مآسي التاريخ – ج 3

 

يعتبر القانون أسمى مظاهر التقدم المجتمعي وهو الخيط الرفيع الذي يجمع بين كل مكونات الشعب وينظم علاقات الناس بالمؤسسات، وبما أن العلاقات مريضة بين الجميع داخل المجتمع فأكيد القانون أيضا سيصاب بالعدوى وخصوصا داخل الأنظمة العسكرية والاستبدادية. الشيء الذي يؤدي إلى تردي العلاقات الاجتماعية من استغلال النفوذ والرشوة والمحسوبية، فالإنسان العربي الذي لا يحترم القانون أو يتجازوه هو نفسه الإنسان الذي يحترمه وينضبط له حين يفرض عليه في بلد غربي.

لكن ألا يحق أن نتساءل لما هته الازدواجية في التعامل مع القانون؟ أكيد هناك تراكمات تاريخية ونفسية واقتصادية واجتماعية وسياسية، إلا انه من الضروري العمل على فهم هذه الظاهرة والسعي نحو تغييرها. فالفرد طرف في المعادلة إلا أننا لا يجب أن ننسى الدولة كطرف ثاني والنخبة والمؤسسات العاملة على تطبيق هذا القانون واحترامه.

يعرف عامة بأن المجتمع الذي تقل فيه الخيرات المادية وقصور في الإنتاج تحتد فيه الصراعات الإجتماعية من أجل الحصول على الامتيازات وعلى هذا المنتوج القليل، وتستعمل جميع الوسائل الشرعية واللاشرعية من طرف النخبة المسيطرة للاستيلاء عليه. إلا أن الملاحظ أنه حتى في الدول العربية الغنية نفطا وغازا تنتشر جل الصراعات والظواهر الاجتماعية التي لا تمت للحضارة بشيء، فالمشكل ليس مشكلا ماديا فقط بل في التركيبة النفسية والاجتماعية للإنسان العربي.

فالفرد والنظام كليهما يتحملان ما وصلت إليه الشعوب العربية، حين تمعن النظر في بلد أوربي وتلاحظ كيف يصطف الناس بكل نظام وهم يركبون القطار دون أن ننسى أنهم يعرفون جيدا أن لكل واحد مكانا مخصصا له. في الجانب الآخر من المتوسط، الناس تتدافع لركوب الحافلة المكتظة يوميا، دون أن ننسى أن هؤلاء الذين يتدافعون يعرفون أن الحافلة التالية ربما تأتي أو قد لا تأتي وهم ملزمون بالوقت والعمل. ومع مرور الوقت يصبح هذا التصرف لا شعوريا لذا نجد الناس يتدافعون حتى في الصعود إلى الطائرة، وهم يعرفون أن الأماكن محجوزة ومرقمة.

للأسف نعاني في عالمنا العربي من مظاهر التحول الكثيرة وغير المقننة فلا شيء متأصل ومتجذر، وعلاقتنا بالقانون تعكس أيضا تمزقنا بين الثابت والمتحول. فجل الدول العربية لم تستطع توزيع ثمار التقدم والثروات بصفة عادلة، بل عملت على جمع كل السلط والثروات في يد نخبة تخرق القوانين العادلة التي سنتها هي بنفسها.

فالفرد العربي شاهد على خرق القوانين من طرف الدولة والأنظمة السياسية المتعاقبة من تزوير الانتخابات والمحسوبية إلى غير ذلك، فكيف يحترم هو هته القوانين ويعيش تحت ظلها. في الدول العريقة ديمقراطيا لا أحد فوق القانون وكل يحاسب ويعطى المثل للجميع من أجل احترام القانون والدستور. فالدول العربية لا ترسخ القانون لكن ترسخ فكرة القانون المكتوب والقانون المعمول به، وبذلك يتم خرق القانون من الأعلى ويستخف به العامة، فتنهار صورة القانون وتعم الفوضى.

الدول العربية كما الفرد العربي بحاجة إلى عمليات بناء جديدة تأخذ بعين الإعتبار ما وصلت إليه الحضارات الأخرى والعقل المتطور والتنويري، بحاجة إلى فهم الواقع بطريقة صحيحة ومحايدة لطرح تصورات للحياة المعاشية اليومية للفرد ووضع حلول وأفكار للخروج من الأزمة.

فجل الدول العربية الآن تحاول الخروج من جلباب الإستبداد والأنظمة العسكرية التي تحكم بيد من حديد نحو أنظمة أكثر عدالة اجتماعية وتفتح وإصرار على العمل على تنمية المجتمع وفرض التعليم كقاطرة لتحديث المجتمع وتلقينه دروس الحياة الجديدة. مما سيفرض على الفرد العربي الخروج من قوقعته ومن مظاهر الخضوع التي تربطه بالنخبة الحاكمة.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    اتفق معك اخي عبدالله
    الدول العربية في حاجة لعمليات اعادة اعمار بطريقة صحيحة وموضوعية للخروج من دوامة التخلف والأنظمة الاستبدادية

اترك رد