الأنظمة القمعية

 

العناصر القذرة والسفهاء والبلاطجة وشاذي الآفاق والجراثيم البشرية القاتلة الغارقة في مجاهل الغرور والجهل والقسوة والعنف والمفلسون ذهنيا وروحيا والمتزمتون والمتعصبون بلا حدود يشكلون أحد الأركان المهمة للسياسة العمياء والأنظمة القمعية التي تعطي الأولوية للأمن ، وتهمل الأمن الغذائي والاجتماعي والثقافي والروحي والنفسي للأمم ، فتتطاول الأجهزة الشمولية ، وبفجاجة تصادر حقوق الإنسان ، وتقترف جرائم مشينة ، وتتدخل في كل الأمور بطريقة غير محتشمة ، وغير مكترثة بالدساتير والقوانين والأعراف والعادات والتقاليد ، وتدوس كرامة الإنسان بأقدامها .

إن عدم الاعتراف بحقوق وكيان المجتمع ، واعتبار الدولة وأجهزتها فوق الجميع ، أدى ذلك إلى نشوء الديكتاتوريات والطغيان وهيمنة الدولة على كل شيء ، وعدم ترك هامش للحرية الفردية ، وتكبيل المجتمع بقيود وعوائق مادية ونفسية ، تؤدي بالمجتمعات إلى التقهقر الحضاري ، وتعطي صلاحيات واسعة للدولة في الهيمنة والتسلط على كيان المجتمع ومسخ كل معاني التطور والنماء ، مما يؤدي إلى العزوف العضوي والذهني وقتل عناصر الخلق والإبداع عند المواطنين . فالسياسة كما عبر عنها أحد السياسيين ، بأنها فن الممكن ، أو يمكن اعتبارها أدوات ومسالك ووسائل لبلوغ الغايات والمقاصد ، أو هي على حد تعبير أحد المفكرين ، اقتصاد مكثف . فالسياسة – هي جملة من الطرق والوسائل المستخدمة للوصول الى الغايات المرجوة وهي العلاقات ما بين الكتل والفئات الاجتماعية المتعاركة والمتصالحة ، وعلاقة الكتل والفئات الاجتماعية بالسلطة ، والعلاقات البينية لمؤسسات السلطة ، وكيف تعكس ذلك في علاقاتها بالشعب وطرق استعمال القوة ، والإكراه في الصراع للوصول إلى السكينة الاجتماعية والسياسية على حد تعبير الوفاء بن عقيل جلب المنفعة ، ويكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد .

ففي المجتمعات التي تتدخل فيها المؤسسات في كل شيء ، في المأكل والمشرب والصحو والمنام ، والأفراح والأتراح ، يعد ذلك تعبيراً صارخاً على استخدام غير حصيف يخضع للأمزجة والأهواء ، ويهدم في نهاية المطاف كل بارقة أمل للنهوض ويفتت نسيج اللحمة الوطنية .إننا مع تدخل الدول في المسائل الرئيسية والمهمة التي تصب لخير الأمن والاستقرار الاجتماعي والحياتي والمعيشي ، وذلك باستخدام الوسائل الشفافة والمرنة والحكيمة في تسيير شئون المجتمعات ، ونشر الطمأنينة وإحقاق الحق والعمل من أجل المساواة الاجتماعية والعدل الاجتماعي وتشجيع المبادرات والمواهب ورسم الاستراتيجيات الوطنية للنمو والتطور .

إن إقحام السياسة والقوة في كل شيء ووضعها في موقف لا يتجانس مع القيم المتصلة بأنسنة الحياة الاجتماعية فتتقاطع مع الخير العام وتتواءم مع الرذيلة واللؤم والخساسة والفساد ، يشوه السياسة ومؤسسات القوة في المجتمعات ويجعل الناس ينفرون من السياسة ، بحيث يفهمها البعض على غير وجهها السليم ويترك سحابة كثيفة من الغموض والالتباس في شبكة المفاهيم ، نازعين عنها الحكمة والذكاء وفن الإدارة والشفافية ، ويخلعون عنها الصبغة الأخلاقية والإنسانية ، مما يجعل العامة من الناس ينفرون من الدولة ومؤسساتها ويشيحون بوجههم عنها ، ويموتون جزعاً من كلمة السياسة .

إن الاستخدام الفج للسياسة والقوة والعنف والإكراه والإذلال ، بعيداً عن الرجاحة والعدالة والرشد والكفاءة وفن التنظيم والإدارة ، يترك هاجساً سيئاً وسوء تفسير وجهل لدى العامة من الناس وحتى الصفوة المثقفة، من أن السياسة هي المكايدات والخبائث وحياكة المؤامرات في الغرف المظلمة ، لا يبصرون منها إلا خيوطها وعناصرها الرديئة وثقوبها السوداء .

لقد نفر الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية من الاستخدام غير اللائق للسياسة حيث تجرع كاسات من الآلام والمرارات من العيار الثقيل ، مما جعله يقول دون تردد : ( أعوذ بالله من السياسة ، ومن لفظ السياسة ، ومن معنى السياسة ، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة ، ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة ، ومن كل

أرض تذكر فيها السياسة ، ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يحب أو يعقل السياسة ، ومن ساس ويسوس ،وسائس و مسوس ) .

لا تعليقات

اترك رد