الفن والسياسة : من المعاصرة إلى الشارع


 

المعاصرة أو الخروج من معطف جوزيف بويز:

هل فعلا الفن المعاصر خرج من معطف جوزيف بويز Joseph Beuys (1921-1986)؟ من معطفه الذي ارتداه وهو يقوم بأداء عرضه الفني بمدينة نيويورك الأمريكية (سنة 1974)، أم أن الفن خرج أول ما خرج مع دولاب ومبولة مارسيل ديشامب M. Duchamp؟ أو لعل بداياته الفعلية من أصحاب “الفن واللغة”؟ هؤلاء الذين تقدمهم جوزيف كوزيت Kosuth بكراسيه الثلاث (الخشبي والمصوَّر واللغوي).

بين كل هذا وذاك فقد شكل الثلث الأخير من القرن الماضي مفترقا أساسيا في بلورت الفن المعاصر، الذي استمد فلسفته من الفلسفات ما بعد الحداثية. الفن المعاصر الذي خرج إلى الشارع حاملا معه مفاهيمه ولغته وآثاره وصوره… الشارع الذي سيجعله مسرحا لعرض تصورات الفنانين الجدد، الذين جاؤوا قاطعين مع كل حمولات وعباءات وسرديات الحداثة الكبرى.

لقد أسست هذه الثورة الفنية التي انبثق منها ومعها الفن المعاصر، لعدة فنون جديدة، قوبلت بالرفض من قبل مجموعات كبيرة من الفنانين ودور العرض وغيرها. إلا أن عجلة الفن لا تنفك تتغير وتتبدل وتتطور؛ إذ بعد عقود قليلة سيجد فنانو الفن المعاصر متسعا كبيرا وإقبالا منقطع النظير، ساهمت فيه دور العرض الجديدة والمؤسسات الرأسمالية الكبرى والمتاحف المعاصرة، بالإضافة إلى وسائل الإعلام لما لها من قوة في حشد الجماهير، هذا وقد شكل مجموعة من النقاد الذين جاؤوا من حقول عدة أهمها السوسيولوجية والفلسفية، من بلورت هذا الفن ووضعه موضع تساؤلات ساهمت في تطويره. فقد جاء فنانو الفن المعاصر حاملين أفكارا معاصرة ضد المفاهيم التقليدية والتقليدانية للفن ووسائل التعبير عنه، وذلك تكريسا لرؤية جديدة للواقع.

هذه الرؤية التي تسعى إلى إعادة تأويل وتفسير الواقع وفق قناعة الفنان وميوله الفني. هذا ما سيشكل نوعا من الاصطدام الفني والسياسي، خاصة في المعسكر الغربي ومن والاه. إذ سيظل الاتحاد السوفياتي إلى حدود سقوطه، خانقا للفنان باعتباره “أداة تعبيرية سياسية” بيد رجال السلطة وإيديولوجياتهم. فقد سعت فنون غربية عدة، من بينها الفلوكسس Fluxus إلى الانعتاق من سطوة الكبت الجسدي واللاهوتي والعقلي والسياسي، والتعبير عن الفوضى والعبث كفلسفة ما بعد الحرب العالمية، ورفض الحواجز بين

الفن والحياة. هذا الانعتاق الذي قاده جوزيف بويز ومن معه، خلق فنونا عدة أخرى من الحدوثة Happening وفنون الأداء وغرها… وذلك في مسعى للسخرية من الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن.

لقد ساهمت مجموعة من الأحداث السياسية الكبرى التي شهدها العالم في العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي؛ من حرب الفيتنام والحرب الباردة، انتشار الأسلحة النووية، والتوسع الرأسمالي، والتغيرات الجيوسياسية التي عرفتها الخريطة العالمية، خاصة بعد سقوط جدار برلين؛… في إبراز فنانين مهتمين بالحدث السياسي وآثاره، ما جعل مجموعة من الفنانين يدخلون في صدامات مع القوى السياسية… إلى حد اعتراض الفيلسوف الفرنسي ما بعد الحداثي فوكو على جل الأنظمة، لا لأسباب أخلاقية. بل لأنها ببساطة أنظمة -وفقاً لوجهة تحررية- قمعية في حدّ ذاتها. وقد ساهم الفنان جوزيف بويز، على سبيل الذكر، باعتباره أحد الأسماء الأساسية في تطوير وإبراز الفن المعاصر، في عدة توجهات سياسية تسعى إلى الدخول في مشاحنات مع القوى الحاكمةـ، من أجل خلخلت تلك السلطة أو الدعوة إلى السماح بالمزيد من حريات الإبداع في مختلف مجالات الحياة… والمطالبة بالمساواة في التعليم وبين الجنسين وغيرها…

· الانزياح:

هذا ما سيجد آفاقَ طرحٍ واسعة مع فنانين الشارع، والفن الشعبي. فقد سعى الفنان المعاصر إلى الانزياح بعيدا عن أي التزام سياسي، وهذا أمر لا يختلف فيه ناقدان، هذا الانزياح لم يبتغي الهروب من الأطاريح السياسية المتعلقة بالإنسان وحياته اليومية، فقد عمد الفنان المعاصر إلى الانطلاق من اليومي والمهمش والهامشي والعابر لبناء أعماله الفنية. إذ أن فلسفات ما بعد الحداثة أزالت عنها غبار أساطير الحداثة بعودتها إلى اليومي بعيدا عن أية عباءات ثقيلة تثقل الحداثة.

من كل هذا اليومي والزائل والعابر والهش والشفاف، يحضر الإنسان بتوصيفه “إنسان مفرط في إنسانية” بالمعنى النيتشاوي. ومن هذا اليومي المتعلق بالضرورة بالتغيرات السياسية والاجتماعية والقضايا الأخلاقية والدينية والاستهلاكية والإعلامية، ينطلق الفنان المعاصر في تشييده لمنحوتاته وإنشاءاته الفنية أو تركيب ملصقاته الرقمية أو أعماله السيريغرافية وعروضه الأدائية…

· الفن والسياسة: الالتزام السياسي.. ولكن !

مع الفن المعاصر، صار هذا الفنان أكثر التزاما بالقضايا السياسية بشكل أكبر من الماضي، لأنه لم يعد مجبرا على نقل الطبيعة وتصويرها، بل إنه إن يعتمد على التصويرية الحكائية أو التشخيصية أو الفوتوغرافية وغيرها والأساليب الشبه تجريدية وواقعية مفرطة وغيرها، فغاية لطرح قضاياه اليومية من خلال طرح تشكيلي فني، لا يبتغي المباشرة قدر الدهشة. لهذا نجد فنانين غربيين معاصرين جعلوا من القضايا السياسية أرضا يستندون عليها في أطاريحهم التشكيلية. من هنا نستحضر لوحة بيكاسو الشهيرة

غيرنيكا (1937)، ومينجون يو Yue Minjun الفنان الصيني (1962- فنان معاصر) الذي يعتمد في أعماله على أطاريح سياسية في الغالب، عبر أسلوب التهكم والسخرية عبر رسومات شبه تجريدية وتشخيصية. وفنان الشارع بانكسي Banksy (اسم مستعار) الذي اشتغل حول مواضيع سياسية أهمها حرب نيبالم وقنابل أمريكا الحارقة، بالإضافة إلى قضايا اجتماعية متعلقة بالجنس (مثل الخيانة الزوجية). ولويس غوميز Luis Gomez الذي يتهكم في السياسات الأمريكية عبر منتجاته الفنية التي تجمع بين الماركات الاستهلاكية والرموز الدينية والسياسية. وباتريك ماكغرات الذي يعالج أعماله بفنية عالية تجمع بين الإقنوغرافية Iconographique في بعدها الميثولوجي والتعابير الاستهلاكية المعاصرة عبر الماركات العالمية التي تستحوذ على السياسات العالمية. وأشهرهم إسحاق كوردال Isaac Cordal الذي تناولت أعماله مجموعة من القضايا السياسية المتعلقة بالاقتصاد أو العدالة أو السياسيين أنفسهم بشكل فيه من التهكم ما فيه والترميز والفنية، عبر منحوتات سواء بارزة أو نحت ناتئ relief أو نحت مجسم ronde bosse، إذ سيعمد إلى إنشاء إحدى أهم أعماله (الصورة) والمتعلقة بأمر الانتخابات والساسة، المعروضة في برلين سنة 2011.

· فن الشارع: الثورة على السياسي

وإن كان الفنان غير المنوط به أن يكون ذراعا إعلاميا وبوقا لتيارات سياسة توجهه وتستغله حسب إيديولوجيتها… إلا أن تاريخ الفن هو تاريخ سياسي ضمني، فأعمال رامبرانت Rembrandt، الذي يعد من كبار الفنانين في التاريخ، كانت تحمل أطاريح سياسية ضمنية، فقد اهتم بالسياسة الهولندية التي صارت جزءا لا يتجزأ من أعماله. بينما جاء الـ”بوب آرت” Pop’art كنوع من الاحتجاج الفني عن مجموعة من الممارسات الاستهلاكية، خاصة في أوروبا. هذه الممارسات الاستهلاكية التي ترتبط بالضرورة وبشكل كبير بجل القضايا السياسية الراهنة. أما فن الشارع Street art أو الجداريات (غرافيتي) التي يبدعها فنانو الشارع، فقد اهتمت بشكل كبير بالقضايا الدينية والسياسية بالضرورة كموضوعين رئيسيين يعمد الفنان لطرحهما عبر رسوماته التي تكون في الغالب مفرطة في الحجم وتهكمية. لهذا ظل فنانو الشارع مطاردين من قبل الشرطة في كل البلدان التي ظهروا فيها..

في هذا يمضي نقَّاد ما بعد الحداثة قُدما طارحني مزاعم سياسية حول طبيعة “التابع”. من بينها أن خطابات السلطة المتنازعة، التي تنتشر عبر الأفراد وفيما بينهم، هي في الواقع ما يشكل الذات. ومن ثم من المستحيل على التابع أن “ينأى بنفسه” عن الظروف الاجتماعية الراهنة وأن يحكم عليها من وجهة نظر مستقلة وعقلانية، كما يزعم الفلاسفة الأخلاقيون املنتمون للاتجاه الكانطي الأنجلو أمريكي أمثال جون راولز وتوماس ناجل. على سبيل المثال، يُظر إلى أفكار الفرد الذكر وتعبرياته على أنها جزء من نمط خطابات أبوية فاسدة – تتنازع فيما بينها على أي حال- وهو مجرد ظاهرة ثانوية لها. وهذا يستبعد نظرة

الذات الكانطية الموحدة لصالح التحديث ما بعد الحداثي للنموذج الفرويدي الذي يرى أن الأفراد ضحايا لصراع داخلي بني الأنظمة. تصف شيلا بن حبيب – الأستاذة بقسم الإدارة الحكومية في جامعة هارفارد- هذه الرؤية (مستخدمةً كعادتها أسلوبًا يمزج بني أسلوبَي دريدا وفوكو عند التحدث عن اللغة)1:

حلَّت محل الفرد منظومة من البنى، والتناقضات، والاختلافات التي -كي تصبح مفهومة- لا يلزم اعتبارها نتاج ذاتية حية على الإطلاق. أنا وأنت لسنا سوى “مواقع” لخطابات السلطة المتنازعة تلك، و”الذات” ليست سوى موضع آخر في اللغة. (تحديد موضع الذات، 1992(.

· فن الشارع في العالم العربي:

ففن الشارع عموما هو ذلك الفن الذي يرتبط بالشارع باعتبار معرضا مجانيا للإبداع والعرض، إذ يعتبر فضاء بصريا ليعبر الفنان عبره عن رؤيته للواقع وللحياة الاجتماعية والسياسية… فهو مصطلح يُطلق تحديداً على أشكال الفنون البصرية التي تم إنشاؤها في الأماكن العامة، كفَن الملصقات والنحت والكرافيك (الجداريات)… وكذلك الأعمال الفنية دون حسيب أو رقيب خارج سياق أماكن الفن التقليدي وقد اكتسب المصطلح شعبية خلال فترة ازدهار فن الكتابة على الجدران في ثمانينيات القرن العشرين. ويتعلق هذا الفن بقابليته المنفلتة والزائلة والعابرة ما يجعله فنا معاصرا.

لقد ساهم فن الشاعر بشكل كبير، في التعبير عن هموم الشارع العربي وخاصة في فترة ثورات الياسمين، أو ما سمي بالربيع العربي، وقد اشتهر في هذا السياق الفنان المصري Keizer (اسم مستعار)، الذي يعد من أوائل الفنانين الذين نشروا هذا الشكل من التعبير مع صعود الثورة، كما تعتبر أعماله ذات طابع هزلي تجاه العسكر… ويعمد فنانو الشارع غالبا إلى اخفاء وجوههم وأسمائهم، أو الاعتماد على الأسماء المستعارة والترميز… فالشارع مِلكٌ للعموم. ولأنهم دائما مطاردون من رجال الأمن لا يظهرون إلا بأسماء متخفية… إلا أنه هذا لا يمنع وجود فنانين طبعوا أسماءهم على الجدران وعلى شاشات الإعلام (آل سيد /مصر، ضياء رامبو /السعودية، سامي الديك /فلسطين، ليلى عجاوي /الأردن، يزن حلواني /لبنان، الأخوان عمر ومحمد قباني (أشكمان) /لبنان، يوسف الزاوي /المغرب…). فقد ساهم هذا الفن إلى حد كبير في العالم العربي إلى تقريب الفنون البصرية إلى المواطن العادي، وجعله يحتك بها ويتفاعل معها، لأنها بالضرورة، تخاطب مشاعره وهمومه اليومية والراهنة.

في المغرب ستظهر موجة كبيرة نوعا ما من فناني الشارع والغرافيتي، إلا أنها موجة ظلت دائما في الجانب المظلم من الليل، إذ لم يتح لها الظهور أبدا لما عانته من ويلات المطاردة البوليسية. وإن نجد مجموعة من الأعمال الكرافيتية مرخص لها، في بعض الأزقة، إلا إنها تظل أعمالا ساذجة وتنحى إلى ما هو بيئي وعام لا يرتبط بما هو اجتماعي وسياسي.

· عن فن الشارع بالمغرب:

في مجموعة من الشوارع الرئيسية بالمغرب ستظهر موجات من التعابيرَ المكتوبة بالخط، في دلالات لها علاقة بالمد الحراكي الذي شهده المغرب في فترة الربيع العربي، ما سيؤزم العلاقة بين الفنان الغرافيكي والسلطة السياسية.

هذا ما سنشهده مؤخرا، وذلك عندما عمدت الشرطة بالدار البيضاء إلى اعتقال يوسف الزاوي وأحد أصدقائه، والتحقيق معهما لساعات طوال وعجاف وإطلاق صرحاهما فيما بعد. بعدما عمد الفنان إلى محاولة للتعبير عن رؤيته الاجتماعية والسياسية. وذلك عبر الصاق ملصق مركب من أجزاء عدة (قُرب المحطة الطرقية بالدار البيضاء، 14 نونبر 2017)، يُجسد جسد شاب عارٍ، وُضع بدل رأسه شاشة تلفاز وبدل القلب وضع أيقونة الدولار، (باعتبار القلب مركز التفكير في العقلية العربية)، وبدل جهازه التناسلي وضعت أيقونة قلب. في دلالة عميقة تحيل إلى كون الشاب العربي بات محكوما بالإعلام (الخاضع لسيطرة الدولة) الذي يتحكم بعقله وتفكيره ويوجهه نحو ما يريد ويبتغي في تبليد وتبليه وإفراغ العقل من كل إمكانية الوعي والإدراك. بالإضافة إلى التعبير عن الكبت الذي يعاني منه الشاب العربي اليوم، كبت قد يبغ إلى المستوى السياسي، بالإضافة إلى ابدال التأزم المادي الذي أضح همّ وتفكير الشاب العربي…

فالفن والسياسة لا تربطهم علاقة تنافر بالمعنى القطعي، فالفن كان حبيس السياسي في فترات من الزمن، إلا أنه كان دائما منفلتا ومتحررا خاصة مع ما شهده من ثورة في الفن المعاصر، هذا الفن الذي سعى الفنانون المنتمون إليه للتعبير بالضرورة عن اليومي والاجتماعي والسياسي، وذلك باعتبار الفنان ملتزما تجاه مجتمعه والإنسانية وذاته الهشة. كمنطلق وغاية فنية، إلى جانب الانتصار لما هو إنساني. 1 كريستوفر باتر، ما بعد الحداثة، ترجمة نيڤني عبد الرؤوف، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2012، ص 56.

لا تعليقات

اترك رد