صوتُ جدّتي


 
لوحة للفنانة شكران بلال

حينَ تركتُ بلدتي
أغمضتُ عينيّ لكي
اُبقي على صورتِها في خاطري
آخرَ ما رأيتُ كانَ سوقُ بلدتي
و البحرُ و القاربُ و الفنارْ
آخرَ ما سمعْتُ كانَ صوتُ جَدّتي
“عُدْ قبلَ أن ينتصفَ النهارْ !
و ابتعْ لنا من متجرِ العطارْ
زيتاً و جبناً و دقيقاً
و اقصد محلَ بائعِ الدخانْ
أريدُ كبريتاً و علبتَيْ دخانْ
فقد أضعتُ عُلبتي
أرهقنَي ياولدي النسيانْ “
ثمّ بصوتٍ متعبٍ
“عدْ قبلَ أن ينتصفَ النهارْ
ليأكلَ الصغارْ
فلَمْ يذوقوا منذُ امسِ شيئا “
كانتْ يدِي في جيبيَ المثقوبْ

ووقعُ اقدامي يقودُ حيرتي
الى البحرِ ، الى مرافئِ الفرارْ
و كان صوتُ جدّتي يذوبْ
شيئاً فشيئاً قَبلَ ان يغيبْ
في جلبة السوقِ و ضجّةِ الصّبيان
كانت يدي تبحثُ في بطانةِ الجيوبْ
عن خاتمٍ كنتُ قد اشتريتُهُ
من عملي في ورشةِ النجّارْ
لصاحبِ المركبِ كي يقلّني
للضفةِ الأخرى التي رأيتُها
في ” أطلسِ البلدانِ ” في مدرستي
رسمتُها في دفترٍ فقدتُهُ
يومَ تركتُ رَحلتي
الى ورشةِ جارِنا النجّارْ
ولمْ أعُدْ لِرَحلتي
إحدودبتْ طفولتي في ورشةِ النجّارْ
و لَمْ أعُدْ لِرَحلتي
و ابتَعَدَ الفَنارْ
شيئاً فشيئاً في المَدى
يبتعدُ الفَنارْ
و انتصفَ النهارْ
ولَمْ اعُدْ لِجَدّتي
و جَدّتي و الكُلّ بانتظارْ .
وخيّمَ الغُروبْ
على دَكّةِ بيتِنا الطيني
على بيوتِ بَلدتي
و لَمْ أعُدْ لجدتي
و مَرّ –لا اذكرُ كمْ – مِن الزمان
تفصِلُني عن جدتي بِحارْ
ترى هل أكلَ الصغارْ ؟
هلْ وجدَتْ كبريتَها و علبَةَ الدُخانْ ؟
وهل ما زالَ في بلدَتِنا
ميناءُ بحرٍ ساحِرٍ لَعوبْ
يُغري المراهقينَ بالهروبْ
ليطعمَ الأسماكَ من أكتافِهِمْ
و الموجَ و الحيتانَ و المَحارْ ؟

شارك
المقال السابقالتسوية بين بغداد واربيل الى أين ؟
المقال التالىالقبيسيات

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد