شعب وحاكم


 

للعراق تاريخ طويل من الحضارة الضائعة، وتاريخ طويل من الخراب المتكرر، للزمن فيه دورة متسارعة للوقائع، حضارة تنهي خرابا وخراب ينهي حضارة، والعراقي يعرف انه سليل حضارات ولكنه لا يتنفس الا الخراب، تلك اثار بابل وتلك اثار سومر واور واشور شواهد حضارات مخربة، وخربات شاهدة لخراب متكرر وحاضر..

للعراق اوجه متعددة، جميعها محبة للتفرد، لا ترضى لاحد من الجوار والتابعين ان يكون ندا له، في حضارته وخرابه، في تقدمه وتراجعه، ففي الوقت الذي كانت المنطقة حوله تعيش الفقر والتخلف والنسيان، كان هو ذاكرة الشرق ونورها، ابناؤه وبناته بمنتهى الاناقة والتحضروالدلال، واداؤه كان هو الارقى في الفن والسياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والهندسة والاعمار، وحين تقدمت المنطقة ولامست حواف الحضارة والمدنية ولحقت به وتجاوزته، ابى الا ان يكون متفردا في التراجع والتخلف والفساد والعبثية والتخريب والسوقية ايضا..

للعراق صور ملونة، بعضها بهي بلون زرقة السماء، وبعضها اليم بلون الدم، والغالب هو الاسود بلون الموت، والبعض شاحب فاقد للملامح..

للعراق ذاكرة ممسوحة، وقد ابالغ في الخطأ ان قلت ان له مع الذباب مشتركات كثيرة، فهو يدور على نفسه وعلى ذات الاماكن وذات الاتجاهات وذات المحطات مرات ومرات دون ان يتذكر ما مضى وما جرى، بل يرى ويؤمن انه دائما بهيئة جديدة..

للعراق امال متجددة دائما، ورهانات عالية دائما، لكن العراقي لايعي انه انما يمتطي ذات الاحصنة، ويسير بذات المسارات المهلكة، وان الرهان على الغيب مرتهن اساسا بالسعي والمثابرة والتغيير وليس الاتكال والدعاء والتمني والرجاء..

للعراق مقابر مقدسة، وارواح مقدسة، وكهنة وزعماء ورجال سياسة مقدسين، ولكن الحياة فيه مهمشة مهانة..

للعراق صوت مدوي، وفعل خائر خافت.. دواخله كلها حمراء حادة مغلقة ملتهبة، وخوارجه زرقاء خضراء مباحة مفتوحة..

في العراق رجال ملاحدة ومدنيون علمانيون يتقون الله ويخافون انفسهم، يعملون وياملون بضمير الكائن الحر، ينشدون الحرية والكرامة ويبشرون بالامل، وفيه رجال دين كهنة يعبدون الشيطان وينشرون الرعب والدجل والسحر والشعوذة والجهل والتخلف بلا خوف من الله ولا وازع من ضمير، يملأون جيوبهم بالسحت الحرام، ويعفرون جباههم بجراح الابرياء ومعاناة الفقراء وألآم الارامل وحزن اليتامى وصمت الحائرين المتعبين..

في العراق جموع من البسطاء المؤمنين يبايعون الشياطين ويتبعونهم زحفا ومشيا وركضا، رقصا وحزنا، يصفقون لكل من ملك السيف وتحكم بالرقاب، ويبتغون كرامات الابالسة وشفاعاتهم يوم الحساب، وقلة اخرى تبحث عن البشرى وعن صوت الامل، فاذا به ملقى على قوارع الطرق، مختبئا في زوايا الصمت والسكون، خائفا مرتجفا من صولة الباطل وسطوة ابليس..

في العراق رائحة واحدة بطعم موحد ، بخور معتق بالدم والبارود..

في العراق دموع جارية، تلك هي دموع العاشق النادم، الابي المنكسر، الشامخ المحطم..

في العراق شعب واحد، متنوع الاصول موحد، طيب بسيط مسالم متعاون متكاتف كريم شهم غيور، شرير كاره حاقد غاضب معقد، مؤمن كافر، يتسول الحق، ويفرض الجور والظلم..

في العراق نحن، ابناؤه البررة الخائنون، محاربون صامدون مضحون، مهمشون تائهون غائبون صامتون صارخون، حالمون مشاغبون منافقون متقون، ثائرون خانعون، جبابرة خاسرون، كواسر رجافون، منتصرون مهزومون..

شعب العراق، ثائر ابدا، خانع ابدا، ناقم طائع، صادق منافق، محب مانح كاظم جاحد..

ولكن للعراق حاكم اوحد، غبي احمق، زنديق عاهر ، لص فاسد، اجير تابع خانع..

لا تعليقات

اترك رد