كُرّاسِي الْمَدْرَسِيُّ خُطَايَ إِلَيَّ


 

لولا الخربشات ما استقامت الخطوط.
لولا المُسَوَّدَات ما كانت الصّحائف.
لولا الإيمان بالقدرة ما كان فعل.

ليس أصدق من كرّاسات التّلاميذ توصيفا للدّرس ولحظّهم منه، وليس أصدق منها بيانا لصلتهم بموضوع التّعلّم إقبالا أو إعراضا، وليس أفصح منها لسانا يُخبر عنهم.

تتصفّح كرّاساتِهم فإذا هي تنبئ عنهم؛ عن شخصيّتِهم، ذوقِهم، ميولِهم، مشاعرِهم… وهم يتخيّرون غُلُفَها وألوانَ خطوطها، ويرتّبون متونَها…

متونها !!! خلاصةُ ساعِ الدّرس، مرايا تجلو صُورَهم: قادرين أم عاجزين، ذوي شأن أم لا شأن لهم، مؤمنين بقدرتهم أم منكرين لها، يبنون معارفهم أم لا يفعلون…

كرّاساتهم… قد تقرأ في صفحاتها الأولى أسماءهم، أقسامهم، مادّة درسهم… فيجتمع في هويّتها الخاصّ والمشترك، الذّاتيّ والموضوعيّ، الأنا والآخر، الكيان والمكان، المتعلّم والمعلّم والمعرفة…

ولكن هل يجتمع هؤلاء في بقيّة الصّفحات؟

لِمَ تجد زمرة منهم يحتفون بأمالي أستاذهم وتقييداته يفردون لها القسم الأكبر، ويجتهدون في التّنظيم والتّبويب والخطّ والإعلام، ويخصّصون قسما ضئيلا آخر الكرّاس لأعمالهم المنزليّة يستنقصونها يخطّونها وجيزة على عجل، ثمّ هم لا يعودون إليها بعد الدّرس؟

لمَ يُدعَون أثناء الدّرس إلى تمارين في الإنشاء أو التّاليف أو الصّوغ فلا يكتبون في كرّاساتهم بل في مِزقٍ منها يقتطعونها فهي أسْقاطهم بعد حين.

لم لا تجد في كرّاسات البعض أثرا لأعماله الفرديّة ولاجتهاداته؟ لم لا يهتمّ آخرون بما خطّه الأستاذ على اللّوح فهم زاهدون فيه؟…

لا معنى للكرّاس المدرسيّ إذا لم يَجْلُ مشروع تعلّم ينخرط فيه المتعلّم يَضبطُ وأستاذَه غاياتِه وأهدافَه في ضوء حاجاته القريبة وآماله البعيدة، وإذا لم تصُغ مفرداتِه انتظاراتُ المتعلّمين وأسئلتُهم، فِكرُهم وخواطرُهم، حيرتُهم وشكُّهم، رؤاهُم وأحلامُهم؛ حواريّةٌ بنّاءة بينهم وأستاذهم وبين المتعلّمين أنفسهم. لا معنى له إذا لم يخطّوه حرفا أصيلا.

لا معنى للكرّاس المدرسيّ إذا لم تجتمع فيه أصواتُهم وأصداؤُها، والخطُّ والتّوقيعُ (1) والرّأيُ ومُستدركُهُ، والمتونُ تُستقْصى بالجِدّ حواشيها؟

لا معنى للكرّاس المدرسيّ إذا لم تكن متونه جنى جهدٍ يبذله المتعلّم مؤمِنا به، معتزّا به، مُعترَفا له به، مُقدَّرا حقّ قدره، وإذا لم تكن ذي المتونُ عقلَه زيدت فيه عقولُ غيره أستاذِه وصحْبِه؟

لا معنى للكرّاس المدرسيّ إذا لم يكن المتعلّم فيه حرّا مُرِيدا قادرا، إذا لم يكن صورة الذّات تعرف حاجتَها وتُصلح افتقارها وينسخ عزمُها تقصيرَها، وحلمُها واقعَها.

لا معنى لكرّاسنا المدرسيّ إذا لم يكن بعد رحلة درس خُطَانا إلينا.

(1) التّوْقِيعُ في الكتابِ: إِلْحاقُ شيء فيه بعد الفراغِ منه.

لا تعليقات

اترك رد