الرجل الاحمر بدري حسون فريد

 

كنت دائما اقف تحت الشجرة القريبة من باب الدخول الى اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في الساعة الثامنة والربع اخفي جسدي النحيل انذاك خلف جذعها انتظر,لم اكن انتظر دخول حبيبتي كما كان يظن اغلب اصدقائي ,بل كنت انتظر دخول الرجل الاحمرالذي لم يتأخر يوما.. الطويل جدا ,الضخم جدا ,الوسيم جدا,المخيف بل المرعب الذي لم اسمعه يتحدث طول مدة دراستي ولم اجرأ ان اقترب من قاعته الدراسية لشدة خوفي منه ..

هو هكذا ام انا اراه بهذا الشكل لا اعلم وليس عندي استعداد ان اراه سوى بهذه الصورة حتى اني كدت أهجم على الممثل النجم جواد الشكرجي حينما بصق بوجهه في فيلم (العاشق) لولا خوفي من المخرج المساعد (حسين امين ) الذي طردني من موقع التصوير واختبأت خلف نفس الشجرة التي انتقلت بقدرة قادر من كلية الفنون الى اليوسفية موقع تصوير الفيلم الذي كنت اعمل فيه بشخصية صامتة ,لاتقولوا كومبارس, لان الرجل الاحمر وقف امامي في احد المشاهد بهذه القامة العظيمة وهو يرتدي زي ضابط بالجيش الانكليزي, اذ كنت ضمن مجموعة الفلاحين الذين تطوعوا للجيش ,اقف بالقرب من جواد الشكرجي ومكي البدري وراسم الجميلي وسلام زهره وجاء الضابط الاحمر ليستعرضنا, ما ان وصل امامي حتى توقف وبفضل الله استطعت ان ابقى واقفا ,

 

 

الاّ اننيرفعت يدي وتمسكت بحزامي الذي كاد يفلت من (الدشداشة الفلاّحية)التي كنت البسها ,توقف امامي دون ان اعرف لماذا,اقسم بالله انه توقف امامي وامام الكبير جواد الشكرجي فقط,اذن انا لم اكنكومبارسا بل كنت بطلا,والاكثر من هذا ان الرجل الاحمر رفع يده وسحب اصابعي من اسفل حزامي بقوة واعاد يدي الى مكان الاستعداد ,وكنت بطلا لاني لم اسقط على الارض بل بقيت واقفا ..كنت اختبيء خلف جذع الشجرة الكبيرة في موقع التصوير حينما شاهدت جواد الشكرجي الذي احبه واحترمه وهو يبصق في وجه الرجل الاحمر حينما طلب منه الضابط الاحمر ان يبصق على وجه ابيه(مكي البدري) .

انا طبعا لم اقرأ السيناريو لذا فأن ماقام به الشكرجيكان بالنسبة لي مفاجأة عظيمة ,بل كارثة جعلتني اصرخ (يابوييييييه) ,الحمد لله لم يسمعني حسين امين الذي كان يكرهني كثيرا لا اعرف لماذا اذ وبّخني اكثر من مرّة ,اخرها بعد تصوير هذا المشهد ,لكن دفاع جواد الشكرجي عني وهو لا يعرفني خفّف غضبي عليه وتصميمي على ان ارد له مافعله بالرجل الاحمر ..

اتذكر جيدا كيف بكى جواد الشكرجي كثيرا وحاول تقبيل يد الاحمر الذي صرخ بوجه الشكرجي ومنعه من تقبيل يده وهو يربت على كتف الشكرجي بكل محبة واحترام ..هذه هي المرّة الاولى التي اسمع الكبير بدري حسون فريد وهو يتكلم (مباشر) (لاتبكي ولك انت تمثّل )ويهدّأ من روع جواد الشكرجي الذي لم يترك البكاء بسهولة وله الحق في ذلك فلو كنت مكانه لم اترك البكاء الى الان, لم استطع حينها ان اكمل دوري فيبطولة الفيلم وتركت الموقع دون عودة من هول المفاجئة ..

