قراءة في قراءات (بارت) للفوتوغرافيا – ج2


 

لاشك ان مجال الدعاية والاعلان واسع وتوسع بفعل ما الت اليه تقنيات التواصل والاتصال ،التي تكاد تغطي مجمل مناحي الحياة الترويجية والتسويقية ،وهي مناح ينظر لها كبوابات دلالية، واشارية مكثفة ،هنا يرى (بارت)” لو استثنينا مجال الدعاية، اذ لا يجب ان يكون المعنى واضحاً ومتمايزاً إلا مراعاة لطبيعتها التجارية، مِنْ ثَمَ تكون سيميولوجيا الفوتوغرافيا محدودة بالتجليات الرائعة لبعض رسامي البورترية. بالنسبة للباقي، لكل ما صدر من الصور “الجيدة”، اقصى ما يمكننا قوله ايجابياً حيالها، ان الموضوع ينطق، يَحمِلنا، بشكل مبهم، على التفكير، بل: حتى هذا يمكن ان ينظر اليه كمصدر للخطر،على أقل تقدير، لا يوجد معنى البتة، هذا اكثر يقيناً: فقد رفض محررو مجلة Life صوَر كيرتيز، عند قدومه الى الولايات المتحدة، عام 1937، لأن صوره، قالوا عنها: “تنطق اكثر من اللازم”، تجعلنا نتبصّر، نفترض معنى – معنى آخر غير حرفي. الفوتوغرافيا في الحقيقة انقلابية، ليس عندما تُفزِع، وتُكدّر او حتى توصم بالعار، ولكن حين تُفكر”، واذ نستشف مما اورده (بارت) ماياتي:

– في كل الاحوال ينبغي ان تتسم الصورة الاعلانية المعدة لاغراض تجارية واضحة المعنى،لان المقصد ترويجي بيعي ، وليس لمقصد استمتاعي مشهدي ،على الرغم من ان بعض الصور الاعلانية تكاد ترتقي الى مستوى ابعد من المعنى الدعائي .

– ليس الصورة فقط ذات تجليات سيميائية ،انما مجمل مشاهد الحياة ،وهنا تكون الصورة انعكاسا ليس لما تعطيه تطبيقات البورترية بتجلياته الرائعة فقط ،بل لكل مايحمله من معانٍ ودلالات.

– ليس بالضرورة ان تكون الصورة مباشرة الا في الحالات التي تقتضيها الاهداف ،لكن في مختلف الظروف ،تأتي وهي تحمل معطيات اشارية متنوعة ،لهذا فأن التأويل يمكن ان يكون اكثر فاعلية في كثير من انماط الصور، انها يمكن ان تنطق باكثر مما يراه المتلقي،من جانب اخر ينبغي ان يكون قارىء الصورة ملماً بما تحمله الصورة ،لاسيما تلك التي تمرر شفراتها عبر بنية عميقة ، وهو يحتاج البصيرة والتبصر ومكنة التفكيك .

من جانب اخر يستطرد قائلا:”لا أستطيع ان أعرض صورة حديقة الشتاء، فهي لا توجد الا بالنسبة لي، بالنسبة لكم، لن تكون سوى صورة غير متميّزة، واحدة من آلاف تجليات “المألوف”، لا تستطيع بأي حال ان تشكل الهدف المرئي لعلم ما، لا تستطيع ان تؤسس لموضوعية، بالمعنى الايجابي للمصطلح،على أكثر تقدير قد تَهُم (الستوديوم) الخاص بكم: مرحلة زمنية، ملابس، توليد ضوء، ولكنها لا تنطوي على جُرح بالنسبة لكم”،نعم في هكذا تصور تكون الصورة المرتبطة بحدث شخصي صورة مالوفة مرتبطة بشخص وحدث ، ربما يكون مالوفاً لي ولايكون مألوفا لك ،لكنها مرتبطة بمشاعر زمكانية وحسية ،وبكل ما تحتويه ، لهذا الصورة الشخصية لايمكن ان يستمتع بها غير صاحبها في اغلب الاحوال ،عدا الحالات التي يصور فيها المشاهير، هنا يمكن ان تلقى استجابة من متلق محب ومعجب بتلك الشخصية، بالمقابل فأن مصمم الاغلفة على سبيل المثال ينظر الى الصورة من زاوية اخرى ،تستند الى اغناء الصورة بلاغياً ، فهي ليست مجرد صورة يمكن ان تكون واجهة لغلاف ، بل هي رسالة بصرية موجهة ،هي محملة بمحمولات دلالية مقصودة الارسال ، وهنا لو فككنا غلاف مجلة (newsweek) الامريكية نجد ان الحوارية البصرية ترتكز على موضوع الارض والجفاف الذي يصيبها نتيجة للاحتباس الحراري ، وفقدان موارد المياه ،هو يقول بأن، الارض تعيش هاجس الخوف دون توافر مياه كافية ،لهذا استعار صورة جفاف التربة وتشققها لتكون سمة الكرة الارضية ،هنا غادرت الصورة الارسال البصري المعتاد ليكون للكناية والاستعارة دوراً في تعزيز الدلالة والمعنى ،اي ان الاستبدال الشكلي ادى دوراً في الايصال المباشر،هو واقع مر للكرة الارضية التي تعيش ازمة واضحة ، ولو دققنا النظر لوجدنا ان الجفاف والتشققات والملوحة اصابت ، وربما ستصيب كامل الكرة الارضية في قادم السنوات ، بل ان حدود الدول اختفت الا من بعض ملامح لقارة افريقيا وامريكا ، وهي نظرة سوداوية تحمل الكثير من الاستشراف المستقبلي الذي ينذر بخطر قادم ، هو مزيج من الخوف والترقب ، مع غياب تام للدراسات التنبؤية والاصرار على السير بمنهج تدمير البيئة .

لا تعليقات

اترك رد