سمورامات ( بين الحقيقة والخيال )

 

احتلت المرأة مكانة بارزة في الحضارة الرافدينية القديمة ومنذ بداية الوعي الاول عند الانسان زادت تلك المكانة مع ظهور الزراعة وارتباطها بالأرض ومبدأ الخصب والتكاثر فأضحت هي الام ، والإلهة الحامية ، والكاهنة العليا ، والملكة ، وإعطائها المجتمع مكانة متميزة من خلال دورها داخل الاسرة او دورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية هذه المكانة والدور الذي لم تسبقها غيرها من النساء في بعض الحضارات القديمة .

حتى ذاعت صيت بعض تلك النسوة والملكات في بلاد الرافدين في كل انحاء بلدان الشرق القديم ، ونسجت حولهن العديد من الروايات الاسطورية التي حملتهن الى مصافي الالهة . ومن تلك الملكات التي اشتهرت بجمالها وقوتها وذكائها والتي احيطت بهالة مثولوجية واسعة اخرجتها من الاطار التاريخي الحقيقي لها هي ملكة اشور المسماة (سمورامات (محبوبة الحمام))و(التي تحولت الى (سميراميس) باللفظ اليوناني الذي جاء به ديودورس الصقلي). وربما ان اسمها هو ما اوحى بتلك النظرة الخيالية تجاهها وخاصة ما يتضمن قصة ولادتها التي صاغتها العقلية والأساطير الهلنستية اذ يذكر لنا الصقلي قصة ولادتها بان احدى الالهة ولدتها وتركتها في برية بابل بين مجموعة من الحمام التي اخذت ترعاها وتطعمها الى ان اخذها احد الرعاة وربها وسمها (سميراميس)ومن ثم زوجها من احد الضباط المسمى اونس التابعيين للملك الاشوري(نانيوس) الذي وقع في حبها وفتن بجمالها ومرة كان اونس هذا مع ملكه ناينوس في حملة عسكرية ضد باكتريا(افغانستان حاليا) وعندما طال امد تلك الحملة ارسل اونس في طلب زوجته سميراميس ولما اجاءت ورأت حال الجنود وحالة اليأس التي عمت الجيش فطلبت ان تُمنح عدد من الجنود ، وعندما تسلمتهم هجمت على القلعة وفتحتها ، ولما رأى الملك ناينوس تلك الشجاعة والذكاء اعجب بها فأخذها من ضابطه وتزوج بها فأنجبت له ولد اسمه نيناس.

ورغم كثرة المبالغات والطابع الاسطوري المبالغ فيه إلا ان هناك بعض الحقائق وهي ورود بعض الاسماء التي تطابق اسماء الشخصيات المعروفة في بلاد اشور كما اوردها البروفسور الاحمد فالحمام من الطيور المفضلة عند الاشوريين والحضارات السامية القديمة ، اما اسم الضابط اونس فهو مشابه لاسم احد الالهة البابلية القديمة اؤنس (نابو) الذي اتى من البحر وعلم الناس الكتابة.

وما نجده في شخصية سمورامات انها لم تقف عند ديودورس الصقلي بل تناولتها الاساطير الاخرى ونسجت قصص عديدة حولها فقد تناولها هيرودتس في كتاباته ، كذلك الاساطير الرومانية والأرمينية والهندية ، كذلك كتاب العصور الوسطى والحديثة فنجدها تتجسد في قصص شكسبير في احد مسرحياته (تيتوس اندرونيكوس) و نراها تظهر لنا في مسرحية اخرى يجسدها بحب سميراميس للمتعة والجنس. ويذكر بيرون في مقطوعة له عن شجاعتها وما قامت به من اعمال وشجاعة في بكتريا.

هذه الاساطير وهذه الروايات تجعلنا امام تساؤل من هي سميراميس ولم هذه الهالة من الاهمية التي جعلتها تأخذ حيز كبير في العقلية الاسطورية للكتاب والمؤرخين قديما وحديثا…؟ وكيف يذكرها التاريخ وما هي تفاصيل حياتها الحقيقية بعيدا عن تلك ألمبالغات؟

فسميراميس(سمورامات) هي ملكة اشورية وزوجة الملك الاشوري (شمشي- ادد الخامس823-810ق.م) . لما مات زوجها كان ولدها الوحيد وولي العهد(ادد –نيراري الخامس) قاصرا فصارت امه سمورامات وصية عليها مدة ثلاث سنوات وقد عثر على مسلة في بلاد اشور ورد ذكر اسماء ملوك اشور فيها من بينهم اسم (سمورامات) زوجة شمشي- ادد الخامس ، وهناك نقش اخر وجد في مدينة كالح (النمرود) مكتوب على تمثال الاله نابو ومعنون اليه من حاكم بلدة بل – تارو- الوما

وفيه يسال الاله ان يعطي الصحة والعافية الى الملكة سميراميس والملك ادد- نراري ابنها . ومجرد ذكر الاسم يتبين انها كانت تتمتع بالاحترام والهيبة في بلاد اشور.

كما يذكر لنا التاريخ انها خلال تلك السنوات الثلاث استطاعت ان توسع رقعة الامبراطورية وتقضي على كل الثورات والمعارضات ودحرت جيوش الكلدانيين والميديين ولمع اسمها في تلك الفترة . لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية. فهي رغم أنها تشارك سكان آشور بالحضارة المشتركة ، إلا أن اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات المذهبية والثقافية اذ استطاعت ان تشيع مثل هذه المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى كافة جوانب الحياة في نينوى. فأضفت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية البابلية على المذهب الآشوري الذي كان يتسم بنوع من تقديس الفحولة المتمثل بالإله آشور وكذلك الميل إلى منطق القوة الحرب. بل حتى انها نجحت بإبراز ادوار آلهة كانت ثانوية عند الآشوريين مثل اله الحكمة (نبو). لقد ملكت (سمورامات) كالملوك العظام، حيث أقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة المسلات في معبد آشور، وقد سجل على هذه المسلة العبارة التالية: ((مسلة سمورامات ملكة سيد القصر ( شمشي – دد) ملك الكون ملك آشور والد (ادد- نراري) ملك الكون ملك آشور وكنة (شلمانصر) ملك الجهات الاربعة.)) ربما ان ما امتازت به تلك الملكة من جمال مصحوب بذكائها وحنكتها السياسية والعسكرية جعلت اغلب الكتاب تجمع بينها وبين شخصية الالهة عشتار في وجهين ،الوجه الفاتن الجميل في نصف حياتها الاول ، ثم الوجه القاسي ، المحارب ، المتآمر ، والطموح في نصف حياتها الثاني الذي يبدأ بالزواج من ضابط اشوري ومن ثم الزواج من الملك والبراعة في فنون القتال وإدارة الدولة وهذه الصفات هي اعلى تجليات الالهة عشتار التي عرفناها في الاساطير الرافدينية .. لذا يذكر السواح ان تلك الاساطير التي نسجت لسميراميس اريد بها بعث عشتار في صيغة امرأة او ملكة حقيقية فكانت (سمورامات-سميراميس) خير ممثل لهذه الالهة.

لا تعليقات

اترك رد