ومرّ الزمان واذابي اشاهد الرجل الاحمر وهو يتحدث مثلنا ويبتسم كما نبتسم لكنه بدون رفيقه (البايب) ,يتحدث بصعوبة وخجل كان ذلك في لقاء تلفازي من شاشة العراقية بتاريخ 8/2/2017 ..كان يشتكي لفقدان بيته ويسرد ايام الفن والتدريس بكل جمال وقوّة ,لكنه بدون بيت يأويهويقضي فيه ايامه الاخيرة لان الارهاب قد طال بيته وتم تهديده فتركه لهم بمافيه ..كنت اظنه يمثّل شخصية لم اتعوّد ان اشاهده بها ابدا,لكني اقتنعت اخيرا بأن من اراه هو ألرجل ألاحمر الذي كنت أنتظر أن أشاهده كل صباح في الثامنة والربع وهو بكامل اناقته ونشاطه .يقال انه كان يأتي سيرا على الاقدام كل صباح من بيته الىالكلية,كومبيوتر, لم يتأخر يوم ولو يتغيّر احمراره ابدا الا في اللقاء التلفازي الاخير ..لم أكن أتصور ان هذا العملاق سيموت يوما لانيكنت اهرب من المشاهدة اثناء لحظات الضعف التي تمر فيها شخصية اسماعيل الجلبي في مسلسلي الذئب والنسر وعيون المدينة, بل اني كنت أراه أعظم ذئبا وأجمل نسرا وأبهى مدينة وكل مايقال دون ذلك هباءا.

ألعجيب ان الرجل ألاحمر دخل في غيبوبة طويلة نتيجة اصابته بجلطة دماغية , والاعجب من ذلك انه فارق الحياة وأنا الذي كنت اظنّه خالدا لايموت ..تبيّن لي انه مثلنا يموت ..صدمت وأنا اقرأ خبر وفاته في يوم الجمعة 17 تشرين الثاني 2017 في أحد مستشفيات اربيل عن عمر ناهز التسعين عاما.قليلة بحق الرجل الاحمر ,كان يجب ان يطول به العمر لكن كل شيء بيد الله كما يقول الاغلبية من الناس .ولد الرجل الاحمر في مدينة كربلاء عام 1927 ودخل معهد الفنون الجميلة في 1950,

تخرج عام 1955 وكان الاولعلى دورته ,ثم سافر الى أمريكا في بعثة دراسية عام 1962 ,ونال شهادة الماجستيرمن معهد(كودمان ثيتر) بتفوق, عاد الى العراق عام 1965 مدرسا لمواد الصوت والالقاء والاخراج المسرحي والتمثيل.وفي عام 1971 انتقل للتدريس في أكاديمية الفنون الجميلة التي أحالته على التقاعد عام 1995 ,غادر العراق الى الاردن في نفس العام ولم يحب الحياة هناك فغادر الى المغرب مدرسا في جامعة الرباط ,عاش هناك حياة اقل مايقال عنها انها بائسة جدا في غرفة تملأها الصراصرلا تتجاوز مساحتها ستة امتار,لا تصلح ان يسكن فيها رجل أحمر أبدا, بل انها لاتصلح ان يسكن فيها اي لون من الرجال .

وفي الخامس من تشرين الاول عام 2010 عاد الى العراق ليدخل في غيبوبته الاولى غير مصدّقا لمايرى او يسمع او يعاني ,ثم دخل في غيبوبته الاخيرة ويتوفاه الاجل .مات اسطورتي التي لاتموت ,مات محمود مرسي عفوا بدري حسون فريد الذي عمل كومبارسا في فيلم عليا وعصام ثم مثّل دور ابراهيم الشاب المستهتر في فيلم (ارحموني)عام 1958 ,ثم دور احد القادة في فيلم (نبوخذنصر) عام 1962 ,ودور المثنى بن حارثة الشيباني في فيلم (القادسية)عام 1981,ودور الضابط البريطاني في فيلم (العاشق),ودور مسيوبومارشيه في فيلم (بابل حبيبتي),وفي عام 1988 كانت مساهمته الاخيرة في السينما العراقية بفيلم (عرس عراقي).

أما في المسرح فقد كان ممثلا ومخرجا ومؤلفا واستاذا وحقق جوائز كثيرة في التأليف والاخراج والتمثيل في اعمال كثيرة بدأ بمسرحية (الشارع الملكي )التي كانت أطروحة التخرج من معهد كودمان ,وأيضا مسرحيات (الدب,عدو الشعب,الحصار,مركب بلا صياد,الردهة ,بطاقة دخول الى الخيمة ,ألجرةالمحطمة,جسرأرتا,هوراس,خطوة من ألف خطوة,نشيدالارض,ألجائزة,ألحاجز,ألاشجارتموت واقفة,بيت أبو كمال, ,ألتقرير,ألخاطف والمخطوف). كثير منها كانت من تأليفه . ومثل شخصيات مهمة حصل في بعضها على جائزة التمثيل منها (الطوفان اخراج ابراهيم جلال,المصطبة اخراج جواد الاسدي).الى رحمة الله ايها البدر,حسون فريد ,ستجد هناك اصدقائك ابراهيم جلال وجعفر علي وجعفر السعدي وحقي الشبلي وجاسم العبودي ,وابنتك الشابة الجميلة سراب التي تنتظرك بفارغ الصبر ..الى رحمة الله أيها الرجل الاحمر بدري حسون فريد.

لا تعليقات

اترك رد