فن نهاية العالم

 

إن العالم يحتضر، ما هي إلا سويعات قليلة، عاجل أنباء جديدة، مواقف حادة، ضغوط تمارس، ساعات ويعقد المؤتمر الكردي ويتم الكشف عن التفاصيل الخطيرة، إنها النهاية، ما هي إلا أيام وتنطلق شرارة المعركة بين المريخ وزحل، رياح التغيير قادمة، انجوا بأنفسكم، محادثات جنيف تصل للمراحل الختامية، لكن روسيا تكشف عن مفاجأة مدوية، مقتدى الصدر يصدر بيانا يهدد باقتحام الخضراء، صدر هيفاء يثير مواقع التواصل.

طائرات سعودية تحلق بسماء صنعاء تلقي الهدايا للأطفال، وحاخام يهودي يرد بأن المنتظر على الأبواب، أمريكا تؤكد اندحار داعش في ظرف أيام، داعش يقول بإن معركة آخر الزمان اقتربت، تركيا تتوعد، إيران تنفذ، هاكر مغربي يخترق حساب فنانة عربية مشهورة ويهدد بنشر صورها بالملابس الداخلية، الفنانة ترد بالنفي فأنا لا أرتدي الملابس الداخلية، المريخ يقترب من الأرض، الأرض تقترب من الجحيم، الجحيم يحترق من نفاق العرب، حريق آخر يلتهم مكتبة الكونغرس، الكونغرس يلتهم العالم بقراراته، قرارات الأمم المتحدة مصابة بالشذوذ.

الشذوذ يعتبر النجاة من قاعدة الموت في يوميات العراق، الحوثي يتقدم، سلمان يتراجع بفارق خسارة ثلاث مدن وأربع مجاعات بشعة، فصائل الحشد الشيعي تقترب من السيطرة على الحياة، السيطرة تقترب من الفوضى، الفوضى تقترب من الانفجار، الانفجار العظيم يقترب لكنه لاينفجر، والقضية تذبل والحدث الذي شغل الرأي العام وكاد ان يتسبب بتغيير مصير البشرية، وافتعال حروب فضائية أصبح “لا شيء” ذاب كأنه قطعة ثلج، واكتمل الروتين البائس ومع ذلك نعيد التفاعل مع هذا التصعيد، في اليوم والأزمة التالية.

هكذا اصبح التعصيد في حياتنا اكثر من كونه مفهوم واستراتيجية سياسية وعسكرية محدودة الاستخدام، انما شمل كل مناحي الحياة، فحتى الاخبار الرياضية والفنية اصبحت لاتذاع الا وقد غمست نفسها بمستنقع التصعيد.

يسمى هذا التصعيد الذي قد يبدو عفوياً بـ”فن صناعة الأزمات” يعرفه الدكتور “محسن الخضري” في كتاب ادارة الازمات بانه:” فن متكامل في حد ذاته، وهو فن قديم مستحدث للسيطرة على الآخرين، واخضاعهم وابتزازهم، مارسته الحضارات الغابرة، وعاصرته الأمم والدول الحديثة”

فهو فن ذو طابع خاص، فن المؤامرات والمصالح الرخصية فن اللعب بالعقول، انه مخططات حرفية تجري بشكل مراحل وتكيتات عميقة اكثر مما نتصور بأنها عفوية ترد لنا على شكل خبر عاجل.

لذا عزيزي القارئ ما تشاهد من تهويل سياسي/إعلامي يومي، ومن تصعيد متصاعد يأبى الانفجار، كله مدروس باحتراف، فلا شيء عبثي في السياسة، فما الحدث السياسي إلا فعل وردة فعل، والفعل لا يحصل إلا نتيجة تخطيط مسبق، أو نتيجة تحقيق غاية مضادة، وللفعل هذا مؤشرات تكشفه مهما حظى بالسرية.

فالسياسة أبعد ما تكون عن المفاجأة والصدف، لذا لا تخدعك العناوين ولا حتى التصريحات، أو حدة المواقف، ولا تؤثر على مشاعرك الأحداث والأزمات السياسية، فالازمة التي أمامك ليس بالضرورة الهدف من افتعالها هو تحقيق الهدف الذي تدعي الوصول إليه، إنما قد يكون هدفا آخر، أو هي افتعال لتغطية الوصول لهدف آخر، أو أنها ضمن هدف ومخطط كبير وما هذه الأزمة إلا جزئية منه.. إلخ.

بعبارة دقيقة ان الضجيج السياسي الذي أمامك مهما كان يتضمن من تصريحات أو تحريك لطائرات وأساطيل، لن يعجل بنهاية القيامة، ولن يخلق واقعا جديدا بين ليلة وضحاها، هذه سياسة، وليست كيمياء حتى تكون النتائج والتأثيرات فورية.

وعليه لتحاول عقلنة ما تسمع وترى من أحداث في حياتك اليومية، وتتذكر اخر ازمة وتصعيد، وتتأمل في نهايتها، لعل تجيد التعامل مع الازمات واساليب التصعيد الحاصلة في الازمات القادمة، الى هنا يكفي اخبارك بان هذا المقال تم نشره في العام الماضي، واتمنى ان لاتكون بحاجة الى قراءته في العام القادم!

لا تعليقات

اترك رد