بغداد – إربيل بين دبلوماسية ” القوة الناعمة ” وحافة الهاوية


 

أعلنت المحكمة الاتحادية العليا أنها ستبتُّ في الدعاوى المرفوعة ضد مسؤولين أكراد بتهمة المشاركة في الاستفتاء على الانفصال، وذلك بعد قرارها بعدم قانونية إجراء الاستفتاء. ويأتي هذا التطور بعد رفض الحكومة الاتحادية إجراء حوار مع قيادة إقليم كردستان قبل إلغاء نتائج الاستفتاء، وهو ما أفادت به رئاسة حكومة الإقليم التي قالت: إن بغداد ترفض البدء في حوار مع إربيل لحلّ الملفّات الخلافية، لكن ذلك لم يمنع من إرسال الإقليم وفداً إلى بغداد للقاء القيادات السياسية.

ولعل ثمة عقبات كبيرة تواجه الموقف الكردي، أولها النقد الذي تعرّضت له قيادة إقليم كردستان لإصرارها على إجراء الاستفتاء وثانيها التصدّع الذي أصاب الوحدة الكردية بسبب الانقسام في مواقف الحركة الكردية وثالثها الأوراق التي تملكها بغداد وتستطيع اللعب بها، وهو ما لم تحسب له قيادة الإقليم حسابها . ولعلّ موقف حكومة الإقليم لا تُحسد عليه بسبب إصرار بغداد على تخفيض حصة الإقليم من الميزانية العامة من 17% إلى 12.67% وهي ميزانية العام 2018 .

وقد تعزّزت ثقة بغداد بنفسها بعد النجاحات التي حققتها بالمعارك العسكرية، ولاسيّما في تحرير الموصل، وبعد تحرير قضاء القائم على الحدود العراقية- السورية وإخراج ما تبقّى من مقاتلين دواعش من راوه. تكون السلطات الاتحادية قد بسطت سيطرتها على كامل الأراضي العراقية التي كانت قد احتلّها داعش. وكانت بغداد قد طلبت عشية تحرير قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك من سلطات إقليم كردستان تسليمها إدارة المطارات والمنافذ الحدودية التي كانت عملياً تحت سيطرة قوات البيشمركة منذ احتلال العراق العام 2003

وباتفاق بعد العام 2005، إضافة إلى بعض حقول النفط والأراضي المتنازع عليها، وخصوصاً الأراضي التي قامت بتحريرها من أيادي داعش.

وكانت محطة الاستفتاء الكردي في 25 سبتمبر/أيلول 2017 مفترق طرق بين الإقليم والحكومة الاتحادية، ولم تفلح المحاولات المتعدّدة في ثني إدارة الإقليم من إلغاء الاستفتاء أو حتى تأجيل موعده، الأمر الذي عاظم من الأزمة المستفحلة أصلاً بين بغداد وأربيل وفي العراق عموماً، وهي أزمة حكم مستديمة، لدرجة أنها بعد احتلال داعش للموصل أصبحت البلاد كلّها على حافة الهاوية أو على شفير حفرة كما يقال.

وإذا كانت النتائج قد حُسمت حتى الآن لصالح بغداد، دستورياً وعسكرياً وقضائياً، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والتجارية والنقل والمواصلات وغيرها، وكل ذلك بدعم إقليمي إيراني وتركي، وتأييد دولي إلى حدود غير قليلة، فإن تغيير موازيين القوى دفع بغداد للمطالبة من الكرد اعترافاً صريحاً وواضحاً بشأن إلغاء الاستفتاء والنتائج المترتبة عليه قبل أي حديث عن حوار حول المشكلات العالقة ، ولاسيّما بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم قانونية إجرائه، بل إن بغداد تريد تنازلاً أكبر من الإقليم باتجاه تأكيده الالتزام بوحدة العراق، خصوصاً وإن الدستور هو الضامن لها حسب نصوصه، ولاسيّما المادة الأولى منه.

فما هي التوقّعات بشأن الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم؟ وماذا تريد بغداد من إربيل، وهذه الأخيرة من بغداد؟ وإذا كان الضغط الأمريكي قد دفع الطرفين إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات بشأن القضايا الفنية والتداخلات الميدانية، فإنه لم ينجح حتى الآن سياسياً في إجراء حوار للتوصّل إلى توافق بخصوص المشكلات القائمة وبعضها معتّقٌ، وخصوصاً مشكلة كركوك المزمنة والمستعصية، وذلك لأن بغداد تضع شروطاً مسبقة أولها هو إبطال مفعول الاستفتاء، في حين أن الإقليم وإنْ تراجع، فإنه لا يريد إعطاء مثل هذا المستند إلى بغداد، أي لا يرغب التوقيع على ورقة بيضاء يمكن استخدامها ضده في المستقبل، سيّما وأنها تتعلّق بالحلم الكردي في إقامة دولة، حتى وإن أخطأ التقدير والتوقيت والتكتيك، وهو يحاول بعد تغيّر موازين القوى وخيبة الأمل والمرارة من القوى الدولية

والإقليمية، أن يناور ويداور، عسى أن يتمكن من تأجيل البت في نتائجه لبضعة سنوات أخرى.

ومع ذلك فلم تتوقف “دبلوماسية الهاتف” التي تحاول التهدئة، ولاسيّما في المناطق التي تحتشد فيها القوات الاتحادية وقوات البيشمركة ، وهناك مسؤولون حكوميون وآخرون غير مباشرين، منخرطون في التهيئة للمفاوضات الخلفية ، على أمل أن ينعقد الحوار رسمياً، خصوصاً بتحلحل بعض المواقف الكردية، وهو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز.

ولم يعد بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا أمام الإقليم سوى الإقرار به، وإلاّ فإن رفضه سيتسبب بإشكالات جديدة قد لا تكون كردستان قادرة على مواجهتها أو تحمّل تبعاتها بعد إجراءات بغداد التقييدية، علماً بأن المحكمة قرّرت عدم قانونية إجراء الاستفتاء طبقاً لتفسيرها للمادة الأولى من الدستور التي تنصّ على “أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق”.

وتدرك حكومة الإقليم، ولاسيّما بعد استقالة رئيس الإقليم مسعود البارزاني في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أن ليس بإمكانها المضي في طريق الجفاء والافتراق مع بغداد، ، ولذلك سارعت للتعبير عن احترامها لقرار المحكمة الاتحادية، وأكّدت إن ذلك يمكن أن يكون أساساً للبدء بحوار وطني شامل لحل الخلافات الدستورية بأكملها.

وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد أكّد أن لا حوار قبل تسليم المنافذ الحدودية جميعها والمطارات والانسحاب من الأراضي المتنازع عليها لبسط قوات الحكومة الاتحادية كامل سلطتها، وجاء مثل هذا التصريح مؤخراً إثر لقائه مع رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق يان كوبيش، الذي بحث معه الإجراءات الحكومية، مؤكداً على ثوابت الحكومة الاتحادية التي هي في الوقت نفسه لصالح المواطنين الكرد. جدير بالذكر إن القوات

الاتحادية من جيش وشرطة اتحادية وقوات مكافحة الإرهاب إلى جانب الحشد الشعبي كانت قد دخلت كركوك والمناطق المتنازع عليها يوم 16/10/2017.

لقد اضطرّ إقليم كردستان إلى التراجع عن موقفه المتشدّد قبيل اندلاع الأزمة، لاسيّما حين انتشرت قوات الحكومة الاتحادية، والأمر يعود إلى أن بغداد مارست سياسة مرنة من جهة وصلبة من جهة أخرى، وهي “دبلوماسية القوة الناعمة”، خصوصاً وقد دعمت إجراءاتها بنصوص دستورية وتطبيقات قضائية، وساعد في ذلك الخلافات الحادة بين الأحزاب السياسية الكردية وخصوصاً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) وكتلة كوران (التغيير) والجماعة الإسلامية وفريق من الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، وبسبب عدم وجود موقف كردي موحد اضطرّت قوات البيشمركة إلى إخلاء مواقعها للجيش العراقي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحادّة لامتناع بغداد عن دفع الرواتب قبل تسديد واردات الحقول النفطية إليها.

ولعبت ظروف الحرب مع داعش وعبء وجود ملايين اللاجئين العرب، دورها في اختلال موازين القوى لصالح بغداد التي بدت موحدة من جانب الشيعية السياسية الحاكمة والسنّية السياسية المشاركة ، كما حصلت على دعم إقليمي حين رفضت كل من إيران وتركيا، إضافة إلى سوريا التعامل مع الإقليم خارج موافقة السلطة الاتحادية، ولذلك لم يبق أمامه سوى المفاوضات حتى وإن تضمنت بعض التنازلات، تلك التي تريدها بغداد صريحة وواضحة.

وثمة مشكلات أخرى على هذا الصعيد ، خصوصاً وأن عدداً من النواب الكرد يخضعون للمساءلة القانونية، فكيف يمكن الوصول بالحوار إلى شاطئ السلام في حين إن القضاء يتحرّك لملاحقة النواب الأكراد الذين صوتوا لصالح الاستفتاء ، ولهذا فإن تشدّداً جديداً قد يرافق العلاقة بين بغداد وإربيل، وهو ما دعا رؤوساء الكتل الكردية إلى الاجتماع والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية، وهو خيار مفتوح حسب ما تم التعبير عنه، وقد يحتاج الأمر إلى صفقة سياسية على غرار الصفقة التي تمت بين البارزاني ونوري المالكي عشية قبول الأول بتجديد ولاية ثانية للمالكي.

يذكر أن 14 نائباً كردياً في مجلس النواب العراقي يواجهون حكماً بالإعدام لمشاركتهم في استفتاء الانفصال مؤخراً، وقال رئيس كتلة الاتحاد الإسلامي الكردستاني في البرلمان العراقي مثنى أمين وهو أحد هؤلاء النواب الذين رفعت ضدهم دعاوى قضائية لمشاركتهم في الاستفتاء “إنهم يريدون محاكمتنا وفقاً للمادة 156 من قانون العقوبات العراقي لأننا قمنا بالإدلاء بأصواتنا بطريقة ديمقراطية ومدنية لصالح الاستقلال كبقية الكرد.

وتنص المادة 156 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه ” يعاقب بالإعدام من ارتكب عمداً فعلاً بقصد المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها وكان هذا الفعل من شأنه أن يؤدي إلى ذلك” لكن هذه المادة ألغي العمل بها في إقليم كردستان بموجب القانون رقم 21 لسنة 2003، وتلك إشكالية دستورية وقانونية أخرى، تواجه نصوص الدستور العراقي الذي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة لاحتوائه على الكثير من الألغام، فضلاً عن تنازع الصلاحيات بين الإقليم والسلطة الاتحادية،إضافة إلى صيغة “المكونات” التي اعتمدها الدستور ووردت في نصوصه ثماني مرّاتعلى حساب فكرة المواطنة ، وليس تلك سوى المحاصصة الطائفية – الإثنية، التي كانت سبباً أساسياً في أزمة الحكم في العراق، ناهيك عن علاقة البيشمركة (كحرس للإقليم) في إطار القوات المسلحة العراقية، وازداد الأمر تعقيداً بتداخل ذلك مع قوات الحشد الشعبي بعد هيمنة داعش على الموصل.

إذا كانت الدبلوماسية الناعمة التي اعتمدتها بغداد بخصوص الاستفتاء، فهل ستستمر بها؟ وهل ستحاول إدارة الإقليم هي الأخرى التمسك بها للوصول إلى حلول ممكنة وعملية؟ وإلاّ فإن حافة الهاوية ينتظر العلاقة المهزوزة والضعيفة الثقة بين بغداد وإربيل.

لا تعليقات

اترك رد