الجرأة الوقحة و الفساد


 

في نيسان 2004 و المبعوث الأممي الأخضر الابراهيمي منشغل بالمفاوضات مع الأحزاب و المنظمات و الشخصيات العراقية لتشكيل حكومة تكنوقراط لتسليم السلطة للعراقيين، انتشرت إشاعة بسرعة تفيد بإمكانية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية و بدأت الترشيحات و بدأت معالم لعبة الذاكرة تصبح اكثر وضوحا. اللعبة التي يراهن عليها السياسيون و المرشحون و اننا بسبب الظروف التي مرت و تمر بنا ننسى، و بالتالي ننسى الوعود و التاريخ و ماضي الشخصيات.. شهرئذ أعلن أحدهم ترشحه للمنصب و أقام ندوة تعريفية و قدم نفسه كـ(مناضل) تعب كثيراً في (المنفى) لأجل العراقيين بينما كان في الحقيقة يقضي حكماً في سجن أبو غريب بسبب تزويره لشهادته العليا و كثرة بلاغاته الكيدية ضد عشيرته و زملائه في محاولة للتقرب من النظام السابق. وتم اطلاق سراحه في تبييض السجون (تشرين الاول 2002)، اية جرأة؟ تساءلت حينها مع نفسي و مع صحفيين حضرنا الندوة و استمرت لعبة الذاكرة معنا و استمرت الجرأة الوقحة التي بدأت ترسم ملامح السنوات التي ستأتي جرأة في الكذب و الفساد و (صرف) الوعود التي لا تتحقق و التي أحيانا تشبه كوميديا سوداء، فالمرشح الرئاسي الذي أشير اليه، وعد في تلك الندوة أن يكون لكل عراقي سيارة و سائق، شرط ان يكون السائق عراقياً أيضاً، أي ان نصف العراقيين سيكونون من أصحاب السيارات و النصف الآخر سيعمل لديهم، ربما كان سيلجأ الى القرعة لاختيار صاحب السيارة و سائقه! (جرأة) ستكون موضوعاً ممتازاً لكل من يريد ان يدرس العراق خلال السنوات التي تلت نيسان 2013. (جرأة) تحاول القضاء على المنظومة الاخلاقية و لا يلتفت من (يتميز) بها الى اية حقيقة للوصول الى مبتغاه و لا يلتفت الى اية قيمة او بعضها.. اين اوصلتنا هذه (الجرأة) الوقحة التي (سمحت) لمحكومين و محكومات بالدعارة و التزوير و الرشوة بالترشح في الانتخابات العامة الماضية و الذين نشرت الجهات المختصة اسماءهم و لم يقم أي منهم دعوى ضد هذه الجهات و لو لذر الرماد في العيون.. اي وضع في العراق ساعد على تفشي الفساد و ربما كان بين الفائزين في الانتخابات التي سبقت الاخيرة من لديهم قيود جنائية و تمكنوا من الوصول لعدم دقة الاجراءات مما شجع الاخرين من اصحاب القيود على الجرأة و الاستهانة بكل قيمة ما تزال موجودة او نتخيلها هكذا.. التغيرات التي شهدها العراق بعد نيسان 2003 و تسببت بحمامات الدم المستمرة و بفساد مالي و اداري يفوق الخيال و بعدم الاكتراث بالمواطنين/ الناخبين خاصة يفوق الخيال ايضا، بحاجة الى وقفة جادة لإنقاذ ما تبقى، لابد من وقفة جادة لتوقيف (الجريئين) الوقحين، لابد..
هل ستكون الحرب ضد الفساد تنفيذا لهذه اللابد التي نرددها منذ سنوات خاصة و ان أشهرا معدودة تسبق الانتخابات العامة القادمة؟ على مدى السنوات المريرة التي مضت، صنع العراقيون باصواتهم أثرياء جدد و أمراء حرب و الذين لا يتوانون عن ارتكاب كلما يمكن للاستمرار، طبعا بين هؤلاء بعض نساء الكوتا ايضا..
الحرب ضد الفساد تحتاج وعي الناخب ايضا و ليس جهود السلطات المختصة فقط، هذا الوعي كفيل بعدم إيصال كاذبين/ كاذبات جدد و استمرار كاذبين / كاذبات حالين الى مجلس النواب مرك اخرى، هذا الوعي اولى و اهم الخطوات ، خاصة و ان الحرب الرسمية ضد الفساد ستأخذ وقتا..

المقال السابقدائرة المقدس المخيفة
المقال التالىحافة حرب
نرمين المفتي كاتبة ، مترجمة وصحفية عراقية مرموقة ..عرفناها منذ ان كانت تعمل في" مجلة الف باء" و" جريدة الجمهورية" (البغدادية ) و" جريدة الزوراء " .....بكالوريوس ترجمة -الجامعة المستنصرية ...ودبلوم صحافة من مدرسة الصحافة في بودابست -هنغاريا -المجر سنة 1983 ...بعد الاحتلال اسست جريدة في بغداد " جريدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد