إستمرارية الإختيار عند الفنان سالم الدباغ


 

بعض الآراء تحكي بأن ألفنان – سالم الدباغ – قد غادر الألوان نحو لون موحد. في الحقيقة هو لم يغادر الألوان، وإنما غادر الألوان الحادة الرئيسة نحو الألوان الحيادية، أي أن الألوان الرئيسية الثلاث ألتي تشكل المثلث الهندسي والمتكونة من الأحمر + أصفر + أزرق، ليكونا نظام هندسي (مثلث) يعلو أحدهما في الأعلى ( إلتقاء الخطين الرئيسين) ثم يليهما اللونين في يمين ويسار الخط الأفقي. وعندما نضع مثلث بإتجاه معاكس للمثلث الأول يتشكل وينتج ثلاثة ألوان ثانوية تتوسطهما، وهكذا تستمر التدرجات اللونية نحو آفاق واسعة. تتدخل الألوان الحيادية (الأسود والأبيض) نحو تهدئة الألوان الحارة والباردة وتضيف لها التدرجات الهارمونية نحو عمق واسع من التأمل. ولذلك إذا تفردت الألوان الحيادية بمساحاتها، فإنها تأخذ أعماق واسعة من آفاق التدرج الفضائي، لذلك عندما نرى الأشياء والمكونات القريبة تزداد وضوح ألوانها الصريحة لتؤكد قربها من الناظر، وعندما تبتعد منظوريا نحو خط الأفق لدرجة التلاشي فإن الألوان تميل نحو الألوان الحيادية (الأبيض والأسود). من ذلك نستنتج بأن إختيار ألفنان – سالم الدباغ – لهذا المناخ اللوني، هو ناجم عن رؤيا مرتبطة بخلاصة إندماج الألوان، مثل إندماج الألوان الضوئية السبعة للشمس بلون حيادي واحد هو الأبيض، كما إكتشف ذلك العالم الفيزيائي (نيوتن) ولو تمعنا بإبصار علمي لايوجد لون أبيض يخلو من مداخلة الألوان الأخرى معه، ولايوجد لون أسود لاتوجد ألوان متداخلة معه. ولهذا لم تعد من ضمن الألوان الرئيسة،

وإنما ضمن الألوان الحيادية. وعندما تطغى شكلانية هذه الألوان ألتي أختارها – الدباغ – على الجو العام للعمل، فإن الألوان ألتي يدخلها بحذق. . تثير الإنتباه وتحرك الإثارة عند المشاهد. ولكن توضع هذه الألوان الحارة أو الباردة ليس بطريقة الضربات المفاجئة بالسكين مثلا في أعمال التجريد. وإنما ضمن نظام التدرج ألذي سلكه في ألوانه العامة. هذه التفسيرات ضمن أسسها النظامية المنهجية للألوان، أما في مايخص إنعكاس محتويات التأمل والمخزون في ذاكرة ألفنان المنتج لها، فإنها تعكس أشكال لخيم سوداء داكنة أو تموجات فضائية كونية متدفقة في الحركة وعمقها المنظوري، و في الوقت ذاته يستخدم أشكال متداخلة مع مناخها العام خطوط ثانوية، تشكل مثلثات مستطيلة بحزم الشخوط الرفيعة المتراصة – ليشكل تكملة وتحريك نحو مناخ يستدرج المتأمل نحو تدرجات التوقف شيئا فشيئا، ندركه لاحقا، ولم يدرك في بداية الأمر، أي نعي ما لم يكن أول الأمر بالحسبان، وبعد التأمل، نجد أن هنالك إمتدادات نحو فضاء فنتازي واسع الآفاق والأنشداد .

إنه إقحام ببضعة خطوط متضادة سوداء وبيضاء على رقعة يسود أحدهما، في مناخ فسيح تتنائى أطرافه بإستمرار. هذه الرهافة والتوازن الدقيق والأحجام الدقيقة المسترخية في الملمس والمظهر، تسند أجواء مغايرة في المضمون والحدية في كوامنها, بمعنى أوضح عندما نتأمل آفاق الكون وفضاءه الا نهائي، تنغمر في داخلة مفاجآت العنف والرعد والهزات الأرضية والحركات ألتي تفوق السرعة الضوئية، لذلك نجد إن التلاشي الواسع في التدرج وعدم وجود أشكال صريحة وواضحة معلومة تتعايش معنا، نجد إنها تخفي أمور غمرتها الألوان الحيادية التي ذكرناها بمضامين مختفية في القوة والفعل. إنها أعمال تتكون من أرضية رمادية وهي جزء من الألوان المحايدة، تتدرج بخطوات دقيقة مكونةً كتلة تزداد دكنة غامقة كلما إستمرت في الإمتداد، تبدو على الجانبين ضربات بالأحمر غير الصاخبة بالحدية لا تكاد تُرى.

