الانقلاب السياسي في الفكر الشيعي العربي


 

النضوج الفكري السياسي لقادة الاحزاب العراقية ما بعد 2003 , مَرَّ عبر حلقات متسلسلة ضمن الإطار الزمني في مسيرتهم السياسية , فقراراتهم السياسية كفاعلين سياسيين في الساحة العراقية انما جاءت ارتجالية مشوهة المعالم ومتفاوتة من حيث ايجابية وسلبية تلك القرارات بل كان للبعض منها ان ادخل البلد في ازمات مدمرة سواء الداخلية منها والقائمة على العمل ضمن اطار المصالح الفئوية والحزبية الضيقة , فكان ان اشتد الصراع الحزبي فيما بينها على المغانم , او مع اطراف اقليمية خارجية تمثلت في تدخلات لدول اقليمية وجارة في الشأن الداخلي العراقي وتمدد لنفوذ البعض منها الى أكثر من المتوقع , هذا من غير ما سببه البعض في خلق فراغ سياسي في البلد تشوبه الصراعات الاثنية والعرقية نتيجته كانت ان غرق العراق في بحر من الدم وعم الخراب فيه واتسعت دائرة الفساد بشكل مخيف لتضرب مفاصل الدولة كافة وحتى تتوج تلك القرارات الغير ناضجة ولّا المدروسة بدخول تنظيمات داعش الارهابية المدن والقصبات العراقية ليستولي على مساحة قدرت بثلث مساحة الدولة العراقية ككل , إذن فأغلب القادة لم يكن على دراية والمام بالعمل السياسي والحزبي قبل هذا , وايضا فان لكل واحد منهم فهمه الخاص للحدث السياسي وقرأته من زاويته الجامدة وبما تحتمه عليه مصالحه الضيقة او بإستحكام العامل البراغماتي ذو النزعة الدينية والوصولية .
اليوم نلاحظ ما هو اشبه بالانقلاب في الفكر السياسي لبعض قادة الاحزاب ضمن اطار الوسط الشيعي العربي متجاوزين بشيء من النضج جميع ما علق بهذا الفكر من تشويه وتردي نوعي في القيادة الى فهم اكثر واقعية لمتغيرات الساحة العراقية , وربما يكون زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر سباقا في هذا الاتجاه , فهو بابتعاده عن الفكر السياسي الراديكالي وعن الديموغجية في العمل الحزبي يكون قد اسس لواقع سياسي جديد لحزبه يقوم على اساس فتح قنوات اوسع مع دول كان بالامس القريب متقاطع معها كليا لينفتح بشكل متوازن على دول الجوار العربي ولا يضره بعد هذا من ان يبني علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الدولي وبما ينسجم مع مصلحة الشعب العراقي ويحقق له الامن والاستقرار والإزدهار , وتلك نقطة غاية في الاهمية اذ تعتبر تطورا ايجابيا في نمطية العمل السياسي الذي عمَّده قبلها بانفتاحه على النخب المثقفة فاستطاع من ان يستميل المدنيين لبرنامجه القادم وضمن منضومة هذا التحول العملاق والذي سيقوده حتما الى توجه جديد لفتح آفاق اوسع في الانخراط ضمن تحالفات مستقبلية جديدة سترسم ملامحها نتائج الانتخابات القادمة , وتلك الرؤية استنطقتها خطبه وتصريحاته ولقاءات سماحته وايضا اعترافه في فشل منظومة الإسلام السياسي الشيعي القائمة على المحاصصة الحزبية ودعوته للقيادات الاسلامية من النأي بنفسها عن العمل السياسي القادم , فهو وحسب تصريحاته قد ترك الباب مشرعا امام الحكومة في اختيار وزرائها ومن التكنوقراط حصرا على انه وحسب قوله سوف لن يدعم اية شخصية من تياره لتسنم اي منصب في الدولة العراقية حتى انه سيبتعد عن تيار الاحرار ليؤسس تيارا جديدا لم تتوضح معالمه بعد لكنه سيكون حتما متناغما والتحول الفكري الذي طرأ على سياسيته ضمن المستقبل القادم .
فهل سنشاهد في الوقت القريب اختفاءا او اضمحلالا لكتل حزبية طالما مثلت محور معاكس لهذا التحول الفكري والتوجهات الجديدة ؟ , وهل ستنضوي مجاميع اخرى للعمل ضمن النشاط السياسي الشيعي الجديد ؟؟ , المتغير القادم سيبين ذلك حتما .
ما طرأ اليوم من تحول في الفكر السياسي للوسط الشيعي العربي لم يكن في فترات سابقة بالمتقبل .. فسابقا كان لا يعدو بمفهوم وقناعات البعض من القيادات الحزبية الاسلامية الا حالة من التبعية والعمالة للاجنبي فلم يحظ اصحاب هذا الفكر بالاهتمام او الدعم من قبل احزاب السلطة الحاكمة لا بل انهم حوربوا ودفعوا إزاءه ثمنا باهضا خسروا بموجبه الكثير لا لشيء سوى انهم يتمتعون برؤية سياسية واضحة مع انهم في حالة من النضج السياسي المتقدم على اقرانهم في استقراء الواقع العراقي بشكل دقيق , وربما كان محافظ النجف السابق وامين عام حركة الوفاء العراقية عدنان الزرفي مثالا صريحا لهؤلاء القادة من الشباب من الذين جوبهوا بمصدات من الصقور اصحاب الفكر السياسي الاسلامي فلا يجانبنا القول لو صرحنا انه كان من اوائل القادة السياسيين في الوسط الشيعي العراقي الذي رسخ تلك المباديء والافكار ووضع اللبنات الاساسية لها , فلم يتسم فكره السياسي بالجمود بل كان حركيا ولا بالمحددات ولم يمنعه من الانفتاح على دول الجوار ولا على اية دولة شريطة ان يبني معها علاقات متوازنة تصب في الصالح العام العراقي فحسب , وايضا ومن خلال تتبع سيرته في العمل السياسي وجد انه يعمل بماديء الدولة الحديثة التي تعتمد على تطوير الخدمات وتنشيط الإقتصاد وخلق فرصا للتنمية المستدامة , وهو كان قد اسس لثقافة عدم اعتماد المواطن على الطاقات العامة للدولة بل على حجم الفرص التجارية والاقتصادية التي تقدمها الدولة للمواطنين واستغلالها بالشكل الذي ينمي من قابلياتهم الفكرية والابداعية ويرفع من مستوى قدراتهم في خلق آفاق مستقبلية لغد أكثر إزدهاراً .

لا تعليقات

اترك رد