هل باتت حقوق الٍانسان في المزاد العلني بعد وجود “سوق النخاسة ” في ليبيا ؟


 

لاشك أن المعلومات التي كشفت أخيرا عن وجود سوق لتجارة العبيد في ليبيا , أثار صدمة وسخطا كبيرا في نفوس الأفراد , مما استدعى ردود فعل مستنكرة ومنددة في كل العالم . فالكثيرون , ونحن منهم , كانوا يعتبرون أن تجارة الرق تعود الى قرون خلت ولن تجد لها موطئ قدم في عالمنا الحر والمتحضر والمدافع على حقوق الانسان . ٍالا أنه اليوم وفي القرن الواحد والعشرين , نرى فيه تجسيدا حيا للعبودية في بلد عربي اسلامي , حيث باتت تجارة العبيد واقعة على أرض ليبيا . هذا البلد الذي شهد “ثورة ” من سنوات معدودة من أجل “الحرية “, وها هو نكتشف في هذه الأيام الفارطة اثر بث لتقرير صادم عن شبكة “سي ان ان ” الأمريكية , عن وجود سوق لبيع البشر في ليبيا واستغلال المهاجرين غير الشرعيين , الذين فشلوا في العبور الى أوروبا كعمال أو مزارعين من خلال مزاد علني !
ولعل هذه الظاهرة الخسيسة تقف شاهدا على مدى التدهور الذي أصاب المجتمعات البشرية , جراء متغيرات كثيرة طرأت على الواقع في العديد من الدول ولاسيما الذي عرفت بما يسمى “الربيع العربي ” . فمن المسؤول الحقيقي عن هذه الجريمة البشعة في حق الانسانية ؟ وأين دور منظمات حقوق الانسان والمجتمع الدولي من كل ذلك ؟ وهل أصبحت حقوق الانسان في “المزاد العلني ” اليوم ؟
من الثابت أن تجارة “الرق” تعتبر من أبشع التجارات , وتتم من خلال عرض مجموعة من البشر في الأسواق وهم المعروفين ب”العبيد” . وقد وقع منعها من طرف كل القوانين المحلية والدولية , حيث تقرر منع تجارة العبيد وٍالغاء العبودية بشتى أشكالها , وتأكدت هذه القرارات بالاعلان العالمي لحقوق الانسان , كما تحتفل الأمم المتحدة اليوم 2 ديسمبر من كل عام باليوم الدولي لٍالغاء الرق والعبودية في العالم . لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم , هل انتهى الرق حقا في العالم ؟ وهل مازال هناك بشر يعانون من سوء المعاملة ويخضعون للرق سواء بصورة رسمية بأن يملك الآخرون صكوك حريتهم , أو بشكل غيرمباشر من حيث السخرة والعمل القاسي الذي يمارس ضدهم ؟
يبدو أن الكرامة الانسانية باتت مهددة بشكل أو بآخر من خلال مظاهر الرق والاتجار بالبشر اليوم في كل أنحاء العالم . فقد لا يصدق المرء وجود عبيد في في هذا القرن الذي نعيش فيه , لكن الحقيقة المرة وهي أكبر من أن توصف , ٍاذ أصبحت بالفعل هناك أسواق نخاسة عالمية تباع فيها الأفراد أطفالا ونساء ورجالا , من خلال صفقات سرية وعلنية تحكمها “مافيا” وعصابات المادة والشجع ولا تعرف لمكارم الأخلاق والقيم النبيلة سبيلا , ولا تعطي لقيم الحرية قيمة . وما يصدم أكثر ويفزع فضيحة تجارة الرق في ليبيا , حيث كشف تقريرا مصورا عن “سي ان ان ” لعمليات بيع في أحد أسواق العبيد لعدد من المهاجرين الأفارقة القادمين من بلدانهم بهدف الهجرة غير الشرعية الى أوروبا , وبلغ “ثمن ” الأشخاص داخل المزاد عدة مئات من الدولارات , فضلا لوجود سجون لذوي البشرة السوداء بهدف “بيعهم ” لاحقا في أسواق النخاسة . كما أشار هذا التقرير المخجل والموجع الى وجود تسعة أسواق لبيع “الانسان” في مدن مختلفة من ليبيا , من “صبراته” و”زوارة “غرب طرابلس و”الزنتان ” جنوب طرابلس و”غدامس ” المتاخمة للحدود مع تونس والجزائر . ومن ثم لابد أن نتساءل عن من يتحمل مسؤولية هذه الممارسات الحقيرة التي تعود الى العصور البائدة والمشينة والمنافية لحقوق الانسان وتعاليم الدين الاسلامي الحنيف ؟
ليس خافيا على أحد أن ليبيا أصبحت ما بعد 2011 ملاذا وقبلة لكل المهاجرين من أفريقيا وحتى من دول أخرى , للعبور الى أوروبا . ونتيجة لحالة الفوضى التي تعيشها البلاد , وضعف سلطة الأجهزة الأمنية التي كانت تقوم بضبط الحدود ومراقبتها , ازدهرت تجارة تهريب المهاجرين من قبل عصابات عالمية , اتخذوا من ليبيا نقطة تمركز وعبور للمهاجرين نحو أوروبا , الأمر الذي أدى الى ايجاد مراكز تجميع خاصة لهم داخل البلاد من طرف شبكات و”مافيا” تهريب البشر , بغية الحصول على مقابل مالي نظير أي مهاجر محتجز لديهم . وطبعا هذا الوضع أدى الى انشاء أسواق شبيهة بأسواق “النخاسة والمزايدة “, وأصبحت هناك مزايدات مالية لتسليم المهاجرين للمهربين . اذن من المسؤول الحقيقي عن هذه الفضيحة والحالة المزرية التي يعيشها هؤلاء المساكين المعتقلين بعد منعهم من التسلل الى أوروبا في مستودعات غير انسانية , يجوعون ويعذبون ويقتلون أحيانا ويباعون لأعمال السخرة ؟ وهل هذه الممارسات الهمجية ولدت من باب الصدفة ؟ أم أن قرارات الاتحاد الأوروبي الخاصة بتدابير مكافحة الهجرة ٍاليها , فاقمت من هول هذه الكارثة الانسانية ؟ أليس هناك من نادى بجعل ليبيا وتحويلها الى قلعة وقبلة للتوطين ؟ وهل القصة أعمق وأكبر من مجرد تحقيق تلفيزيوني يخفي الشجرة التي وراءها الغابة ؟؟
من المؤكد أن تلك العمليات هي منافية للأعراف الانسانية , لما فيها من امتهان لكرامة البشر وتعديا صارخا على حقوق الانسان , التي هي باتت هي بدورها في المزاد العلني وتباع وتشترى من أجل تحقيق مصالح من طرف هذا العالم الحر والمتحضر ! فهذه الأعمال الاجرامية الغير الانسانية والتي أثارت مشاعر الاشمئزاز والغضب على الصعيد الدولي وخرجت مظاهرات في أكثر من مكان منددة بها , وتبارت التصريحات من شتى المواقع الاقليمية والدولية التي تدين هذه الممارسات اللا ٍانسانية , سواء من الأمم المتحدة أو الاتحاد الافريقي أو الدول الافريقية وحتى من بعض الدول الاوروبية , والمطالبة بملاحقة هذه الفضائع وعدم افلاتهم من العقاب ووضع حدا لهذه التجارة الآثمة . لكن هذه الصورة البشعة تصطدم بالواقع الحقيقي الأليم , أليس هذه الدول المتباكية على حقوق الانسان وعلى ووضع المهاجرين , هي التي ساهمت في زعزعة الأمن في ليبيا وما يعانيه هذا البلد الشقيق من فوضى وانفلات أمني ! فبدون شك الشعب الليبي الشقيق لا يقبل بتلك الممارسات الخسيسة , فهو من أكثر الشعوب العربية طيبة وشهامة وكرما , ولا يمكن أن يؤاخذ على ما تقوم به هذه العصابات الباحثة عن المال بأي طريقة !
وبالتالي اللوم والمسؤولية تقع على أولئك الذين دمروا هذا البلد الجميل الطيب وشردوا أهله , وساهموا في هذه المأساة وعلى رأسهم هذه الدول الأوروبية وجامعة الدول العربية التي أعطت الضوء الأخضر لغزو حلف الناتو والاطاحة بنظام معمر القذافي الله يرحمه , مما جعل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يعبر عن ندمه الشديد لتأييد “المؤامرة” والتدخل العسكري . أليس هذا الغرب المستنكر اليوم , هومن تعمد التعتيم على الاتفاقيات المشبوهة مع المليشيات من أجل طرد المهاجرين , ولاسيما الصفقات المالية التي أبرمتها ايطاليا مع بعض المليشيات (خاصة في صبراتة ) من أجل منع تدفق المهاجرين وفقا لبعض وسائل الاعلام ورئيس رابطة حقوق الانسان في ليبيا ألكسندر دي زواف , وكذلك حسب تقرير منظمة أطباء بلا حدود الذي كشف فيه عن كافة أشكال الاستغلال التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة في مراكز الاحتجاز . وبالتالي أوروبا ضالعة في ما يجري اليوم في ليبيا ! ومن يستحق المحاكمة هم من تآمروا على الشعب الليبي وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وكل العملاء الذين أوصلوا ليبيا الى هذه الوضعية المتردية ! فكفاكم نفاقا وتحملوا مسؤوليتكم وحلوا عن هذا البلد الشقيق وعن أهلها وقتها سيتصالح الأخوة اللبيين ويعملون على اعادة بناء وطنهم !

لا تعليقات

اترك رد