إنه تكوين يوحي بمشهد طبيعي يبدو غامضاً ومربكاً في البداية، وقد يتضح المشهد كلما عبر خطوات التأمل الاحقة، يتم الكشف عن تفاصيل متعددة الدلالات: هناك مكعب عائم في الفضاء، وربما خيمة على أرضية بيضاء، يتسلل إليها الضوء من فتحة بين القائمتين، شيء من هذا وذاك.، وذلك لأن عوالم – الدباغ – الغامضة، والمخالفة إلى الأنماط المألوفة، تثير الإنتباه بما يجري في مضامينها وبنيتها الشكلية، والكتلة وما يوازيها ويكافئها من فراغ. ألوان يسودها الصمت الشكلي والنطق المخفي، ولكنه صمت غني بالكلمات، وباعث على الأضطراب أحياناً. أستخدم أغلب الألوان الزيتية في أعماله على القماش أو الخشب، إلى جانب أعماله المحفورة المتميزة. وتكويناته حافظت على مفرداتها، وطابعها الساكن، ولم تتعرض لتغيير مختلف يخرج عن نطاق أسلوبه المتعارف عليه، فهي تنمو وتتشكل من الداخل، ولا تفرط ببنائها المختزل المتماسك. لقد إحتوى وإدخر الفنان – سالم الدباغ – أسلوبه وشخصيته من خلال بحثه البصري المتواصل، وتمسكه بما توصل إليه. كما ظل محافظًا على صياغته التجريدية، متطلعاً إلى إختراق أقصى أبعاد الفضاء الخارجي إلى مرحلة البعد إلا نهائي. كانت معايير الإختيار والتفحص يكمن في موازنة الكتلة والفضاء في تكوين أعماله. لأن في مفهوم عناصر ألفن التشكيلي أن الفراغ يساوي الكتلة ويكمل تكوينها. ولا نقصد الفراغ، لأن الفراغ هي المساحة أو الفجوة داخل التكوين أو الكتلة، بينما الفضاء هو المساحة الخارجية ألتي تحيط التكوين وتتنفس من خلالها.

لقد كان هذا الوعي قد تبلور لديه من خلال المناقشات التي كانت تدور بين الطلبة وأساتذتهم في أكاديمية الفنون الجميلة. ومن تلك الإنطلاقة الأولى كان قد توصل إلى معادلة فنية، يرى فيها الكتلة موازية للفضاء، وهو ما ظل يتكرر في أعماله على إمتداد طويل. و هذا ما أشار له: “أستخدم الفراغ كتلةً موازية للكتلة المشغولة في اللوحة، وأنا الآن أمر بمرحلة صعبة، أحاول إيجاد سبيل للخروج منها، وكلما إزدادت لوحتي فراغاً امتلأت بالفراغ”. تبدو في مرحلة التأمل والأمعان أن تفاصيل الكتلة التي يرسمها – الدباغ – أنها مليئة بشفافة عالية برغم مناخها الداكن. بل تبدو أحياناً متدرجة ومتضادة ومتباينة في المتجاورات الشكلية، وتظهر على حافاتها مسالك دقيقة، مما يوحي بأن الشكل قد يكون نسيجاً رقيقاً، وليس كتلة صماء. وهو أمر يوضحه الفنان عندما يؤكد أن عينيه بدأتا تستعيدان خزين مَشاهد من طفولته، وهي مشاهد مليئة بمفردات حياة البادية والمدينة معاً، مثل: خيمة البدو السوداء المنسوجة من وبر الماعز، والمؤثثة بالفرش والبسط الملونة ، إذ أشار : “كنتُ محاطاً بكَمٍّ من السواد…

حتى أحلامي لا أراها إلا بالأبيض والأسود”. تلك الأمور هي نتاجات لخزين من البيئة ألتي ترسخت في الذاكرة، كما يحصل عند تدوين أعمال ألفنان – نوري الراوي – لمدينته راوة، إنها أمور صغيرة كهذه التي ترى في بيئة الفنان تثبت قدرته على إستحضار مخزونه والذي يستطيع في وقت لاحق أن يستحضره من أجل تدوين مراحل إنجازاته الإبداعية. ولقد كان إلى جانب كونه رساماً مختصا ً، فإنه فنان أعمال الحفر والطباعة بجودة عالية، فقد درس فن الجرافيك مع أستاذه “أرتوموفسكي” في أكاديمية الفنون الجميلة، وكانت المرة الأولى التي تدخل فيها هذه المادة في مقررات الدراسة الفنية في العراق. وفي البرتغال، حيث تدرب سنتين على فنون الطباعة والحفر، أبدع فنا خاصا به. يقول عنه رافع الناصري زميله في البرتغال، وزميله في التدريس بمعهد الفنون الجميلة في بغداد: “تتميز أعمال سالم الدباغ الجرافيكية – كما شاهدتها في تجربته في البرتغال، وهي دائماً مطبوعة بالأبيض والأسود – بسطوحها المرهفة عند استخدامه طريقة الحفر الجاف.

فخطوطه الحساسة جدا تميزه عن كثير من الحفَّارين العراقيين، وهي الخطوط التي تتشكل منها الدرجات اللونية والسطوح المتنوعة، ما بين التناغم والتضاد الشديد”.تميَّزَ سالم منذ بداية حياته الفنية بالتمرد على الأساليب التقليدية، وكان واحداً من أعضاء جماعة “المجددين (Innovators)” (تأسست عام ١٩٦٥) التي يتميز أعضاؤها بإستخدام التقنيات الحديثة، والأساليب التجريدية ذات المضامين الفكرية. إنه فنان مقتصد في تكويناته وألوانه إلى حد بعيد، جعله يتمسك بالأساليب التجريدية ذات البعد الرمزي، وكان من أوائل الفنانين العراقيين الذين تدربوا على فنون الحفر والطباعة (printmaking)،

وبرغم قلة إنتاجه لأعمال الحفر، فإن بصمات هذا الفن واضحة على أعماله الزيتية. يقول سالم الدباغ في رسالة شخصية: إنه في طفولته لم يكن يهتم بالرسم، ولكن إنجذاب إلى هذا العالم الكبير من خلال صور لأعمال “فان كوخ”، شاهدها عن طريق الصدفة، فأستوقفته بسحرها، ويقول سالم إنه كان صبياً في السنة الأولى من الدراسة المتوسطة، حين أصبح “فان كوخ “معلمه الأول، ودفعه هذا العشق الكبير إلى مسار جديد لا يعرف إلى أين سيقوده. كان – سالم – مقيماً في مدينة الموصل حين قرر دراسة الفن، فالتحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد عام ١٩٥٨، وهو الصرح التعليمي الوحيد للفنون آنذاك. وبعد أن أنهى دراسته في المعهد التحق بأكاديمية الفنون الجميلة التي كانت قد فتحت أبوابها للدراسة عام ​١٩٦٢، ليصبح من طلاب دورتها الأولى.


وفي معهد الفنون الجميلة – المختبر الأول والأهم للفنانين العراقيين – تتلمذ سالم على يد الأساتذة فائق حسين، وجواد سليم، وخالد الرحال، وإسماعيل الشيخلي، وغيرهم. وحين أنتقل إلى الأكاديمية كان معظم هؤلاء الأساتذة قد أنتقلوا للتدريس فيها. وقد أستعانت الأكاديمية يومئذٍ بخبرات أساتذة أجانب، كان في مقدمتهم البولندي “رومان أرتوموفسكي” الذي أضاف إلى المنهج دراسة فنون الحفر والطباعة,(printmaking) واليوجوسلافي “بوركو لازسكي” الذي عُرف بخبرته في رسوم الجداريات. وكلاهما كان فناناً حداثياً، وكان لهما تأثير بالغ على دفع الطلبة إلى أرتياد آفاق جديدة في طرق التعبير، والخروج عن الُأطر التقليدية.


