( شهداء الروضة ) .. قراءة ثالثة للمشهد


 

من حين إلى آخر ينتابني شعور قوي بأن من قاموا بقتل المصلين في مسجد الروضة في سيناء ليسوا مسلمين وليسوا مصريين حقيقة لا مجازا، وأنا بذلك أخالف تيارا جارفا لفريقين متخاصمين، ومختلفين -أيضا- في قراءة المشهد.
وأظن أن شواهدي على ذلك الشعور الرائح الغادي جديرة بالقراءة.
تعودنا في الآونة الأخيرة أن تكون هذه العمليات في مصر موجهة ضد أفراد الجيش أو الشرطة، وذلك لاعتقاد جماعات الإرهاب والتطرف بأنهم جنود لجيش الردة، حسب قولهم وما ورد على ألسنتهم في بعض تسجيلات الصوت أو الفيديو التي تابعها كثيرون على مدى بضع سنوات فائتة، أو موجهة ضد إخوتنا الأقباط وكنائسهم.
أضف إلى ذلك أن لا جماعة من تلك الجماعات الإرهابية التي نسمع عنها أعلنت مسؤوليتها عن الحادث حتى الآن، وهي التي غالبا ما تسارع في إعلان مسؤوليتها عما شابه من أحداث، معتبرة ذلك إنجازا ونصرا مبينا، حتى أننا -أحيانا- لنجد أكثر من معلن مسؤوليته عن الحادث الواحد.
صحيح أننا سمعنا عن.. وشاهدنا تفجير مساجد ودور عبادة من قبل، لكن ذلك كان مرتبطا دائما بمناطق الخلافات الطائفية (سنة وشيعة) أو العقائدية (ملسمون ومسيحيون، مسلمون وبوذيون)، أما مسلمون إرهابيون -وأنا لا أدافع عنهم بل أبرأ إلى الله منهم ومن أفعالهم الإجرامية البشعة- ومسلمون عزل أبرياء، بينهم أطفال وشيوخ، في مسجد، وفي وقت صلاة الجمعة، لم يحدث من قبل، وفي مصر تحديدا، مما يسوغ عدم قبول ذلك الادعاء بسهولة، بأنهم وحدهم متهمون بارتكاب هذا الجرم الآثم، إلا إذا وجدت أدلة دامغة على ذلك، ومن ثم نبدأ في التحري الجِدِّي عن دوافع ارتكاب هذا العمل البشع نوعا وكمًّا، ودراستها بشكل يهدف إلى الوصول إلى علاجات وحلول يشارك في وضعها والقيام بها المجتمع بكل طوائفه وفئاته، وطبقاته، وذلك يستوجب بالضرورة أن تقوم الأجهزة الأمنية بواجباتها على أكمل وجه، وفي مقدمتها ضرورة القبض على المنفذين -أو بعضهم- أحياء، لا تصفيتهم، والتحقيق معهم، حتى نصل إلى حقائق ومعلومات حول الجهة المنفذة والجهات التي تقف وراءها، فلا يُترك الأمر مشاعا على قارعة طريق عام، فيُدلي كلٌّ بدلوه مجتهدا أو مُفبرِكا دون بناءٍ على معلومات حقيقية.
ثم إن تصدير فكرة أن المسجد لطائفة صوفية مبتدِعة، عمل غير موفق على الإطلاق، وضرره أكثر من نفعه، فمعلوم أن الصوفيين في مصر يتجاوز عددهم الملايين وكل مصري مسلم ينزع إلى الصوفية أحيانا بشكل أو بآخر، ولم نسمع يوما أنهم مستهدفون من قبل أيٍّ كان ممن يخالفونهم في الرأي أو في أشكال التعبد، وأخشى أن تكون هذه الحملة بداية لمرحلة جديدة لبثِّ الفتنة بين أبناء الدين الواحد، وإشعالٍ لنار الخلاف والفرقة، فيما نحاول علاج جروح تقرحت بين المسلمين والإخوة الأقباط على مدى عقود مضت، فيقف المرء منا موقف الخائف والمُخَوِّن لأخيه في العقيدة، ومن ثم ندخل في صراعات عنيفة على مستوى الأفراد والقرى والعائلات، ثم الاقتتال الداخلى في أحط صوره، وبذلك نكون قد أُخِذنا في غلفة إلى فخ لا يمكن لأحد النجاة منه.
لماذا لا نبحث عمن يرغب في تخويف أهالي سيناء من البقاء فيها، وإيهامهم بأنهم ليسوا بمأمن حتى في أكثر الأماكن أمانا وحرمة؟
مَنْ مِنْ مصلحته أن تبقى سيناء بلا إعمار ، بلا بشر، ومن ثم لا يكون للتواجد العسكري للقوات المسلحة المصرية في شبه الجزيرة داعٍ، فترحل إلى غرب القناة؟
في الوقت الذي لا أستبعد فيه تورط أيٍّ من الجماعات الإرهابية في تلك الجريمة النكراء، وإن كان ذلك غريبا في توجهها وتنوع أهدافها، وتطور فكرها الإجرامي أفقيا، لا أستبعد أبدا أن تكون أيادٍ صيهيونية قد عبثت في الخفاء ولا تزال بأمن مصر عامة وسيناء خاصة، مستغلة حالة التوتر الأمني والمجتمعي في مصر، باعتبار أن عدم استقرار مصر كجزء من منطقة ملتهبة يخدم استقرارها فضلا عن وجودها، وبذلك تنعم هي بأمان في حين تواجه دول الجوار صراعات تلهيها، وتعود بها عقودا أو قرونا إلى الخلف.
إسرائيل لم تنسَ -وإن تناسى بعض العرب- أنها دولة احتلال، وأنها كيان غاصب مدعوم بقوة غربية هائلة وضعف عربي مريب، ومجموعات من المستوطنين لا يزالون يدركون أنهم راحلون في أية لحظة إلى حيث أتَوْا.
تدرك إسرائيل أيضا أن هذا الوضع العربي الساكن قد يتغير مستقبلا ولو على المدى البعيد، فعملت وما زالت تعمل على تأمين حدودها من كل جانب بأيادٍ غربية، وعربية أحيانا، وبتلك الأيادي دمرت العراق وأرهقت سوريا المحتلة هضبتها، وتلعب في سيناء، وتتحرش بلبنان.
إلى جانب الاشتباه في الجماعات الإرهابية، يجب ألا تخرج إسرائيل من دائرة الاشتباه في كل حادثة على أرض سيناء تدمي مصر وقلوب بنيها، هي من يشغلها بالدرجة الأولى أن تُفَرَّغ سيناء من أهلها، في حين أن من مصلحة الجماعات الإرهابية أن تتكدس سيناء بالبشر فيستخدمونهم دروعا بشرية حينا ويختبئون بينهم حينا، ويقتلونهم أحيانا.
يجب أن لا نتصور أن الصهاينة يحزنون لحزننا، وألا نظن بهم خيرا قط، فإن “سوء الظن عصمة”.

