القانون وحرية الرأي والتعبير


 

شكلت ولادة القانون الوضعي مرحلة انبثاق أساسية في تطور المجتمعات الإنسانية، حيث ساعدت القوانين البشرية على انتقال المجتمعات من حالة البدائية والتصارع وفرض القوة المهيمنة إلى حالة الدولة والتعاقد الاجتماعي والإحترام المتبادل، فالقواعد القانونية هي الشرط الأساسي لإرساء لبنات المجتمع الحداثي، حيث تتأسس العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على منطق قانوني يضفي صبغة العقلانية على الاجتماع الإنساني الداخلي والخارجي.

وقد بدأ التطور القانوني لدى الإنسان مع أفكار الحداثة التي ارتبطت في نشأتها بتاريخ الدول الغربية وتطورها ديمقراطيا وفكريا. لكن في مجتمعاتنا العربية واجهتنا عدة اشكاليات حول تعريف القانون ودوره على اعتبار أن مجتمعاتنا لديها قوانين إلهية جاهزة تكفينا عن القوانين الوضعية التى صنعها بشر قاصرين عن إدراك الحكمة الإلهية في تسيير شؤون الناس. فنحن الي اليوم نعاني من أزمة تكييف وملائمة القانون الوضعي الغربي مع خصوصيات انماط ثقافية واجتماعية ودينية مختلفة، بالإضافة لتواجد شروط تاريخية وسوسيوثقافية مازالت تنتج عادات وتقاليد تحكم أنظمة سلطوية ترفض التخلي عن مكتسباتها لصالح الديمقراطية وتداول السلطة. فالقانون، بشكليه الديني والوضعي، في مجتمعاتنا العربية يعاني من إشكالية عميقة، ليس فقط في التطبيق وإنما أيضا في اقتناع غالبية الشعوب في الإيمان بجدواه أو بمصداقيته. وهذا يرجع الي عوامل متعددة منها ماهو سياسي واجتماعي وثقافي وحتى ديني.

في الواقع، إن المشكلة الرئيسية لضعف مفهوم القانون تعود الي غياب القانون المدني والتقاعس المؤسساتي عن تنفيذه في معظم الدول العربية، مما دفع المواطن لإتباع طرق ملتوية فاسدة للتهرب من مسؤولية تنفيذ القانون على نفسه أو على غيره، فعندما لا تحكمنا القوانين بل رجال الدين والتحالفات وتدخل الحكام والمتنفذين، وعندما نجد الكثير من الطرق والحيل للالتفاف حولها، وعندما نقف مع

القانون ونصفق له لمجرد انه يحاسب من نكرهه او من نختلف معه دينيا ومذهبيا وسياسيا وبنفس الوقت نرفض هذا القانون أو نعتبره معتديا لانه يحاسبنا، وعندما تصبح هذه الطرق ثقافة عامة مجتمعية، فإن كل إنسان يتصرف وفقا لما يرى فيه مصلحته الخاصة أو مصلحة جماعته وانتماءه الديني أو القبلي أو المذهبي..الخ. من هنا تظهر الأزمات في بنية مجتمعاتنا العربية ومؤسساتها، فالفرد، سواء انتمى إلى النخب السياسية أو إلى عامة الشعب، يتجاهل واجباته تجاه احترام القانون ساعيا لنيل حقوقه التي يسعى لإدراكها بكل الوسائل السليمة أو الهمجية، وإن أدى ذلك إلى ضرر بممتلكات الغير العينية والعقلية. وهذا لا يعني أننا ندعو لعدم السعي لنيل حقوق الفرد وإنما نحاول التأكيد على وجوب السعي لنيلها في ظل سيادة القانون وأولوية احترام التعايش المشترك والحفاظ على الأمن والسلم الوطني، وأستثنى هنا طبعا، التمرد الحقيقي في قيام الشعوب، أيا كانت، في الثورة ضد الظلم والطغاة والمستبدين لنيل الكرامة الإنسانية والظفر بالحريات والعدالة والديمقراطية، فهذه أعتبرها حقوقا مشروعة وواجبا إنسانيا لتعديل مسار التاريخ وكتابة سفر الخلود بدماء الشعوب.

لقد مرت على مجتمعاتنا العربية عقود طويلة، وربما منذ بدايات نشوء الدول، إخفاقات في تطبيق القانون والإلتزام به حرفيا، رغم الشعارات البراقة المرفوعة ورغم إسلامية غالبية القوانين، فلدينا، الحاكم والأمير والوزير ونائب الشعب يتدخل في إعاقة القانون وفي تعطيل القانون، ومرات كثيرة في تمكين الفاسدين والسارقين والمجرمين من الهروب وعدم استكمال محاكماتهم، فقط لانه مشترك معه بمصلحة او يعتبر من أقربائه او من جماعته وفئته الاجتماعية، ولكن يبقى المواطن البسيط والفقير ومن لا يملك واسطة أو فئة تدافع عنه، يقبع بالسجون ويعاني من التعسف في تطبيق القانون حتى يقال بأن مولانا الحاكم يبسط القانون وينفذه لصالح الشعب.

وأكثر قانون تم استخدامه في مجتمعاتنا العربية، لإسكات صوت الحرية والعدالة هو قانون تجريم حرية الرأي والتعبير الذي يدعو صراحة الي معاقبة كل من يفكر أو

يبدي رأيا حول قضايا لازالت تعتبر من المحرمات والتابوهات المقدسة وهي الجنس والدين والسياسة..فلا زالت الأنظمة تعاقب بالحبس والنبذ كل من تسول له نفسه بانتقاد او مسائلة الحاكم والدين، لتطبق عليه قوانين تم تفصيلها خصيصا، لتتدمر أسر كثيرة وتتشوه مجتمعات عديدة ونتراجع أكثر فأكثر في مجال احترام حقوق الانسان والحريات.

إن سعينا للدفاع عن حرية الإنسان وسيادة القانون ورفع شعار القانون فوق الجميع دون استثناء، لا يهدف فقط لبناء نظام ديمقراطي، ولا للتهرب من المسؤولية في حال إرتكاب أي جرم لأي إنسان مهما علا شأنه ، بل الي رفض كل قانون يدفع الي قمع الإنسان وتجريم حرية الرأي والتعبير، فهذه القوانين ماهي إلا سبة في جبين كل دولة وعارا يحمله كل شعب يقبل بمثل هذه القوانين المسيئة لكرامته.

لا تعليقات

اترك رد