حبوب منع الكتابة


 

1- كتابة مجهضة

لا أريد لهذا المقال أن ينتهي و أن يكتمل فأنا في ترحال الكلام تأتيني اللغة من الخلف و من الأمام .. أكتب…أتعفّف عن الكلام و أكون أول حروف التوراة و آخر حروف الإسلام .. لا أخون و لا أتواطأ. أنا سجين حماستي في هذه التي تسمى مدنا و تجبرنا بإلزام. في وطن كأنك تعيش فوقه على حقل من الألغام.

ويل لأمة لا ترفع صوتها إلاّ وراء النعش. توافق و تنافق و تقول أهلا و تقول نعم ونعم لا تليق إلا بالموت. ويل لمثقف لا يسمع له صوت في وطن لا يحترم شبابه و كهوله و يمنع الشغل عن شبابه ليتزوج و ليستمر تداول الأجيال.

ذات يوم سنستحقّ اللّعنة و سأجنّ في الكتابة و قد أكون درويشا أو حاكما أبله فيفتى المفتون بجواز قتلى و عليهم هنا أن يفتكوا بكلّ الدراويش ليسعد الحكّام.

بارعون في بيع الأوهام. هل أحتاج لترخيص مسبق فأنا لست سوى اسم بلا ملامح أو صوت أو سلاح و ما أنا سوى فرد هائم من قطيع لا يفكر أو لا يطير و لا يقبل القسمة و التربيع.

أن تكون كاتبا أمر قابل للشفقة، أمر قابل للنقاش. هو أن تصاب بمرض العجز و الاشتياق فماذا ستصنع بالكلمات؟ حين يضيّعك القدر خارج دائرة الزمن و يسحبك في قفص اللغة و حين تصفى المتفرجين و تخونك الكلمات، و حين تعيش عصرك وحده و تفكر خارج الصندوق و الأدوات، و تضغط عليك طاحونة الشيء المعتاد و كأنك لا تنتمي لذلك الشعب و لتلك البلاد.

ماذا فعلتِ لنا يا شهرزاد.. أغويتنا بتلك الحكايات. فهل أنا مدين لتلك المفردات أم هي مدينة لي و قد فتحت عيني على عالم لم يعد مني و لا أنتمي إليه؟

أتعاطى حبك كما يتعاطى العاطلون أفيون الصبر في غد لا يأتي. سأقطع ذلك الحبل السرّي الذي جاء بنا إليكم.

فالكاتب و المفكّر في أوطاننا صار سلعة رخيصة يأكلها الدّود في الزوايا و ترحّل أو تجبر على بيع لسانها للقطط و تختفي تحت أثواب و أجساد طاهرة و أفكارها عاهرة. و أجهضت أمانيها النخرة لتنشر ثقافة رخيصة في سلع معروضة على رفوف الإهمال فاتحة الباب للتفاهة من كل فج عميق.

و تستمر في العيش في كذبة كبيرة و تصديقها كالإعلام البديل و الثقافة البديلة و محاربة الفساد و التطهير و الديمقراطية و التغيير حتى صرنا كائنات بلا ضمير.

في بلد ضارب بجذوره في الحضارة. من الجدير بالثقافة؟ بعض مثقفينا طواهم النسيان و آخرون غّيبهم الموت و ألبسوا الأكفان و راحوا يبحثون عن أعذار و قد فقدوا اللسان، خيّروا الانسحاب الجبان. و في بعض الدكاكين الثقافية صرت أفتش في الريح عن طبيب يقطع عني ذلك الحبل السرّي الذي يشدّني إلى الورق.

ذهبت للصيدلي لأفتّش عن دواء للقلق… و لم أعد أعرف الفارق الهش بين الاهتمام و الإهمال فبعضهم أمره في الثقافة كمن يبيع بضاعة منتهية الصلوحية.

ما الجزء المحذوف من هذه المفردة؟ أنحن من أمّة مثقفة؟ لقد تمّ محوها و تدجينها بفائق عظيم في الإخراج لشريط منع من العرض. وكأنك لم تكن نصّا و لا شخصا و لم تكن صوتا في بلاد أنجبتك لتصرعك ،فتصير تابوتا يحمل عنك مصرعك…

سلام عليك و لست أجيد السلام…عليك اللعنة أيّها القلم المراود و المريض بأدواء الكلام و كأنك قدّيس هنا و عاهر هناك في جنح الظلام.

أريد أن أنام منفردا و أصطاد منعزلا فأنا لم أخلق من علامة تعجب أو نقطة. وقد ذبحوني ليجدوني كرسيا فلم أجلس. لم أتحزّب حين علمت أن التحزّب محرقة و أن الجلوس مذبحة.

قلت أنا مناضل… فقط أعطوني قلما وورقة…

قيل لي:” لمن ستضع علامة الاستفهام؟

أجبت لكل خفافيش الظلام و لسؤال لا يعترف بحقي في الكلام… أليس فيكم من يفتيني في الكتابة عن الحلال و عن الحرام !

2- الكتابة الحائضة

“واللاّئي يئسن من المحيض” (قرآن).

إذا كان الحيض بقية دماء فاسدة. فهل توجد أفكار فاسدة و أقوال فاسدة تهدّد صفو الأمن العام؟

هل الكتابة أصلا في دائرة الاتهام؟ و ما العلاقة بين الكتابة و الحيض.. و هل نصل إلى اليأس من الكتابة؟ الكتابة أنثى نسأل عن جدواها

فهل نكتب إرضاء لغرور الذات أم لنتحرّر من شيء يخنقنا؟ و هل نكتب أملا في جيل سيكتب بدوره نصّه كما يكتب حلمه؟.. و هل الأنثى وراء مداد القلم و هل نكتب بحجم هذا الوطن؟

أوليست خيبتنا هي التي تركتنا نكتب بحبر الألم؟

النص مثل فتاة بكر افتضت بكارتها عند لقاء أول حرف بالورق. يختلط البياض باللون الأحمر شوقا إلى عينين فضوليتين تروي أرواحا عطشى و ترقصُ على الورق كعصفور مبلّل و قد فرغ لتوّه من مضاجعة أنثاه الحائض في آخر دورتها الشهرية.

نكتب كزواج غير شرعي يحصل بين الضوء و العتمة، نكتب لأقيم لي وطنا في الكتابة ضاع عني في زحمة الواقع و أكلته التفاصيل. لم أعد أحفل بروعة الأشياء و قد خسرت الانتماء.

هل أنا مخلوق من ماء وطين ؟ أصبح كل عالمنا فتاتا و كلماتنا سباتا نجمعها و نحكم رتقها ثم نسكبها يوميات ….

القلم أداة نافذة بلا نفوذ أو عضو منتصب على الرفوف لا يرضى حتى يغرق و لسانه فاشي. يكتب بسادّية فيعذّب و يتعذّب في دورة غير مكتملة. و الكاتب مثلما يقول “بارط” يشتغل على كلامه و يزاول نشاطا. أما في الكتابة فيكون الاقتضاب مثل الانتصاب دليل القيمة الفنية و الجنسية للكاتب و إلا فما معنى أن يقال كاتب فحل؟ في الكتابة أتبادل معك المشاعر و المشاغل، نتنفس و نزيل عن أنفسنا الضغط و نمشي كالأغبياء بخطى ثقيلة بينما قارئنا جالس.

الكتابة تغيّر طريقتنا في التفكير، تخرجنا عن الأنساق و تجعلنا أحرار فوق الورق لتحرّرنا من القلق…، و الكاتب مثل جرّاح يجرح اللحم لتصريف الدماء الفاسدة. كتّاب و فنانون لا يعرفون من الألمعية سوى وهج نرجسية كاذبة. ذلك هو الحيض.

الكتابة سلطة نستعملها كما تستعمل البغيّ جسدها فهل تذبل يوما من طغيان الأميّة الدّاعرة المسوّقة للجهل؟

الكتابة جمرية شهوانية عنيفة هائجة فهل تعبّر عن حقيقتنا… حقيقتنا المزرية… الكاذبة المنتهية؟.

إذن تخلص من دماءك الفاسدة و تطهر بالماء أو بالنار أو بالدم تطهّر فقد تنتصر على الحياة حين تتعتهك المفردات، و نحن مازلنا نصف أموات بل مازلنا نضع حول أجسادنا حفّاظات

1 تعليقك

  1. كعادتك تعزف ببراعة على أوتار اللغة بنعومة ورشاقة
    بوركت وبورك يراعك
    دمت متألقا دائما
    د/ عبدالحميد خليفة

اترك رد