و قالت العرافة


 

قادتني عيناي إليها بالصدفة .. كنا نستقل الحافلة انا وصديقتي حين رأيتها متموضعة بجانب أحد المواقف وحولها سيدتان بيد إحداهما طفل صغير ..
قلت لصديقتي سأنزل هنا ..
قالت متعجبة ليست محطتنا .. ؟!
قلت سأهبط هنا وأتابع سيرا .. تعالي معي
هبطنا وصوتها يسبق خطواتنا متذمرة .. ستقودينني يوما إلى الهاوية وسأتبعك بطيب خاطر …
ضحكت منها .. قلت أليس قدرنا بواحد .. تعالي لنتأكد أكثر .. لم تكن تعرف لما أنزلتها قبل محطتنا وإلي أين اقودها ..؟
بضعة خطوات أصبحنا نقف وظلنا ينعكس عليها ..
صرخت صديقتي تبا لك كيف التقطتها ..
قلت لا أدري .. ربما لأنني أحب اللقاء بهن ومصادفتهن والإستماع لهن بشغف دوما ..
جالسة على الأرض .. بثياب متوسطة العمر .. وعلى رأسها شال فضي .. يخبىء الكثير من الأسرار والذكاء تحته .. وفي يديها الكثير من الأساور الفضية .. وخاتمان يحتلان مساحة كبيرة من أصابعها .. كل مافيها يوحي بأنها من الغجر ..
أمامها قارورة ماء وكيس صغير ممتلىء بالرمل .. ووعاء أو كما نسميه طاسة معدنية من مادة الكروم تلمع تحت نور الشمس ..
كانت ببساطة .. عرافة تقرأ الطالع بالرمل ..
بشوق لمعرفة القادم ألقيت عليها التحية ..
ردت بابتسامة من حصل على صيد ثمين .. واضح شغفي باللحظة مرتسما على وجهي كان ..
قلت أقرأي لي طالعي ..
تأملتني طويلا وقالت :
ألم تعرفي طالعك بعد .. ؟!
قلت انتظر الجديد والمزيد دوما ..
أشارت لحافظة صغيرة على الأرض .. كي أضع فيها المال .. فعلت بينما هي تمزج الرمل بالماء في الوعاء وتتأمل حركتي ..
وحين رسم الرمل نفسه بالوعاء بدأت الحديث .. قائلة :
كيف تدبرين أمورك وسط هؤلاء الرجال .. و تضحكين .. بائسة من لاتملك قلبا حنونا تتكىء عليه دمعتها ..
قلت في نفسي وماأفعل وماذنبي في ذلك .. إن تذكرني الله بالبنين دون البنات ..؟
تابعت .. يتقاسمون رغيف حبك حتى أخر لقمة فيه .. ويغادرون .. فالطيور تهوى التجوال ..
قلت في نفسي .. آه لو تعلمين .. كل نبض منهم تحت نجمة ما ..
وقلبي يلهث خلفهم دوما ..
تبدين سعيدة تابعت .. كل من حولك يراك هكذا .. وماعلموا أن الضحكة التي يسمع صداها في مدخل البيت ويتشاركها الجميع معك .. هي ذاتها الدمعة التي تحفر عميقا في الوجدان .. دون مشاركة من أحد ..
رددت .. الألم لصاحبه فقط .. ألم تخبرك الأيام ذلك ..
سألتني مابرجك .. ؟
ضحكت قلت أنت من يجب أن تخبرني ..
قالت تحملين صفات ذاك الكائن .. تتقوقعين حين الألم
طالعتها و أنا مندهشة من كلماتها .. وروحي تردد ..
أكره ذلك .. لكني كثيرا ماأفعله .. حين يتجاوزني الألم بمراحل .. اكون كالسرطان ..
قالت مغرورة أنت ..
هنا ضحكت صديقتي بصوت عال .. قالت : نعم والله .. لايعجبها العجب .. وكل من يراها للمرة الأولى .. يقول ذات الكلام .. ويتراجعون بسرعة حين يعرفونها عن قرب … نهرتها بضحكة .. إذا قولي متطلبة ولست بمغرورة ..
تابعت العرافة .. لاتتعبي قلبك .. سيبقى وحيدا .. لاتملكين تغيير قدرك مهما فعلت .. هو أكبر من أن يتسع لأحدهم .. و أضعف من أن يحتمل حتى تأثير الظلال ..
و منحة الله باقية .. متجددة .. اللون الأحمر رداؤها … لاتعرف السكينة ولاتغفو أبدا .. مثلك تماما .. احذريها دوما .. فعمرك طويل ..
غيرت ملامحي بكلماتها الأخيرة .. ردت صديقتي قائلة فال الله أفضل من فالك ..
جرتني من يدي .. لاتصدقيها .. تعرفين كذب العرافات ..
قلت أعرف كذبهن كما أعرف صدق واقعي أيضا ..
ولن أتوقف عن هوايتي هذه بمتابعتهن ..
أحيانا ننشد الأمل حتى عند من ندرك أن الكذب عمل ووسيلة حياة يعيشونها .. وخبز يقتاتون عليه ..

لا تعليقات

اترك رد