لقد تميزت حقبة الستينيات في بغداد، منذ مطلعها، بالأحتدام السياسي والثقافي. لقد توجهت نظرة الفنان إلى مشاعره الخاصة، للتعرف إلى ذاته وعدم الإكتفاء بالنظر إلى ما حوله من البيئة الطبيعية أو الإجتماعية، أي أن دعوته كانت لإقامة حوار بين الذات والعالم الخارجي. ومما أسهم أيضاً في زيادة الوعي، وبث الروح الجديدة في الحركة التشكيلية شبه الراكدة آنذاك، عودةُ مجموعة من الفنانين إلى العراق، وذلك بعد أن أكملوا دراساتهم الأكاديمية في معاهد مختلفة من العالم. فقد حملوا معهم أفكارهم وتجاربهم، وحماستهم التي منحت الساحة الفنية حركة، وَأثْرَتها وعياً وعمقاً. لقد كانت هنالك مميزات تجمع بين شباب ستينيات القرن الماضي، على إختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، هو تعطشهم للإرتقاء بالحركة التشكيلية في العراق، والإلتحاق بركب التطور العالمي بخطى مسرعة. تمثَّل ذلك بصورة جلية في الدعوة إلى التمرد على الأساليب التقليدية، والقوالب النمطية. وكانت حرية التعبير والإنطلاق بالخيال تدعوهم إلى أرتياد آفاق الطبيعة غير الملموسة، كالفضاء والأفق والامتدادات غير المتناهية.


فظهرت أعمال تجريبية، تميزت بالتنوع في إستخدام التقنيات الحديثة خاصة “الكولاج”، وإغناء السطح التصويري للوحة بعناصر منحوتة بارزة، أو زخرفية مستمدة من التراث الفني المحلي. في هذه الأجواء كان سالم الدباغ وأقرانه يتلقون تعليمهم في أكاديمية الفنون الجميلة حديثة التأسيس، وكان ذلك المناخ الثقافي والفني ذا فضل عظيم على بلورة شخصياتهم وآرائهم الجديدة. يقول سالم: “في بداية السنة الأخيرة (من الدراسة في الأكاديمية) بدأت تتكون فجوات أشبه ما تكون بصراع الأجيال، وأخذنا نتحمس لكل ما هو جديد ومطروق في العالمين العربي والأوروبي. وكانت هناك تأثيرات من قبل البعض، ودفع الشباب بعضهم بعضاً…


هذا الحوار فيما بيننا وبين أساتذتنا كانت له نتائج. يفصح سالم الدباغ عن الموقف الجديد الذي كان شباب الستينيات من القرن الماضي يلتزمون به، والذي توصلوا إليه بأنه نتج عن: “الإنفتاح على الثقافات العالمية، والنضوج الفكري للإنسان العراقي، بل العربي، وهو يصنع حضارته وفنه بروح ذات ثقة ​عالية بالنفس”كما يؤكد الدباغ أهمية دورالأساتذة الأجانب في تغذية هذه التيارات الجديدة في التوجيه التربوي والفني، فقد فتح ” أرتموفسكي” أمامهم أبواباً واسعة جديدة، بل “لعله كان يغذي طموحاتنا,على حد تعبيره. كان “أرتموفسكي” رساماً وحفَّاراً ذا أسلوب تجريدي، يستمد أفكاره وموضوعاته من الطبيعة والواقع المحيط به، وهو يهتم كثيراً بالضوء والأفق والسماء والأرض. وكان سالم الدباغ من أكثر المتأثرين أساتذته، ورسم أول لوحة تجريدية عندما كان طالباً في الأكاديمية. يقول سالم: “كانت الطبيعة مصدر إلهامي في تلك الفترة”.

وفي العرض الأول لجماعة “المجددين” في بغداد ١٩٦٥، عرض سالم الدباغ لوحات بدت جريئة في تجريدها اللاشكلي، أو شبه الهندسي. لقد منح الفنان – سالم الدباغ – منذ بداياته الفنية الأولى، أهتماماً كبيراً لمسألة الكتلة والفراغ في تكوين أعماله. وكان هذا الوعي قد تبلور لديه من خلال المناقشات التي كانت تدور بين الطلبة وأساتذتهم في أكاديمية الفنون الجميلة. ومن تلك الإنطلاقة الأولى كان قد توصل إلى معادلة فنية، يرى فيها الكتلة موازية لمساحة الفضاء المكمل للتكوين الفني، وهو ما ظل يتكرر في أعماله على أمتداد الزمن. من خلال الفضاء الفارغ والمفردات المختز​لة شكلاً ولوناً في اللوحة, يمتلك سالم الدباغ مطلق حريته في التعبير، عما لا يقال ولا يرى. فهو يعبر عن كل شيء في اللاشيء، أو بعض الشيء.