ألا لعنة الله على المجرمين.
رحم الله شهداء مسجد الروضة، وكلَّ من قُتل بريئا بغير ذنب.
اللهم احفظ مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا.

1 تعليقك

  1. ما حدث بسيناء وما يحدث فى كامل مصر والمنطقه العربيه يحتاج لاعادة صياغة تاريخ الماضى والحاضر والمستقبل القريب والبعيد ولكن بأيدي الشعوب وليس بأيدى الحكام . ولن يكتب اى شعب تاريخه الا اذا انتصر على الفكر الرجعى المتوارث بين الحكام العرب . واسرائيل بعيده اعلاميا عما يحدث . وما يحدث يتم اعداده داخل المطابخ السياسيه لاسرائيل وحلفائها السياسين تحت غطاء اعلامى بالحياديه . واستقراء دموي بتخطيط مسبق لتدمير المنطقه لمصالح شخصيه (وضع اسرائيل الامنى والاستحواذ على الثروات)
    _صفقة القرن واخلاء سيناء
    _الارهابيين بسيناء
    _الجيش المصرى وتخاذله
    _عدم وجود عقلاء لتوحيد العقل الجمعى على فكرة وطن
    هذه من اسباب تردى الحال المصرى وخاصة تردى اوضاع سيناء ..
    من يبحث عن وطن يجب ان ينجب فكره او ينحاز الى فكر ثورى قادر على ادراك حلول استثنائيه لما حل بوطنه ويكون قادر على تصنيف نفسه . محايد لسماع افكار الاخرين حريص على ابنائه ووطنه ودينه . مصر على بناء دوله تحمل اسس الانسانيه محمله بقوانين الديمقراطيه غير راغب بصيت او شهره ..
    مصر بحاجه الى ابنائها المفكرين الشرفاء
    شعب مصر بحاجه الى وطن يبنى على اسس انسانيه ديمقراطيه
    واخيرا الدين هو وسيلة سهله ومربحه لبناء الاوطان العربيه والاسلاميه بعيد عن الاحزاب الدينيه والشيع المتفرقه وتفسيرات المتأسلمين ومناهج التابعين والمفسرين .
    #ثوره_لله

اترك رد