إطلالة على كتاب ” الخيال السياسي ” للدكتور عمار علي حسن

 

في كتابه “الخيال السياسي”، الصادر حديثا عن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، يتعرَّض د. عمار علي حسن لموضوع غاية في الأهمية، وهو دور الخيال السياسي في حياةالأفراد والمجتمعات. ويدلل حسن على هذه الأهمية بالربط بين تخلُّف المجتمعات العربية وبين غياب الخيال بوجه عام، والخيال السياسي بوجه خاص.
لكن رغم الأهمية الكبير التي يعزوها حسن للخيال السياسي والتحليق في سماء الأحلام اليوتوبية، إلا أنه يرى أن هذه الأحلام لا تكفي وحدها، حيث لابد من تفاعل الجماهير معها والتفافهم حولها حتى يمكن تحقيقها على أرض الواقع، أو على الأقل، تحقيق جزء منها.
فالخيال السياسي عند د. عمار ليس مجرد شطحات وأوهام مُنْبَتَّة الصِّلة بالواقع والعقل، بل هو تنبؤ علمي نابع من رؤية تحليلية للواقع. إنه العقل في أقصى درجات المرونة اللازمة لاختراق المجهول وإبداع الجديد. والخيال السياسي بهذا المعنى يمثل ضرورة للحكم الرشيد الذي تتحقق فيه طموحات الشعوب وآمالها في مستقبل أفضل لها ولأبنائها..
من هذا المنطلق، يؤكد حسن على ضرورة أن يولِّي علم السياسية اهتمامه بالخيال السياسي باعتباره أحد الأدوات الهامة لفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل..
وللخيال السياسي عند د. عمار منابع عدة، من بينها: استقراء تاريخ البشر وتاريخ الأفكار والخبرات الشخصية والنفسية، والوعي بالمستقبل، والانفتاح على كافة فروع العلم والمعرفة، والعمل بروح الفريق، واصطناع الموقف الافتراضية hypothetical situation (أو التجارب الفكرية thought experiment)، واستعراض ودراسة التجارب السياسية والاقتصادية الناجحة.
أما بالنسبة لكوابح أو معوقات الخيال السياسي، فقد استعرض حسن العديد منها، لكن أهمها على الإطلاق: “الوقوع في أسر الإيديولوجيا”.فالإيديولوجيا، كما يذهب حسن، أكبر العقبات وأعمقها أمام الخيال السياسي،كما أنها الأكثر تسييسًا؛ وذلك لما تحمله من تنبؤ هو أقرب إلى الحتمية التاريخية منه إلى التنبؤ العلمي.
وبالنسبة لمجالات توظيف الخيال السياسي، فمن أهمها عند د. عمار: عبور الأزمات، ووضع الخطط والاستراتيجيات، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة الفساد،والبحث عن “الكمال الاجتماعي” والمثل العليا.
ولا يكتفي د. عمار بالطَّرح النظري لموضوع الخيال السياسي، حيث يتطرَّقأيضًا إلى العديد من تطبيقاته العملية، وذلك باستعراض بعض تجارب إعمال الخيال السياسي، التي تنقسم عنده إلى نوعين رئيسيين: تجارب عامة (تنصرف إلى حالات ذات طابع عام)، وتجارب جزئية (تنصرف إلى حالات بعينها). وبالنسبة للتجارب الجزئية، فإنها تنقسم عنده إلى نوعين فرعيين:تجارب فردية، وتجارب مؤسسية.
من التجارب العامة، على سبيل المثال، المحاولة التي قام بها كلٌّ من غاريثستيدمان وإيرا كاتزنيلسون، حيث تخيَّلا تأثير التفكير الديني والعلمنة على الحالة السياسية في المستقبل.
ومن التجارب الجزئية الفردية، المحاولة التي قام بها بريجنسكي في كتابه “الاختيار”، حيث حاول أن يجيب عن أسئلة من قبيل: ما هي التهديدات الرئيسة التي تواجه أمريكا؟ وكيف تتصدى لها؟ وهل بوسعها أن تدير بكفاءة علاقاتها الاستراتيجية مع العالم الإسلامي؟ وهل يمكنها أن تحسم الصراع العربي الإسرائيلي؟.
أما بالنسبة للحالات الجزئية المؤسسية، يضرب د. عمار مثلا بـ”جمعية مستقبل العالم” World Future Society، التي تأسست عام 1966 ومقرها شيكاغو، وهي تجمَّع علمي وتربوي غير حزبي وغير هادف للربح، يضم خمسة وعشرين ألفا من المهتمين بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي تؤثر على المستقبل.
ويختتم د.عمار كتابه بعدد من التَّوصيات من أهمها: ضرورة التَّوسُّع في دراسة الخيال السياسي- نظريًا وتطبيقيًا- في حياتنا المعاصرة؛ وذلك للدور الهام للغاية الذي يلعبه الخيال السياسي في الحالات والمواقف التي تحتاج إلى إبداع في حل المشكلات وتجاوز الأزمات من أجل بناء مستقبل أفضل،سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات والشعوب.

المقال السابقجنون كاتبة
المقال التالىمحنة الرموز !
- الاسم: محمد عبده محمد أبوالعلا - المؤهل: دكتوراه في الفلسفة السياسية (بمرتبة الشرف الأولى) من قسم الفلسفة بكلية الآداب- جامعة طنطا في موضوع:"مفهوم العدل في الليبرالية الاجتماعية: دراسة لنظرية الفيلسوف الأمريكي رونالد دوركين في العدل." - الصورة الشخصية: - الأعمال المنشورة: 1- دراسة بعنوان:....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد