حديث عن الجوهر في الفن والجمال – ج2


 

“لو لم تكن هناك صفة مشتركة تشمل الأعمال الفنية جميعا لكان حديثنا عن الأعمال الفنية نوعا من الثرثرة” (كلايف بل).

ما نوع هذه الصفة التي توحد بين الأعمال الفنية وتخرج بنا من الثرثرة والقيل والقال عن الفن والفنانين والأعمال الفنية؟ ما هي مكوناتها؟ كيف يمكن تحديدها؟ هل تعد لوحدها أساسا لكل حكم جمالي، أم هناك صفات أخرى تنافسها، لها دورها في العمليات النقدية التقييمية؟

يرى كلايف بل أن منهج اكتشاف هذه الصفة هو “التجربة الجمالية” L’expérience esthétique، التي تساعد في الحكم على أي منجز أنه عملا فنيا. فبعد اختباره حسيا ندرك ما يميزه كعمل فني بعيد عن صفات الشيء العادي.

من المعروف تاريخيا أن الشيء يعتبر عملا فنيا إذا كان ينتمي جَنيسيا génériquement إلى عالم الفن، فمثلا السمفونية الموسيقية تعتبر قطعة فنية لأنها جنيسيا تنتمي إلى نوع من الموسيقى المؤرخة و”المفهرسة” كمجال فني، نفس الشيء بالنسبة لشريط مصور Bande dessinée، أو لوحة فنية أو عمل سينمائي.

وماذا لوكان الشيء فاقدا ل “جنيسيته”؟

كيف يتمكن شيء من الأشياء العادية أن يصبح أثرا فنيا؟ ما الذي يعطيه قيمته الفنية؟ كيف يتحول شيء ذات فردية ذاتية، مستقل عن الأنساق الجمالية المتعارف عليها، إلى عمل فني؟ تساؤلات هامة اشتغلت عليها الفلسفة التحليلية الديالكتيكية. تساؤلات يمكننا أن نطرحها حينما نكون في مواجهة أشياء تقترح علينا باعتبارها أعمالا فنية، و لم تتدخل يد الفنان في إنجازها. أشياء فارغة من أي حمولة ثقافية، تُعتمَد لتبنيها وقبولها كأعمال فنية تثير انتباه المتلقي وفضوله، كيفما كان نوع ذلك المتلقي.

حتى إذا اعتمدنا مقولة أن كل شيء عادي يمكنه أن يتحول إلى أثر فني تحت ظروف معينة، وأن كل أثر فني يمكن توظيفه كشيء عادي، خال من أي حمولة إستطيقية، فلن تجدي نظريات فلسفة الفن المعاصرة في استنباط رمزية ودلالة أشياء غادرت شيئيتها وارتقت إلى عالم الفن.

فالشطر الأول من هذه المقولة يحيلنا إلى المقاربة الفلسفية الجمالية التحليلية التي طرحت إشكالية الكيفية التي يعلو بها ويتسامى شيء عادي حتى يصبح أثرا فنيا، وهي مقاربة أنجلو سكسونية اهتمت بقيم الفن المعاصر. وخير مثال “مبولة” الفنان الفرنسي مارسيل دوشان Marcel Duchamp (1887-1967)، التي تحولت من وظيفتها الأولى إلى عمل فني يسكن أروقة المتاحف العالمية. بينما الشطر الثاني من المقولة يعود بنا إلى المقاربة الفلسفية الجمالية الديالكتيكية النقدية التي طرحت التساؤل حول الكيفية التي ينحط بها الأثر الفني إلى درجة شيء عادي، وهي مقاربة أوربية جرمانية الأصل، اهتمت بقيم الفن الحديث، ونجد لها مثالا حيا في لوحة من لوحات الفنان الهولندي رامبرانت Rembrandt (1606 – 1669) التي استعملت كسترة لنافذة تقي من الحر والقر. وانطلاقا من هذه المقولة الفلسفية بشطريها، يطفو على السطح التساؤل: متى يكون هناك فن؟ (When is art ?). تساؤل إشكالي طرحته الجمالية التحليلية L’esthétique analytique، في شخص الفيلسوف الأمريكي نيلسون ﯕودمان Nelson Goodman (1906 – 1998).

إن الأثر الفني يؤول، حسب النظرية التحليلية، انطلاقا من ثلاثة موجهات:

– موجه الدلالة،

– موجه التعاقد،

– موجه التجربة الجمالية l’expérience esthétique.

حسب تعريف الفيلسوف الأمريكي مونرو بيردسلس Monroe Beardsly (1915 – 1985) أن الأثر الفني هو الشيء الذي يشكل موضوع تجربة جمالية (إستطيقية). وهذه التجربة هي المعيار الذي يحدد ماهية الشيء كي يصبح شيئا فنيا Objet artistique. فالتجربة الجمالية لها معاييرها الخاصة التي تجعلها تختلف عن تجارب أخرى، وبالتالي تجعل الشيء يٌقبَل جماليا.

