حتى لا يكون الواوي سيد الموقف


 

اتذكر عندما كنت صغيرة إلى حد أن درجات السلم المظلم في بيت خالتي كانت أكبر مني مرتين كنت دائما أصعد أول ٣ درجات واجلس عند الثالثة احلم ان اكمل الباقي حتى ارى الغرفة الأخيرة في السطح والتي سمعت عنها الكثير من القصص المثيرة لمخيلتي الكبيرة حينها. لكني كنت دائما اتوقف عند ثالث درجة واحبط فأقع حبيسة مخاوفي من قصص أخرى سمعتها من الكبار بأني سأقع وان هذه الغرفة لا يسكنها سوى الوحوش والواوية، الواوية كانت الكلمة التي تخيف جميع الصغار حينها، والمضحك أن لكل طفل مخيلة مختلفة بعقله عن شخصية تلك الواوية فمثلا انا كنت اتخيلها رجل بنصف جسد ذو لحية بيضاء طويلة يلبس عباءة النساء السوداء، له رأس كبير ويغطي نصف وجهه، وله مخالب طويلة قذرة يركض أو يطير بسرعة مخيفة نحو من هم لا يسمعون كلام الكبار في حين ابن خالتي كان يراه ككلب ذو اسنان كبيرة ملونة وله وجه مليء بالاعين السوداء، أما صديقتي وجارتي كانت تراه كمجموعة عناكب تهاجمها حين تعاند النوم. لكن كلنا نتفق أنه كان يسكن (الجول ) وهي كلمة عراقية تعني المناطق الغير مسكونه والصحراء القاحلة ، والتي لا يزورها ضوء القمر في الليل أو كما كنت اعتقدها في حينها.

لا يأتي هذا الواوي إلا عندما لا نسمع كلام الكبار أو نطيعهم ولا مفاوضة أو مقاومة لذلك!

ذات ليلة كنا انا وبنات خالاتي قد اجتمعنا في بيت خالتي لننام عندها ولكثرة عددنا فرشنا الفراش الخاص بالضيوف بغرفة (الخطار) أي الضيوف والتي كانت مجاورة لذلك الدرج المطل على غرفة الجنة والأحلام في السطوح اتفقن البنات الأكبر مني أن ينتظرنني ومن بعمري حتى ننام ليكملن باقي السهرة في السطوح قبل أن يأتي من أكبر منهن من العرس الذي لم يسمح لنا نحن الصغار بحضوره. ولسوء حظهن وحسن حظي سمعت هذه المؤامرة فقررت عدم النوم وان أبقى بانتظارهن. فتملكتني شجاعة هذه المرة أن اصعد قمة ذلك السلم !

تضاهرت بالنوم وصعدن جميعهن إلى الأعلى وذهبت نحو مخاوفي وكنت كلما أصعد درجة اشعر بالخوف أكثر ولكن لم يمنعني خوفي من الاستمرار فقد كانت هنالك لذة الشجاعة والتحدي تأخذ بمجامع قلبي ، كانت ضرباته المتسارعة تنصحني بالرجوع لفراشي الدافيء وكنت اعاندها لاحلامي الذهبية لأرى تلك الغرفة. كانت الدرجات كبيرة فكنت أتسلق بيداي واقدامي واتنفس بصعوبة لشدة تركيزي حتى لا اقع وأخسر معركتي مع السلم والظلمة الحالكة في الاعلى. كان إصراري كبيراً على الصعود الى النهاية حيث لا درجات اصعدها، وجدت باباً حديدياً ، يتسرب من خلال شقوقه القليل من الضوء وانا أسمع اغنيةً لراغب علامة ( لا تلعب بالنار) وكأن تلك الأغنية تنصحني بالرجوع الى الأسفل، لكن عنادي كان أكبر، طرقت الباب بشدة لأني أحسست بقرب الواوي من الأسفل البعيد، فتحت الباب ابنة خالتي وبسرعة ضناً منها أن امها من قرعت الباب وكانت خائفة، قلت بصوت مرتعب ” لا استطيع النوم فهل لي الجلوس معكم قليلا؟” كنت اقولها وعيناي تسرق المنظر داخل الغرفة، ردت عليَّ ادخلي ايتها المصيبة، كيف صعدتِ هذا الدرج العملاق لوحدك؟ كانت تعتقد أنها توبخني بهذه الجملة لكني كنت ابتسم لانها حفزتني على الشجاعة أكثر!

الغرفة التي جلسن بها بنات خالاتي الكبار كانت شبه فارغة، تفترشها حصيرة صغيرة يتوسطها جهاز المسجل الذي يسمعن من خلاله الاغاني الرائجة في حينها، والغرفة كالمستودع للاشياء الفائضة عن الحاجة ، ولم تكن مغرية للجلوس . لكني رغم ذلك لم يخب ظني في الصعود وتكللت محاولتي بالنجاح ، فعلى الأقل انا اجلس الآن مع الكبار ولست نائمة في الأسفل مع الصغار، و لم أشاهد اي واوي هناك وكل ما يقال عنه هو محض خداع وإيهام .

اكتشفت حينها أن الواوي لا وجود له سوى بعقولنا فقط، لذا من يومها تبدد خوفي من الواوي. فكم من الاشياء التي تزرع في دواخلنا الخوف والرعب ونختزنها في عقلنا الباطن ولا وجود لها في الواقع ، فمثلا الخوف من التغيير وفقدان ما تعودنا عليه وهو شعور انساني لكل فرد طبيعي ولكن الفرق، هو أن نمضي نحو الخوف ونتحداه وننتصر عليه، ونحقق ما نحلم به حتى يتلاشى، ثم نرتقي قمم آمالنا وأحلامنا وعكس ذلك سيتغلب علينا و يعيش بداخلنا ويصبح جزء منا ، و تظل كل أفكارنا مجرد تكهنات كآمال المفلسين لا يمكنها أن تتنبأ فعلا بما سيحصل. فالقلق والخوف من المجهول هما نقيضا التفاؤل والامل بل إنه يصبح تشاؤم حقيقي اذا ما استسلمنا لهم .

لا أنكر اني خفت في كثير من الأحيان من أشياء تبدو للآخرين مضحكة وتافهة وبعد أن عبرت عالمها المظلم وأصبحت ورائي اراها اليوم مثلهم مضحكة، لا اعاتب ذاتي من خوفي وقتها لان عبوري وشجاعتي هما ما جعلاها اليوم تاريخاً لأشياء كانت مخيفة.

وكما يقول الشاعر والكاتب فيكتور هوجو ان الشجاعة ليست غياب الخوف، ولكن إتقانه والمضي قدما معه.

هذه القصة التي قصصتها لكم جعلتني شجاعة بأخذ السلم المظلم و مواجهة أسرتي التي لامتني واخافتني من بعبع الواوي مجددا.

اعترف لكم أن الواوي لم يكن آخر مخاوفي، لكني تعلمت كيف اتعايش معه حتى يصبح صديق نجاحي ومواجهته بحد ذاتها اضعفته وأصبحت اراه اليوم بجسد كامل لا بنصف جسد كما كنت اراه بطفولتي كما أسعى الا يسكنني أو يتملكني فأصبح حبيسته.

لا تعليقات

اترك رد