الانطولوجية والحداثة


 
فتاة الجزائر للفنان بيكاسو
فتاة الجزائر للفنان بيكاسو

من المعروف ان الحداثة بكل مدارسها قد ارتبطت بالمراحل المتقدمة من المجتمع البرجوازي مع بلوغ الرأسمالية مراحل متقدمة في التصنيع واعتمادا على ارث التنوير( العقلنة ، الحرية الانسانية ، والصرامة المنطقية) فقد بنيت الحداثة بكل مدارسها على اساس انطولوجية ثابتة تماما كثبات الفكرة القومية في ذلك الوقت . ونتج عن هذا الالتقاء (الحداثة والقوميات الاوربية والثبات الانطولوجي) ما عرف لاحقا بالنزعة المركزية الاوربية.

وبعد هذا الحسم الانطولوجي انطلقت الاسئلة الابستمولوجية للحداثة مكونة ما يعرف بالأنساق الفكرية الكبرى والحكايات الكبرى على اساس ان من الممكن تفسير جمع كبير من الحقائق والمجالات الحياتية والفكرية والروحية بنظرية مركزية جامعة (انطولوجية) وهذا ما يجعل (ابسالوم ، ابسالوم) تتجاوز افق الحداثة . اذ عادت بقوة لتطرح اسئلة وجودية انطولوجية بعد شك ابستمولوجي عميق متصاعد ويوازي ذلك شك ابستمولوجي وأسلوبي متصاعد في كل من الحركة الفنية (الانطباعية ، التكعيبية، السريالية والعلمية ) اسهامات بور وسرودنغر وهيز تبرغ وغيرهم.

ان فشل مشروع الحداثة اثر الحربين العالميتين ولعدم قدرتها على لجم وحشية الرأسمالية قد فع الغرب الى محاولة ارتياد افاق جديدة والى التشكك في كل قيم الحداثة الفن الراقي النظريات الكبرى ،تقديس الحريات الانسانية (بالنسبة للغربي) العملية المفرطة . والمفيد هنا التذكير بعبارة وردت في رواية (الشك) لكولن ولسون (( صحراء شاسعة من الحرية)) وذلك اثر( تحرر العقل من اسر العادة والحواس). ان هذه الحرية مرعية دون هدف ، وكذا الشك دون بديل.

وهذا هو احد اسباب اندفاع حركات الرفض التي اجتاحت الغرب منذ اواخر الخمسينات وحتى السبعينات . بدا من (الروك اند رول) وحتى (الهيبز) وثورات الطلبة . ان هذا الشك في الحرية اضافة الى فقدان المعنى نتج عن مكننة الحياة في الغرب وتعاظم سيطرة الموضوعي اليات المجتمع الصناعي مقابل تراجع الذاتي (الحرية الحقيقية) ونتج عن ذلك كله فكرة موت الادب والأديب في ما بعد الحداثة . كما هو موت مبدع التاريخ عن فوكو.

ولعل التراجع الكبير للحداثة في ستينات القرن العشرين يعود الى التغيرات التي بدأت تطول قاعدتها الاجتماعية اذ بدأت تركيبة المجتمع بالغير السريع اثر انتقال راس المال الى مراحل استغلال جديدة تتجاوز ادوات الكولونيالية البالية ومن

الواضح ان راس المال كان دائما مرتبطا بالفكرة القومية التي كان يعتبرها مريعة. مما كان يوازي ويعزز فكرة الانساق الكبرى . ومنذ منتصف الستينات كانت ادارة راس المال تنتقل بهدوء وبدون ضجة الى ايدي محترفي الادارة (التكنوقراط) ليجلس اصحاب رؤوس الاموال في استرخاء ويقبضوا ارباحهم ومع انكسار الارتباط بين راس المال وأصحابه (البرجوازيين) انكسر ارتباطه بالقومية ، مما ساعد على انطلاقه من كل عقال يسرح ويمرح عالميا مدشنا ما سيعرف لاحقا عضويا بالقومية وسقوط الحداثة معها . ان مجتمع ما بعد الصناعي الجديد كان يتبرأ من الحداثة فعليا منذ الخمسينات.

لا تعليقات

اترك رد