تتحدد خصوصيات التجربة الجمالية انطلاقا من الشيء نفسه، إذا كان حاملا لبذرة تلك التجربة، كلوحة رامبرانت، التي لم تفقد قيمتها الفنية رغم تغيير وظيفتها. وفي حالة أخرى يكون الشيء فاقدا لما يساعد على ضبط خصوصيات التجربة الجمالية، ومن تم لا يمكن الحديث عن شيء فني Objet d’art. بالنسبة للشيء العادي، حتى أعتبره أثرا فنيا يجب أن يكون له أثر في نفسي حينما أكون أمامه، يجب أن يؤثر في عاطفيا. فمثلا طاولة عادية، رغم أنها شيء عادي أي “أثر متحول” حسب مفهوم إمبرتو إيكو، سيكون لها أثر في نفسي كما يؤثر في أي عمل فني آخر، إن هي تتوفر على معايير جمالية تجعلها تختلف عن تجارب أخرى. فالتجربة الجمالية هي اختبار للحكم على أن شيئا عاديا ينجح جماليا.

و”لا يمكن الحديث عن الفن، أي الصفة الجمالية أو الخبرة الجمالية أو الحكم الجمالي إن لم نتفاعل حسيا وخياليا مع الأعمال الفنية”.

هل الجميع يتوفر على “الخبرة الجمالية” التي تمكنه من إصدار حكما جماليا؟ هل التفاعل الحسي والخيالي مع الأعمال الفنية قاسم مشترك بين جميع شرائح المجتمع أم هو تفاعل ذاتي، خاص بكل فرد ويختلف من شخص إلى آخر؟ يبدو حسب ما استنتجته من حواري مع صديقي الطبيب، الذي أشرت إليه في نص سابق، أن الانفعال الجمالي هو انفعال الخاصة وليس انفعال العامة من الجمهور. أي أنه خاص بجمهور محدد، حامل لثقافة معينة تؤهله لتذوق الفنون وتقبلها والحكم عليها، وحينما تغيب هذه الثقافة تتحول آثار الانفعال الجمالي إلى مشاعر أخرى وإثارة مختلفة، منها ما هو موسوم بالأخلاق أو الدين أو السياسة أو الفلسفة…أو مشاغل الحياة، ومن تم لا نرى مكونات العمل الفني كأشكال دالة ولكن كدلالات عن “الشكل الدال” وكفى.

إن الخبرة الجمالية خبرة ذاتية تنبني على مكونات الشخصية. فخبرة المتذوق تختلف عن خبرة الناقد، وخبرة المتلقي تتفاوت وخبرة الفنان نفسه. وكم من فنان غير راض عن حكم الناقد، وكم من ناقد غير معجب بعمل الفنان. يعود هذا كله إلى التباين الحاصل على مستوى “الخبرة الجمالية”.

يؤكد (كلايف بل) أن “ذاتية الخبرة الجمالية ليست عائقا في بناء نظرية تفسر طبيعة الفن”، إذ يفترض حصول اتفاق على عمل أنه فنا مع الاختلاف حول جماله أو قبحه أو بشاعته أو رداءته. ويعرف عمل ما بأنه عمل فني إذا أثار في المتلقي

انفعالا جماليا، و”هذا الانفعال هو نوع من العاطفة نشعر به عندما ندرك أو نتذوق العمل الفني جماليا”.

إثارة، انفعال، عاطفة…كلها مصطلحات من قاموس الحساسية، بعيدة عن العقل. من هنا يبقى التساؤل: أليس للحكم الجمالي جانبه العقلاني، أم الأحكام كله تستجلي قيمها من عوالم الحساسية؟

“يتميز الانفعال الجمالي بالمتعة والانفتاح الخيالي والحدس المعرفي والنشوة، وبنفحة من الدفيء الإنساني والأمل والعزة…ويعتمد عمق وقوة وغنى الانفعال الجمالي على عمق وقوة وغنى الصفة الجمالية الكامنة في العمل الفني”.

هل كل الأعمال تتوفر على صفة جمالية كامنة؟

هل الصفة الجمالية في الوقت الراهن، مازالت عنصرا أساسيا من عناصر الحكم الجمالي؟ خصوصا وأننا نعيش زمنا فنيا يتخلله اتجاهان فنيان: الأول يعيش ظاهرة تمثيل وتكرار واجترار ما سبق، منجزاته لا تخلو من كونها منتوجات جانبية Sous-produits، خسرت دلالتها الشكلية حين انشغالها ب «التمثيل الدقيق والبراعة المتباهية”. وللإشارة أنني هنا لا أقصد التمثيل Représentation بمعناه التصويري المحاكاتي، بل بمعناه العام، حيث تكون المحاكاة فعلية حيثما حصل التكرار، تكرار أساليب وتقنيات ومناهج…وغاب إبداع الجديد. ألا يعتمد هذا الاتجاه البراعة التقنية التي ورثها عن تيارات فنية، أصبحت أكاديمية، منها التصوير والتجريد والتكعيبي والسريالي والفطري…ولعل تفشي عنصر التمثيل هو ما جعل الفنان يعيش داخل حلقة مفرغة (Cercle vicieux).

تبنى الاتجاه الثاني فنا راهنا، ما بعد حداثيا، جوهره الانتهاك والابتذال والتهجين والدجل والسخرية…

لا تعليقات

اترك رد