية أصبح مسؤولا عن صنع كائنات مشروخة نفسيا وعاطفيا وسلوكيا، ونولول دائما لكوننا متخلفين عن ركب التقدم والمدنية، فكيف نتقدم وما زالت مجتماعتنا تقف بالضد مع أي جهد ابداعي، فمن البديهي أن الإبداع هو أن تنظر إلى الأشياء نظرة مختلفة عما ينظر إليها غيرك، فنحن نرى الأشياء نفسها لكن المبدع من يراها بطريقة مختلفة ويستنبط منها أفكارا جديدة، لكن مجتمعاتنا وبدفع من الأساس المعتقدي ترفض فكرة الإختلاف أصلا، سواء كان اختلافا في الرأي أو المعتقد، كما ترفض أي جديد لأنه سيكون بدعة وكل بدعة ظلالة وكل ظلالة في النار.. يحتاج الإبداع إلى حرية نحن محرومون منها في الواقع لأننا مكبلون بالمسلمات التي حددت لنا سلفا ما علينا أن نفكر به وما هو محظور لا يجب أن يمس.. بينما يحتاج الإبداع إلى حرية تغمر القلب وليست حروف ترددها شفاهنا دون أن نتصرف وفقها.. لنعترف أولا، لسنا أحرارا كي نفكر بشكل حر.. ولن يتحقق ذلك إلا حين نحاكم تراثنا الذي ما زال يردد النغمات النشاز، والتي أثق أنها نسبت إلى النبي الكريم زورا وبهتانا مثل هذه الأقاويل التي يعدونها أحاديث نبوية:
ـ “من لم يغزو أو يحدث نفسه بغزو، مات ميتة الجاهليه”.
ـ اغْزُوا تُبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ وَنِساءَ الرُّومِ

لا تعليقات

اترك رد