البعض يرفض النظر الى نفسه عاريا حتى في المراَة !


 

المراَة لوح مسطح تعكس الموضوع الذي امامها ببعدين فقط الطول والعرض، ورغم ذلك ان اراد الموضوع امام المراَة الدخول لفهم واقعه عليه ان يكون عاريا كبعد ثالث لا تعرضه المراَه بل عبرالنقد و الموضوعيه لواقع الحال. يقول احد الادباء ” لا شيئ خلف المراَة” لانه وكما قلنا فان المراَة لا تعرض الا بعدين.

منذ بدايات القرن الماضي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كانت فكره تشكل الامة العربيه هي المسيطرة، ثم جاءت هزيمة “وليس نكسة” حزيران للفكر القومي الذي فشل في الحرب مع دولة صغيره كان يطلق عليها لقيطه، ويوسم اليهود بالجبناء وكأننا في حرب السيوف ومن على ظهور الناقة والفرس، اي رجل مقابل رجل ، بينما الحروب الحالية هي حروب الخطط و التكنولوجيا عالية التطور والتي تستند على مجتمع علمي متطور. و بقي الفكر العربي يراوح في اجترارات الماضي، والفكر الفروسي الماضوي، وتفاهة فكرة الوطن و الوطنيه، فكان شعار “نموت نموت و يحيا الوطن” شعار يحمي قمة السلطة ويغيب المواطن، فلمن يعيش الوطن خالي من المواطنين. فحسب قناعة السلطة السياسيه يقع و يحصر مفهوم المواطنه بالتشدق بما تقوله تلك السلطة السياسية، اما المختلف معه فهو عميل للا جنبي يتجنب التعامل معه بحجره والقضاء عليه عبر

اساليب متعدده، منها التصفية الجسديه . في هذا الاطار تاتي استنتاجات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران حيث قال ما معناه عام 1968 يتوجب عدم تقسيم المواطنين الى يساري و يميني ما دام كليهما وطني. لكن هذا الوعي جاء متاخرا لا بل متاخرا جدا. وفي نفس تصريح عبد الناصر هذا يعترف، ربما عن غير قصد، ان سبب انتصار اسرائيل هو عدم تقسيمها مواطنيها الى يساري و يميني لان كليهما وطني.

وجاء تقيم اسباب الهزيمه بشكل اكثر هزلا في جانب المشتغلين في الفلسفه العرب ان صح التعبير . ففي كتابه “اعمدة النكبه” لاستاذ الفلسفة صلاح الدين منجد عام 1967 يقول “لقد تخلى العرب عن ايمانهم بالله، فتخلى الله عنهم “. اهناك هزال اكثر من هذا !، وكان علاقة الله مع الانسان علاقة نفعيه، و ردود افعال لا بل وتصل تلك العلاقة، من توصيف الاستاذ منجد، علاقة الشقاوات بالتعبير العراقي و الابظاي بالتعبير الشامي و الفتوه بالتعبير المصري، اضربك لانك ضربتني.

بقي الفكر القومي العربي يتعايش مع هزيمته فرفع من درجة عزلته و درجة استبداده و قمعه الى درجة استخدام اكثر الاسلحة فتكا ضد ابناء الشعب كما في العراق سابقا و سوريا حاليا.وعلى نفس الدرجة من الاهمية لم تستطع تلك النظم احداث ثورات تعليميه و فكريه بل بقيت تندب حضها و تشتم الحاضر دون ان تعمل لتجاوزه لا بل الحنين للماضي من اجل البقاء ضمنه. ثم تجلى الواقع صارخا بعريه

ان هذه المجتمعات لا تستند على العلم اطلاقا في خياراتها و بناء مجتمعاتها. فبعد كل هزيمة تهرب الى الماضي و تقطنه.

ثم جاءت الثورة الاسلاميه الخمينيه بعباءة مذهبيه لكنها في بداياتها اعطت دفعة قويه فكريه للفكر السلفي الاسلامي عموما في البدايه، ثم لتتحول الى بعد ذلك الى صراع مذهبي خطير جدا في المنطقة، لا بل قدمت نقله نوعيه في الفكر الجعفري تجاه الموقف من السلطه يتجلى في ولاية الفقيه. وفي عالمنا الحديث لا يوجد منطقة في العالم بعيدة عن العلاقات الدولية المتشابكة والمعقدة وعليه فان هذا الصراع سينتقل الى صراع دولي، وبالخص ما ظهر جليا مدى هشاشة الدول في هذه المنطقة التي لم تصل الى اولويات بناء دولة المواطن. فنجد ان الحوثي اليمني يدافع عن ايران اكثر من دفاعه عن وطنه اليمن، وبدرجة مختلفه ولكن بنفس العمق الشيعي العراقي واللبناني. ونفس الشيئ ينطبق على السني العراقي فهو مع السني الاردني ضد الشيعي العراقي.

هل تتوقف الهزيمة عند الجانب السياسي فقط !؟

بعد انتهاء الهزة الارضيه الاخيره في العراق بساعات، ذهب غالبية العراقيين للنوم الهانئ بعد ان تاكد ان اخوه واخته وابن عمه وخاله وابن عشيرته سالمين، اما المواطن البعيد عنه نسبيّا و جغرافيا فليس

ضمن اهتماماته. الاقسى من كل ذلك انه وصلني رسائل عبر التواصل الاجتماعي من عراقيين فيها دعاء لما بعد الهزة الارضية تلك تنص ” الهي انقذ المسلمين والمسلمات….”، هنا حصر مفهوم المواطن بمفهوم الانتماء الديني . هذا يدل على ان الروابط العائلية و الدينيه والعشائريه و المذهبية هي الاقوى من روابط الوطن. وهذا نتاج ضعف روابط الوطن و ضعف بنى و دور منظمات المجتمع المدني. وحتى المدينة تحولت الى تجمعات كاونتونيه للعوائل والعشائر و المذاهب والاديان.

المواطن المهزوم

في وسط هذه الدايلمه لانجد في الغالب سوى المواطن المهزوم المتناقض مع ذاته . فهو من جهة يلجلج باننا دولة حضاره عميقه واول حضاره في العالم وبين واقع مرير لسلطة لم تستطع ايصال ماء الشرب الى داره ولا بناء مدرسه ولا كهرباء ولا صحه. وبين تعليم رسمي وغير رسمي باننا الافضل والاكثر شهامة وفروسية وصدقا ونبلا بينما تسرق اموال الوطن امام ناظريه ولا يستطيع فعل شيئ. كل هذا جعل من مقايسنا ان نجعل الا معقول معقول والا موضوعي موضوعي والغير طبيعي طبيعي لان مقايسنا ذاتيه وهميه غير علمية و غير موضوعيه.

الدايلمه التي يعيشها المواطن قادته الى تسطيح المشكله و حلها وذلك بالقاء اللوم على مؤامرة من الخارج الى درجة وصل بالبعض الايمان بان عدد بيض الدجاجة يحدده التدخل الصهيوني الامريكي،

دون ان يبحث هوا عن تربية الدجاج بدل استيرادها و جعل الدجاجة تبيض بيضه ام صفارين علميا .

المذهل العجيب في كل هذا ان المواطن ” يلهث” بالنقد و المطالبة بالتقدم لكنه وفي نفس الوقت يسعد قمة السعادة اذا كان الدوام 3 أيام في الاسبوع وتقلص ساعات العمل الى ثلاثه ساعات.

مصير اوطاننا غير مبشر ما لم نحول وعينا الى وعي علمي موضوعي ينتقد الذات يعترف بالخطا . مواطن لا يعتبر البطل هو الدكتاتور لانه يريحه عن التفكير ويتخذ القرار بدلا عنه ولانه “صاحب هيبه” حتى وان كان يقودة الى التهلكة. عندما يتحول وعي المواطن الى -ليس بطلا من يجز الرقاب للمخالفين في الراي كالحجاج وغيره-، بل البطل هو العالم والاديب والفنان وان نعيد الاعتبار لابن رشد و ابن سينا و المعري و علي الوردي و الجواهري و الحلاج و جواد سليم وغيرهم كثر، عند ذلك نبدا بالتقاط انفاس المواطن الموضوعي و الوطن المبني على العلميه.

لا تقدم لي التجربة الانسانيه العالمية مثالا ناجحا لحد يومنا الحالي سوى دولة المواطنه المبنية على المساوة بين المواطنين امام القانون. ودولة المواطنة لا يمكن الوصول اليها بمواطن كل وعيه غيبي غير موضوعي غير علمي، ف مقولة ” انا واخي على ابن عمي، وانا و ابن عمي على الغريب” لا تبني وطنا .

الغيبيات رمال متحركه، غير قادرة على اسناد بناء وطن لمواطنين متساوين بالحقوق و الواجبات، فالمواطن بلا حريه راي وحرية معتقد غير قادر على ممارسة الديموقراطية. الديموقراطية تستند، من بين اشياء اخرى، على العلم والمعرفه، على مواطن مستعد ان يضحي بجزء من دخله من اجل ايجاد دواء لمرض وحل علمي لمشكلة. مواطن يشعر بالاهانه ان استلم دخله دون عمل مجزي.دولة يؤمن فيها الموظف انه خادم للشعب. دولة يؤمن فيها السياسي انه تحت مجهر الشعب و ليس سوط على ظهر الشعب. سياسي يؤمن ان الشعب من اختاره وهو ليس خيارا آلهيا.

لا تعليقات

اترك رد