دائرة المقدس المخيفة


 

دائرة المقدس المخيفة
محاولة لثقب الدائرة اللاهوتية المغلقة

تتخذ الافكار أشكالا هندسية في سياقها المعرفي، مثلا، يمكن توصيف العلم بأنه عمودي بينما المعرفة أفقية، لأنّ العلم مفهوم كلّي ينطبق تماما على جميع مصاديقه ، الكيمياء علم والكيميائي عالم حتى لو كان لا يملك أي معرفة بالهندسة الإليكترونية أو جراحة القلب والشرايين وهكذا، بينما المعرفة لا تتوقف عند حدود فهي مفهوم ( كل ) يدل جزؤه على جزء ، معناه مثل علاقة اليد أو القدم بالجسم ، لا يمكن ان تسمى اليدُ جسما وان كانت جزءأ أساسيا منه.

لماذا الدائرة المغلقة:

الدائرة هي الشكل الهندسي الذي ينتهي حيث بدأ، واللاهوت الديني يبدأ من الايمان بالغيب ثم يستخدم العقل والعلم بحدود تلك الدائرة، ثم ينتهي عند نقطة البداية وهي الأيمان بالغيب.

بهذا المقدار الموضوع طبيعي كما يبدو، ولا يستدعي الخوف، وهذا صحيح لو كان التفكير الديني يقتصر على البعد الروحي وتكريس القيم الاخلاقية والتكافلية والتضامنية في المجتمع؛ لكن حين يقدّم رجال الدين والمتدينون معهم التفكير الديني بوصفه إطاراً فكريا قبالة التفكير النقدي العلمي والمعرفي على السواء، فان هذا يستلزم التوقف والمناقشة الجادة.

يبدأ التفكير النقدي من الشك بحثا عن المعرفة، ويبدأ التفكيرُ العلمي من الجهل بحثا عن حلول أو معالجات أو العلم، بينما يبدأ التفكير الديني من اليقين والإيمان بحثا عن ادلة تعزز ذلك الايمان أو الاعتقاد، وهنا أود وضع صور مبسطة لتقريب الفكرة.

التفكير النقدي يشبه مناقشة مهندس لخارطة بناء، ناظر نقاط الضعف والقوة فيها ومدى تلبيتها للهدف الذي أعدت من أجله، بينما التفكير العلمي هو مثل معمار وجد بناء فيه أخطاء وبدأ يبحث عن أفضل المعالجات بعد وضع تشخيص دقيق للمشكلات، أما التفكير الديني فانه مثل شخص ورث البناء عن أجداده مع تراث من التمجيد كتبه أدباء وشعراء وكتاب في فضائل هذا البناء واصحابه، فاخذ الوريث يجادل المهندس والمعمار حول ملاحظاتهم معتبراً إياها غير صحيحة مستندا لقصائد الشعراء وكلمات المداحين والادباء!

الحق أنّ الشخص الذي ورث البناء عن أجداده لا يهمه الصح والخطا اذا كان يقدس البعد الرمزي والمعنوي، كما ينقل عن مجنون ليلى قوله:

أمرّ على الديار، ديار ليلى
أُقبل ذَا الجدار ، وَذَا الجدارا
ما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا!

وهذا أصدق تعامل مع المقدس، لان المقدس لا يستند الى الصح والخطا والعلم والمنطق، قدر استناده لمنطق خاص دائري ذاتي وجداني رمزي، يسهم في توفير الطمأنينة الروحية والسكينة النفسية بأزاء الأسئلة الوجودية الكبرى.

حضور العقل والعلم في الدين:

بقي أن نبين بشكل دقيق حضور العقل والعلم في التفكير الديني، والذي يتسبب في تعقيد الحوار المعرفي والعلمي مع المتدينين.

يعد المشرع الاسلامي العقل رابع مصادر التشريع الاساسية في الاسلام، ويعد التسلسل قانونا حاكما في تراتبية التفكير الاسلامي:

١- الكتاب: يقصد القران الكريم.
٢- السنة: يقصد المأثور عن النبي محمد قولا وفعلا وتقريرا، يزيد الشيعة عليه قول وفعل وتقرير الائمة المعصومين الاثني عشر.
٣- الاجماع: ويقصد اجماع المشرعة والفقهاء على حكم معين، ولا خلاف بينهم في الاجماع المستحصل، وان وقع الخلاف في الاجماع المنقول.
٤- العقل: ويقصد بالعقل المستند لقواعد التفكير الشرعي وليس العقل المستقل.

التقديس والتفكير:

التقديس يعتمل في نفس الإنسان ليضفي تفاعلا وجدانياً روحيا يرفع المقدس عن المنطقة المفكرة الناقدة عند الإنسان، فلا يمكن أن نتخيل انسانا ينتقد شيئا وهو يقدسّه في الزمن والموضوع ذاته في آن معاً.

نقد شيء ما يعني بالضرورة الاحاطة به وإدراكه إدراكا تاما، وهذا ينافي عقيدة الايمان بالمطلق والغيب والذات الالهية وحكمتها، يقول الامام علي (ع)في احدى الخطب المنسوبة له في نهج البلاغة( الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الخَلائِق بـقُدْرَتِهَ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.

أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ،وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، [وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ، ]وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَة، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالاْلةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ.…) هذا المقطع من خطبة متميزة ومهمة جدا للامام علي (ع) ليس في قيمتها اللغوية والفكرية فحسب، بل لانها تكشف بشكل جلي التفكير اللاهوتي الدائري، حيث يعتمد التفكير الديني على استخدام العقل والتفكير ولا يسمح له بالتفكير الحر، لا بالشكل العمودي ولا الافقي، فالواضح في الخطبة وجود اشتباك بين الذات الالهية وبين الدين دون تحديد منهجية واضحة لهذا التوحّد، ثم نفي قدرة العقل على ادراك (الدين) واثبات امكانية معرفته، رغم ان الغوص متعسر على الفطن، والادراك محال على بعد الهمم، ثم ان هذه المعرفة اخلاقية (وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ) وليست نقدية، ترتبط بالضمير الروحي من سكّونٍ وطمئنينةٍ تنتج اعتقادا ولاهوتا ( وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ ).

التفكير النقدي يختلف جوهريا بشكل كلي عن التفكير الديني، لانه تفكير منتج للمعرفة بينما التفكير الديني مستهلك للمعرفة، التفكير النقدي يتعامل مع المعرفة بوصفها مكوناً مختبريا للتحليل والابتكار والتطوير، بينما الدين يقدم المعرفة بوصفها موضوعا اخلاقيا وروحيا ينتج التصديق واليقين والطمأنينة.

ما هي خطورة الدائرة اللاهوتية المغلقة:

خطورة الدائرة اللاهوتية المغلقة، ان العقل الديني مفكرٌ ومتعاطٍ مع المعرفة بما يشبه العقل العلمي والعقل المعرفي شكلا، ما يجعل المتدين يشتبه في كون ما عنده فكر بالمعنى الحقيقي ومعارفه علو ما بالمعنى المنهجي، وهذا غير دقيق وان كان صحيحا على نحو الاجمال، لان العلوم الدينية مثل علم الكلام واصول الفقه وعلم الحديث والتفسير والتاويل والفلسفة الدينية جميعها علومٌ بهذا المعنى، ولكنها ليست علوماً بالمعنى الدقيق والمنهجي، لانها فاقدة لأهم عناصرها وهي الإنفتاح على المجال النقدي العام، وأستطيع انْ اشبّه العلوم الدينية مثل جهاز كومبيوتر غير مرتبط بالانترنت، فهو (كومبيوتر غبي) كما يقال لدى المختصين، لانه غير مرتبط بالعقل العالمي المفتوح.

من الاثار الاجتماعية للدائرة اللاهوتية المغلقة انها انتجت تعاملا مشوها مع منتجات الحضارة الانسانية، مثل الديمقراطية حيث يقبلها الاسلاميون والدينيون كآلية للوصول للحكم، ويرفضونها كمنهج واسلوب حياة، وكذلك استخدام الانترنت وحظر بعض محركاته، او استيراد الادوية وتحريم الابحاث التي انتجتها!

الفرد المسلم متورط بالتدين المتوحد بالايمان، لانه لا يقبل التنازل عن القيم الاخلاقية والروحية الراقية والنبيلة في الدين، وهذا صحيح جدا، لكنه لا يعلم أنّ الإيمان والاخلاق والقيم الراقية ليست مفردات دينية اطلاقا، وأنّ الانسان توصل الى اهمية هذه الامور وطورها كثيرا وبشكل افضل، خارج دائرة التفكير الديني المغلقة.

الدائرة اللاهوتية المغلقة تجعل الانسان يقدس الموروث الديني ويعتقد به بغض النظر عن مراجعته نقديا بشكل حر، وتجربتي الشخصية لاحظت ان الغالبية العظمى من المسلمين يجرمون داعش والجماعات الجهادية الارهابية، لكنهم يدافعون باصرار وتعصب عن النصوص التي تبرر الجرائم الفظيعة والانتهاكات اللا اخلاقية التي تمارسها هذه الجماعات المجرمة، معتمدين على تبريرات غريبة تربط تلك النصوص بزمان او مكان او مجموعة اجتماعية محددة!

وهذه النقطة بالذات ممكن ان توفر الاجابة على السؤال الذي يؤرق دوائر الامن القومي واجهزة مكافحة الارهاب في العالم اليوم، وهو كيف يتسنى للجماعات الارهابية تجنيد شباب ذوو سلوك طبيعي وتحويلهم لارهابيين خلال اسبوعين فقط عبر الانترنت؟!

الجواب المعقد والبسيط جدا، ان هؤلاء الشباب نشأوا وتربوا على تقديس ( الدائرة اللاهوتية المغلقة ) من دون ادراك اوجه التمايز بين التفكير الديني والتفكير النقدي، لذا فان اسبوعين وقت كاف لاستدعاء الموروث المقدس المخزون في اللاوعي، واستنطاقه بواسطة (العقل المستخدم) ليقدم نتائج تبدو منطقية للغاية، ومن هذا المدخل يتم تعبئته وفق برامج مدروسة ومحكمة ليتحول الى جندي في جيش الله، وهي تجارة لن تبور كما في القران ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 10، 11]

لا تعليقات

اترك رد