التراجع والتخلف بين ماهو سياسي وديني


 

كلما ننظر الي واقعنا العربي بدقة، كلما نجد أن السمة الغالبة في مجتمعاتنا هي الجمود والإنغلاق ورفض الحداثة واستمرار التعاطي مع الأشكال القديمة في السياسة والتدين والإقتصاد. ورغم أن العديد من الدول والأنظمة قد اتجهت الي الإنفتاح والسعي الي التمدين، ورغم وجود عقليات شبابية متقدمة ومخترعة ومبدعة، إلا أن الإطار العام والأغلبية العظمى من الشعوب العربية لا تزال تخشى التغيير ومواجهة العوائق الأساسية في التطور والإنفتاح. فالشعور بفقدان الحرية مع تلازم الخوف، القلق، التوتر، الإحباط ، فقدان قيم الحياة … جميعها عوامل نفسية أثرت على السلوك والتفكير ، وهي ما نعيشها في العالم العربي تحديدا. ورغم تعدد الأسباب، إلا أن السمة الغالبة المنتجة لهذه الأنماط من التفكير هو سيطرة البنى الفكرية والثقافية القديمة في حياة المواطن وعجزه عن الانطلاق خارج مدارك الثوابت والمسلمات التقليدية.

فمن أجل مواجهة هذه الأفكار والتغلب عليها وبناء ثقافة علمانية تؤمن باحترام الإنسان وتقديس كرامته وحريته واختياراته، أصبح لزاما علينا مواجهة البنى الفكرية والثقافية التى شكلت مدارك العقل العربي وأشكال تفكيره وإرادته.

ولعل الاختلاف بين الكثير من المثقفين حول اسباب التراجع والتخلف بين ماهو سياسي نابع من الدولة وأجهزتها، أو بين تحميل الشعوب وثقافتها الدينية المسؤولية في التراجع والإخفاق..إلا أن الغالبية من المثقفين تتفق بأن هناك تلازما بين تلك الأسباب وخصوصا أن هياكل وطبيعة الأنظمة العربية لازالت تستند إلى القبيلة والدين والتوريث في إدارة شؤونها، وأصبحت بالتالي المنهجية البدائية تشكل العمود الفقري لأجهزتها للحفاظ على سلطتها والسعي لإخضاع الشعوب لمشيئتها. فكلما عظم شأن الهويات القديمة في المناصب السيادية والامنية والسياسية ، كلما سنحت الفسحة لها لتوارث البنى الفكرية والثقافية المؤدلجة عبر الأجيال تحت مسميات مختلفة مخادعة.

إن دولة القبيلة والدين لا شأن لها بنشوء وتطور الدول الحديثة في العالم، إنها نظام خاص بدائي يستمد شرعيته من الأعراف والقيم الماضوية المتوارثة عبر الأجيال. فهذا النمط من الدول لا يهتم بصلاح الأمة وتطورها الا بالشيء القليل، بل تُسخر جميع موارد الدولة لأجل تقوية أجهزتها السياسية وشراء الذمم وتعزيز صلاتها الدولية مع الغرب وحكامه لتثبيت أقدامها في الحكم ولأمد غير محدود. وتعد الدولة المستندة الي نظام شمولي، دولة استبدادية لا تسعى لإخضاع جميع فئات المجتمع لتوجهاتها فقط، بل إلى إخضاع الإنسان ذاته الي الفكر الواحد الذي يمثل الحاكم، ولن تتوانى عن استخدام العنف مع أي محاولات تنادي بالحرية والمساواة والمواطنة والديمقراطية باعتبارها دعوات تفقد النظام سلطته وتوارث حكمه. ولعل دول الخليج العربية من اكثر الدول تعزيزا لمبدأ القبلية والدين في الحفاظ على نمط الحكم من التغيير والتطور.

من المؤكد أن غياب مفهوم الوطن والمواطنة داخل البنى الفكرية والثقافية أثر بشكل كبير على تعاطينا مع مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان. فقد فشلت الأنظمة العربية في بناء هوية الوطن والولاء الوطني واكتفينا بالشعارات الوطنية فقط دون غرس أي مضامين وطنية في العقل العربي لوجود تعارض او ضبابية او تضاد بين مفهومي الوطن والدين.. فبينما يرى البعض الوطن هو أنت وأنا ولا يجمعنا داخله لا دين ولا مذهب ولا عرق، بل تجمعنا قيم المواطنة والعدالة والمساواة التي تتمثل بالاندماج الإنساني والحضاري والأخلاقي، يراه البعض الآخر مجرد كيان يخدم الدين أو مذهب الأكثرية ضمن شروط الكفر والايمان، وما يستتبع ذلك من تعاملات خاصة للمسلمين وللكفار حتى ولو كانوا مواطنين.

فحين تضعف إقامة الشروط السياسية الديمقراطية للأنظمة العربية، يأتي هنا العقل العربي محملا بشتى رواسب العجز عن التكامل والإتحاد من جهة، والإعجاب بالنماذج الماضوية الدينية من جهة أخرى، ليتشكل في نهاية المطاف تناقض يدفع الي هيمنة البنى الذهنية الفكرية القديمة على كل شيء، لنبحر جميعا دون رؤية واقعية أو قيادة ثورية قادرة على مسك زمام التحرك والتنظير واتخاذ القرار بصورة شعبية.

لقد فشلت الممارسة التاريخية العربية في تجاوز تحديات البناء والتنمية، وتجلى ذلك في عجز هياكل الأنظمة العربية عن ترجمة طموحات الشعوب العربية في التقدم وبناء المجتمعات وفقا لنموذج الدولة الحديثة، مما جعل غالبية الشعوب العربية تعتبر مشاريع النهضة عاجزة عن التحقق والإستمرار. هنا، تبدو المشكلة أعمق مما تبدو ظاهريا، إذ لا يقف إنقسام الدول العربية والشعوب عند نمطه الآني، بل تجاوزه الي إنقسام آخر أكثر خطورة على الصعيد العقلي والاجتماعي تمثل في التقليد والتاريخانية ونعني بها استمرار انتاج المنظومات التاريخية بصورة اجتماعية واقتصادية ريعية غارقة في النمذجة، مع هيمنة الثقافة القبلية والدينية التى تعلى من عوامل الإنشطار وعدم التسامح، مما جعل المجتمعات العربية تعيش في حركة ركود وثبات وجمود. وهو ما خلق مجتمعات وشعوب تعيش الحداثة المظهرية التى جعلتنا نركن بل ونكتفي بوضعنا الحالي، فتغليف مجتمعاتنا بانتاجات الغرب المادية جعل من الانسان العربي يكتفي من الحداثة ماديا، وينكر عليها الفلسفات السياسية والاجتماعية الداعمة للتغيير وتداول السلطة وخلق الانسان الحر، فكرا وعقيدة ورأي.

وهكذا أتي التفكير العقلي العربي كأحد عناصر ثقافتنا، الغارقة بالتدين والقبلية، بعيد جدا عن القواعد والآليات العقلانية ليكون مشحونا بالعاطفة، معولا على النوايا، ومحتكما الي الصدفة والتقليد، ومجافيا لشروط العقلنة التي تربط المقدمات بالنتائج، حتى أصبح القرار السياسي، سواء الصادر من الأنظمة العربية أو من الخيار الشعبي محكوما بمنطق الأزمات وردود الأفعال فضلا عن الإملاءات والتبعية.

لا تعليقات

اترك رد