ويتمعن رويدا المرء أمام لوحته بقدر ما ينجذب إليها، ربما لغموضها، أو لقدرتها الخارقة على أمتلاك فضول المشاهد، وأهتمامه بأدائها المتقن، وخطوطها الأخاذة. فلوحة الدباغ مليئة بالأسئلة، وهي تدعو المشاهد إلى سبر أغوارها، والكشف عن أسرارها، وفضِّ مكنون صمتها وسكونها، حتى في الظروف الساخنة الضارية التي عاشها، ويعيشها العراق. في المرحلة الدراسية كغيره من الفنانين ونحن منهم هنالك تأثير ممهد إلى المراحل الدراسية الاحقة، إنه تأثر بمدارس متنوعة أكاديمية وإنطباعية وتجريدية معاصرة. حيث أختار سالم ألفنان – الدباغ – رسوم الإيطالي(مودلياني) مجالا لتأثره الدراسي. أما في ما بعد هنالك فنانين من سلكو إختيار اللون الداكن المنفرد منهم الهندي البريطاني (إنيش كابور) ألذي إختار اللون الأسود ثقبا, أو نفقا يقود للمجهول.

وإن كانت تقليلية كابور ثقبا أرضيا, فهي عند – سالم – ثقب السماء بكثافة طبقاتها الإفتراضية. تتعانق مع تأثيراتها العاطفية والوجدانية الخاصة. إلى جانب كونه رساماً، فإن سالم الدباغ فنان أعمال الحفر والطباعة بشكل قدير، فقد درس فن الجرافيك مع أستاذه “أرتوموفسكي” في أكاديمية الفنون الجميلة، وكانت المرة الأولى التي تدخل فيها هذه المادة في مقررات الدراسة الفنية في العراق. وفي البرتغال، حيث تدرب سنتين على فنون الطباعة والحفر، أبدع فنا خاصا به. يقول عنه رافع الناصري زميله في البرتغال، وزميله في التدريس بمعهد الفنون الجميلة في بغداد: “تتميز أعمال سالم الدباغ الجرافيكية – كما شاهدتها في تجربته في البرتغال، وهي دائماً مطبوعة بالأبيض والأسود – بسطوحها المرهفة عند أستخدامه طريقة الحفر الجاف. فخطوطه الحساسة جدا تميزه عن كثير من الحفَّارين العراقيين، وهي الخطوط التي تتشكل منها الدرجات اللونية والسطوح المتنوعة، ما بين التناغم والتضاد الشديد”.

سالم الدباغ، الرسام والفنان الجرافيكي المعروف، هو من جيل الفنانين الذين أثروا تطوّر حركات الفن الحديث في العراق منذ منتصف الستينيات. ولد سنة 1941 ونشأ في الموصل، وقد أنمى ذلك لدى الدباغ حباً لتقاليد مسقط رأسه، حب تحوّل بسرعة إلى نشاط ثقافي. درس الدباغ من 1958 إلى 1961 في معهد الفنون الجميلة في بغداد، حيث تدرّب على أيدي فنانين عراقيين حداثيين​ مرموقين، منهم جواد سليم وفائق حسن وإسماعيل الشيخلي وخالد الرحال. بعد حصوله على شهادة الرسم من المعهد، تابع الدباغ تحصيله الفني في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد من عام 1961 إلى 1965 حيث كان من أعضاء دفعة التخرج الأولى. كانت هذه الأكاديمية تضم فنانين حداثيين هما رومان ارتموفسكي من بولندا الذي كان يدرس الحفر والطباعة الفنية، وبوركو لازسكي من يوغوسلافيا، المعروف بلوحاته الجدارية. على الرغم من تدرّبه على التقنيات الفنية الكلاسيكية والواقعية البحتة، تجلت رغبة الدباغ وعدد من زملائه الطلاب في محاولات أولية جريئة لتجريب التراكيب شبه الهندسية والتجريد الفني.

شارك
المقال السابقسبل مواجهة الارهاب
المقال التالىالتسوية بين بغداد واربيل الى أين ؟

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد