ملامح التجديد / الشعر في العصر العباسي الثاني – ج ١

 

كان لسيطرة الاتراك على الدولة العباسية وادارتها زمن الخليفة المعتصم بالله وما بعده اثر بالغ في ضعف الدولة وسيرها في طريق الانحلال والتقهقر فقد عمل الرشيد على تقوية دولته – كما توقع – فتزوج من زوجة فارسية ليقرب الفرس منه ويأمن جانبهم لانهم سيكونون اخوال اولاده منها وهم كثير في دولته اذ يشكلون الجزء الشرقي منها ولاجل ان يتخذهم انصارا له , وتزوج من اخرى تركية ليقرب الاتراك منه وليشدوا على عضده في صيانة دولته ويكونوا حصنا منيعا لدولته ضد الروم شمال دولته , وكانوا كذلك في زمنه . فانجب من زوجته ابنة عمه ( زبيدة) ابنه (الا مين) ومن زوجته الفارسية ابنه ( المأمون ) ومن زوجته التركية ابنه ( المعتصم ) وكان هذا الفعل فيما بعد سببا من اسباب سقوط الخلافة العباسية . وسبب هذا الزواج كان الرشيد يقصد به توطيد العلاقة بين العرب والفرس والترك كنتيجة للمصاهرة والقرابة الا ان ما اثمره هذا التصاهر كان وبالا على الحياة السياسية الى حد الاقتتال .

بعد وفاة الرشيد اقتتل الامين والمامون الاخوة بينهم على سدة الحكم واستعان كل منهم باخواله والمقربين منه فاستعان الما مون باخواله الفرس على اخيه الامين في قتاله والوصول الى الخلافة وحقق ما اراد وقربهم اليه واعتمد عليهم في كل امورالدولة وانعكس ذلك حتى في الامورالدينية والمذهبية وتفرق الخلق واقتتل الناس بينهم فكان ماكان و كتب التاريخ متخمة بهذه الامور فهي خير شاهد على ذلك وما فيها من معارك واحداث .

وبعدها أي بعد وفاة الامين والمامون استخلف المعتصم وامه تركية فقرب اليه الاتراك واعتمد عليهم في اغلب مفاصل الدولة العربية الاسلامية وعلى كل حال فقد دخل الى جسم الدولة او جسم الخلافة العربية من ليس منها وعمل على تقويضها . كان كل هذا قد حدث في العصر العباسي الاول واستمر وزاد في العصر العباسي الثاني.

وكان في اثناء وجود الاتراك في الحكم كان الفرس يتحينون الفرص لاعادة مجدهم الغابر او السالف فقاموا بقيادة ال بويه بحملة قوية اعلنوا سيطرتهم على بلاد خراسان واكتسحوا الخلافة العباسية في بغداد التي كان الاتراك مهيمنين على الحكم فيها وتنصب معز الدولة الفارسي اميرا على بغداد في ظل الخلافة العباسية التي لم يبق منها الا اسمها ورسمها. اماالخلفاء العباسيون فقد تحولوا الى بيادق شطرنج يلعب بهم اللاعبون من ال بويه من الفرس ومن بعدهم ال سلجوق من الترك.

نعم لقد انحدرت قوة وعظمة الدولة العباسية او بدأت بالانحدار نحو الاسوء بعد الخلفاء الاشداء فيها مثل المنصور والرشيد … و سيطر البويهيون على الحكم الاسلامي في بغداد سنة \334 هجرية
بعد ضعف سيطرة الاتراك عليها وان اغلب هؤلاء الامراء كانوا ضعافا في ادارتهم للدولة فسارت الدولة نحو الانهيار والتقهقر والانحلال ويعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة \ 247 هـجرية بداية العصر العباسي الثاني سياسيا اذ فيه استبد القادة الاتراك بالسلطة وأصبح الخليفة طوع إرادتهم وأسير هواهم وقد عبر عن ذلك احد الشعراء فقال:

خليفـــة فـــي قفــص
                   بيـن وصيـف وبغـا

يقــول مـــا قــالا لـه
                   كمــــا تقول الببغا

وأدى ذلك الى ظهور استقلال او انفصال بعض الامارات عن الخلافة العباسية في بغداد فبعد ان كانت خلافة اسلامية واحدة . اصبحت الخلافة في بغداد وامارات مستقلة عنها في الاقاليم التابعة لها كالامارة الاخشيدية في مصر التي قامت على اثر انقراضها الدولة الفاطمية التي استقلت عن الخلافة العباسية في بغداد بل نازعتها الخلافة وامتدت اجنحة حكمها شرقا وغربا وكذاك ظهرت امارات عديدة كالامارة الحمدانية في حلب ثم توسعت فشملت الشام كله تقريبا الا انها بقيت معترفة بالسلطان العباسي عليها ولو اسما فقط . وكذلك مثلها
ا مارات قد نشات في الثغور الشرقية للبلاد الاسلامية وهكذا تفرقت الدولة الاسلامية الموحدة وظهرت خلافات وامارات في البلاد نازعت الخلافة الاصلية في كل امورها وخاصة الثقافية والادبية .

كان هؤلاء خلفاء وامراء هذه الاقاليم قد جمعوا حولهم الشعراء والادباء والعلماء ورجا ل الثقافة والعلم وتباروا فيما بينهم حول جمع كل منهم العدد الاكبر من هؤلاء , وبذلوا الاموال لهم منافسة بينهم فاثر هذا في ازدهار كل العلوم وعلى راسها الادب العربي وخاصة الشعر حيث كثرت فنونه وارتفعت رايته وارتقت خيالاته وفنونه . الا ان اللغة العربية بدأت تظهر عليها علائم الضعف في نهاية العصر ويكتنفها الوهن خاصة في الثغور الشرقية من الدولة الاسلامية لعجمية سكانها فبدات تحل مكانها اللغات المحلية او اللغة الاصلية لاهل تلك البلاد مثل اللغة الفارسية التي حلت محل اللغة العربية بعد قرنين من الزمن ودفعت الحالة الثقافية والاجتماعية شعراءهم الى النظم في لغتهم الفارسية كما فعل الشاعران عمر الخيا م وسعدي الشيرازي .

لا تعليقات

اترك رد