الدلالة والمضمون السيكولوجي للعدوان وخصوصيته عند الانسان والحيوان


 

دائما ما يثير تشبيه الإنسان بالحيوان الكثير من الأعتراضات والرفض والادانة بأعتبار ان الإنسان مخلوق فريد وذو خصوصية عالية ولا يمكن تشبيهه بارقى الحيوانات, وكما يرونه بأنه مقطوع الصلة بعالم الحيوان الذي سبقه, ولكن تلك الاحتجاجات لا تصمد امام العلم عند دراسة الكثير من المقاطع السلوكية للانسان ومقارنتها بعالم الحيوان, وأن روابط الإنسان الأولى والمشتركة مع الحيوان, باعتبار أن الإنسان يمثل امتدادا طبيعيا لمن سبقه, أو مع من أدنى منه في سلم التطور البيولوجي تثير الكثير من الجدل والبحث والنقاش المتخصص والدراسة المتعمقة لدى الكثير من العلوم ذات الصلة بهذا الشأن, كالعلوم النفسية ـ السلوكية والبيولوجية الارتقائية, والاجتماعية, وعلم الوراثة, إلى جانب طبعا الفلسفة والأديان ذات الباع الطويل في البحث عن أصول الإنسان.

وفي الوقت الذي تقف فيه الأديان وبعض من الفلسفات وقفة الضد من كون الإنسان هو استمرار طبيعي لسنة التطور البيولوجي لما سبقه من الكائنات الحية, وأن الإنسان من وجهة نظرها مخلوق بذاته ومقطوع الصلة عن أي عملية إنمائية ـ ارتقائية تراكمية معقدة, ترى العلوم البيولوجية والنفسية والوراثية أن الإنسان هو مخلوق يقف على قمة سلم التطور البيولوجي, بعد أن مر بعملية تحول بيولوجية ـ تشريحية وفسيولوجية طويلة الأمد في صراعه من اجل البقاء واستنادا إلى الظروف البيئية المعقدة التي أملت عليه هذا التطور, حيث كان يتفاعل مع البيئة تفاعلا ديناميكيا حيا مؤثرا ومتأثرا بها, يحسن من ظروفها وتحسن من أدائه عبر ترك بصماتها المستمرة في بناءه الفسيوتشريحي الجسمي وصولا إلى أرقى المكتسبات البنيوية والوظيفية والتي جسدتها نشوء الجهاز العصبي المركزي المتطور والمتخصص .

لقد شكلت نقطة التحول الفسيولوجية التشريحية الحاسمة بالنسبة للإنسان وانفصاله النسبي عن مملكة الحيوان هي بامتلاكه الجهاز العصبي المتطور, وبشكل خاص امتلاكه للدماغ ونصفي الكرة المخيين المتخصصين تخصصا عاليا ديناميكيا, وخاصة القشرة الدماغية المتطورة وذات التخصص الدقيق ذو الصلة المباشرة بالعمليات النفسية أو العمليات العقلية العليا أو النشاط العصبي الأعلى ” حسب تعبير علم الفسيولوجي ” الذي تجسده عمليات التفكير والانتباه والتخيل والتصور والتعلم والإدراك والتذكر والبرمجة والتخطيط, والاهم من ذلك كله هو نشوء الأساس الفسيولوجي التشريحي للغة ونشأة اللغة نفسها التي أضفت على العمليات العقلية بعدا معقدا, حيث لا يمكن تصور العمليات العقلية خارج إطار اللغة,لأنها تلعب دور الممول لمحتوى العمليات العقلية وخاصة عبر عمليتي التجريد والتعميم اللازمتين للعمل الفكري. وفي هذا الانجاز التاريخي أعلن الإنسان انفكاكه عن الغابة وتحوله إلى كائن رمزي منتجا للحضارة المادية والمعنوية وللثقافة بمفهومها الواسع.

هذه النقلة النوعية التي حققها الإنسان في سلم التطور البيولوجي لم تلغي إبقائه مشتركا مع أسلافه في الكثير من العمليات الفسيولوجية التي تضمن له البقاء والاستمرار, أو ما نسميها بعلم النفس بالدوافع الفسيولوجية الأولية وهي فطرية في أساسها ومشتركة بين مختلف أنواع الكائنات العضوية, ومنها دوافع الجوع والعطش والجنس وتجنب الألم وكالحاجة إلى الهواء, والاحتفاظ بحرارة الجسم, والحاجة إلى الراحة والتخلص من التعب وغيرها, إلى جانب طبعا دافعية العدوان” المنازلة والمنافسة ” التي نحن بصددها, إلا أن رمزية الإنسان ” ثقافته بمعنى اشمل ” أضفت على جميع هذه الدوافع بعدا اجتماعيا تطبيعيا يستجيب لمكانة الإنسان الجديدة, وعلى أساس ذلك نشأت ثقافة الأكل والشرب وثقافة الجنس وكذلك ” ثقافة ” أو ” حضارة ” العدوان والعنف, وتتنوع هذه الثقافات ومظاهرها متأثرة بعوامل غنى البيئة وثرائها ومدى تطورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والتقني والمعلوماتي.

وفي العودة إلى الطبيعة البيولوجية للعدوان والعنف الإنساني فأن العالم كونراد لورنز ( 1903 ـ 1989 ) وهو متخصص في السلوك الحيواني, حيث يؤكد بأن العدوان الإنساني ينبع بالأساس من غريزة النزال والتي يشاطر غيره من الحيوانات. ويشير إلى أن غريزة العدوان في الإنسان والحيوان تخدم غرضين أساسيين: الأول هو تحفز الصنف الحيواني على الانتشار والهجرة وذلك بهدف الحصول على اكبر قدر ممكن من مصادر المحيط, وهذا يتضح من مسالك العنف التي تبديها الحيوانات نحو بعض أفرادها ودفعها للهجرة من مناطقها التي تعيش فيها إلى مناطق أخرى, أما الوظيفة الثانية التي تخدمها غريزة العدوان فهي ضمان بقاء الأقوى والأصلح مما يضمن إقصاء الأضعف من البقاء ودوام الأقوى بالتكاثر. والجديد والمثير في نظريته هو أن طاقة العدوان قابلة للتجمع مع مرور الزمن إذا لم تصرف في حينها, وبأن العنف والعدوان ينشأ بصورة تلقائية ومتواصلة وبسرعة ثابتة, وبأن إطلاق العدوان ينجم عن تفاعل عاملين أولهما مقدار الطاقة العدوانية المتجمعة, وثانيهما توفر العامل المطلق في المحيط وقوة هذا العامل. ورغم الانتقادات الموجه لهذه النظرية من حيث كون أساسياتها استخلصت من عالم الحيوان إلا أن بإمكان المرء أن يلتمس الكثير من مظاهرها في سياقات السلوك الإنساني والأحداث التاريخية. تفسر هذه النظرية بوضوح بعض من مظاهر التوسع والحروب الأهلية و الإقليمية والعالمية والاحتلال والاستحواذ على منابع الثروات ومصادر الطاقة, وسلوكيات الإكراه والتهجير والإبعاد والقمع والإبادة لمجموعات بشرية بأكملها, وعادة ما يكون الضحايا هم الأضعف, حتى وأن جرت بواجهات مختلفة أو تنوعت مصادر مسبباتها الخارجية, إلا إنها تعكس بهذا القدر أو ذاك جزء من غرائز العدوان الكامن في الطبيعة البيولوجية للإنسان.

لقد تمكن المجتمع الإنساني وحضارته القائمة على التراكم المتواصل في انجازاتها المادية والمعنوية, وبشكل اعم الثقافة بكل ما تحمله الكلمة من معنى شامل للانجازات في مختلف المجالات أن تتطبع السلوك البشري وتضفي عليه بعدا إنسانيا خالصا, انعكس على أداء الإنسان كما وكيفا, من خلال التهذيب المستمر للأداء ودقته بما يستجيب دوما للحاجات المتطورة للإنسان, وكان التقدم الفكري و العلمي والصناعي والتكنولوجي والمعلوماتي ابرز معالم مسيرة الإنسان الطويلة على طريق خلاصه من الخضوع إلى البيئة الطبيعية, بل وانتقاله إلى مستويات عالية للتحكم فيها, طبعا إلى جانب تهذيب الإنسان على مستوى سلوكه ألغرائزي وعاداته وأنماطه السلوكية. وعلى مستوى التحكم بدافعية العدوان أو المنازلة أو المنافسة العنفية فأن البشرية وصلت إلى مستويات من التنظيم الاجتماعي في محاولات لإيجاد الشروط أو البيئة المناسبة للحد منه أو من أثاره, ولكن ذلك لم يعني أبدا وفي أي شكل من الأشكال القضاء عليه, بل أن تقدم الحياة الإنسانية المادية والتقنية والفكرية

وضع العنف بصيغة أكثر تعقيدا واشد عنفا مما هو عليه عند الحيوان, وجعل من العنف مظهرا يدب في كل تفاصيل حياتنا اليومية, إلى جانب تنوع أشكاله ومظاهره.

وعلى أساس ذلك أنتج المجتمع الإنساني نوع من العنف يمكن أن نطلق عليه العنف ” الحضاري ” والذي يستند في جوهره إلى طبيعة الأفكار والعقائد والأديان والإيديولوجيات المحفزة له, والى الاستخدام السلبي لثمرات التقدم العلمي والتقني والى نمط محدد من الثقافة بصورة عامة, مما أدى إلى توسيع دائرة العدوان لدى الإنسان من حيث محتواه وأساليبه وتقنياته وخروجا لا حدود له عن الطبيعة أو الحاجة البيولوجية له رغم بقائه مرتبطا بها, وعكس ذلك بقى العدوان لدى الحيوان وأسلاف الإنسان في حدود الحاجة البيولوجية له وضرورات البقاء. ونستطيع هنا أن نميز بين خصائص العدوان والفروق فيه لدى الإنسان والحيوان, ويمكن إيجازها باختصار شديد كما يأتي:

ـ أن العنف والعدوان لدى الحيوان هو فعل مباشر ويتم بالقدر الذي يجلبه العدوان من منافع للحيوان, غير أن هذا عند الإنسان يتجاوز هذه الحدود, فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمارس القتل من اجل القتل وهو الوحيد الذي يشن الحروب والعدوان المنظم بكل صوره المروعة للإلحاق الأذى جسديا ونفسيا بالمعتدى عليه.

ـ نادرا ما يمارس الحيوان العنف والاعتداء على حيوان آخر من نفس فصيلته, وان حصل ذلك فلأغراض محدودة جدا كحماية الصغار أو لأغراض الحفاظ على التكاثر والولادة, وإذا مارس العدوان ضد أصناف أخرى من الحيوانات فهي لأغراض الدفاع عن النفس أو لسد دافع الجوع, أما الإنسان فمعظم أعماله العدوانية موجه ضد صنفه الإنساني, أما إذا مارسه ضد صنف آخر من الحيوانات فأنه مجرد من أي محتوى عاطفي مما يثير الكراهية والغضب والعنف.

ـ غالبا وبشكل أساسي ما يمارس الحيوان العنف والعدوان للدفاع عن نفسه من الهجوم أو الاعتداء أو التهديد بذلك, وللحاجة للطعام ولضمان التكاثر, وهو يستجيب بشكل آني وسريع وغير مؤجل لتلك المتغيرات. أما بالنسبة للإنسان فهو يمارس العنف والعدوان لسد الحاجات كلها, إلا أن إثارتها لدافع العنف والعدوان هي اقل آنية وتلقائية من إثارتها لدافع العدوان لدى الحيوانات, حيث يمارس الإنسان سلوكا معقدا للاستجابة قوامه التأجيل عند الضرورة أو الانتقام المتأخر أو رسم الخطط المختلفة للإيقاع بالآخر, وهذا ما يفتقده الحيوان.

ـ أن الإنسان وحده من دون الحيوانات الأخرى في سلم التطور البيولوجي تفنن وطور أساليب العنف والاعتداء كما انه وحده الذي اوجد أشكال لا حصر لها من العنف تكاد تغطي كل مجالات الحياة وذلك بالاستناد إلى الثقافة ومفاهيمها السائدة, ووحده الذي اوجد ونمى المفهوم الاجتماعي للدمار والإثم وما يتطلب ذلك من إلحاق الأذى بالآخر وعلى النفس.

ـ أن الحيوان من الناحية العملية والفطرية يمتلك العدة البيولوجية اللازمة والكافية للدخول في المعارك وما يقتضيه الدفاع عن العضوية وحمايتها, أما الإنسان فهو لا يملك هذه العدة أو الاستعداد البيولوجي إلا بقدر معقول لا يتجاوز حدود قدراته العضلية, وقد لجأ إلى مختلف الأساليب التقنية لتعويض ذلك, كاستخدام الأسلحة بمختلف صنوفها وقدراتها على إلحاق الأذى بالآخر, وصولا إلى أسلحة الدمار الشامل القادرة على إبادة مجتمعات بشرية بكاملها وبزمن قياسي سريع, إلى جانب استخدام الإنسان نفسه كوسيلة في عمليات القتل الجماعي, كالعمليات الانتحارية التي يقوم بها الأشخاص لقتل المئات والآلاف في عمليات موضعية وبواجهات مختلفة.

ـ تمارس الحيوانات طقوسا مختلفة للتنويه بحالات الاستسلام والخضوع عند الدخول في معارك, وبالتالي تنهي المواجهات عند حدود معينة, أما الإنسان فقد تخلى عن طقوس الاستسلام حتى وان قبل بها شكليا فهو لا يقبلها ضمنا, وبالتالي تبقى أجواء التعدي والعنف والصراع قائمة في أي لحظة.

ـ ينفرد الإنسان من بين الكائنات الحية في محاولاته للسيطرة على العنف من خلال إيجاد ما يعرف بالضمير كأداة عقلية عاطفية ولكنه لم يفلح لإنهاء العنف ووضع حد له, بعكس الحيوانات التي لا تمتلك هذه القدرة ولكنها تستطيع إنهاء الكثير من النزاعات على خلفية أهدافها المؤقتة بعكس الإنسان الذي يستطيع إعادة دورة العنف.

ـ تؤكد الكثير من التجارب المختبرية على سلوك الإنسان والحيوان بأن الحيوان أكثر طواعية في تقبل ظروف خفض السلوك ألعنفي وخاصة عندما يشترط في ظروف محددة بعكس الإنسان الذي لا يطاوع بسهولة مثل هذه المحاولات التطبيعية.

أن كل المعطيات العلمية المختبرية والتاريخية تؤكد أن العدوان والعنف لدى الإنسان أكثر تعقيدا من الحيوان, وخاصة عند امتزاجه لدى الإنسان بعوامل الثقافة والتقدم الاجتماعي الذي أضفى على العنف بعدا نوعيا قياسا بالحيوان الذي اتسم عدوانه بالبساطة ومحدودية الأهداف التي تسبب ذلك. وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت في المجتمعات الإنسانية وعلى صعيد المنظمات الدولية ذات الصلة للحد من العنف والاعتداء على الأفراد والمجتمعات والأوطان إلى أن العدوان والعنف يتجدد باستمرار وعلى مر العصور وعلى الرغم من إدانته العلنية من كل الأطراف المعتدية والمعتدية عليها, إلا أن التاريخ يؤكد كما تؤكده ظروف العصر الحالي بكل حروبه المدمرة, الداخلية ـ الموضعية والإقليمية والعالمية , أن العنف لصيق بالطبيعة الإنسانية باختلاف الأسباب والدوافع لذلك, على الرغم من أن مجتمعات العدالة الإنسانية والتقدم الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في الحد من مظاهر العدوان والعنف, إلا إن ما يطفح منها بين الحين والآخر من حالات عدوان, فردية كانت أم مجتمعية يؤكد ما ذهبنا إليه, إلا انه بالتأكيد إن التحسن المستمر لظروف العيش سوف يحصر العدوان الى حدوده

الدنيا ويضعه في أطار المنافسة غير العنيفة من اجل البقاء, ولكن هذا لا يعني بالضرورة عدم تحوله الى صراع عنيف يستهدف الإنسان وبقائه عندما تتوفر الفرصة لذلك.

وتشير الملاحظات التاريخية والتتبعية للسلوك الإنساني أن الجنس ” الذكوري ” هو الأكثر عدوانية من الأنثى, مما يترتب عليه الرغبة في إخضاع الجنس الآخر وإيجاد مختلف التبريرات الفكرية والأيديولوجية والدينية والثقافية لتكريس الإخضاع. وإذا كان تقسيم العمل وانقسام المجتمع إلى طبقات هو مصدر عدم المساواة الأول, فأنه جاء ليفتح شهية العدوان ويقدح شرارتها الأولى, والعكس من ذلك فأن إعادة توزيع الثروات وترسيخ مجتمعات العدالة يرمي من ضمن أمور أخرى إلى إعادة رسم طبيعة هذه الغرائز والحد من تأثيرها الضار وخلق نمط جديد من التطبيع الاجتماعي ولكن لا يعني بالضرورة إلغائها أبدا, حيث وجودها الملموس في مختلف مظاهر السلوك, كما أن هناك وجه أخر لغريزة العدوان, والذي يطلق عليه ” العدوان الرحيم أو المسالم ” الذي يتخذ طابع المنافسة السلمية من اجل البقاء وتحسين ظروف العيش, ولعل في ذلك تكمن انجازات البشرية الايجابية, إلى جانب وجهها الكالح المتمثل في الحروب والدمار وانهيار الحضارات. ولعل لتلك الأسباب شيدت الديمقراطية والأنظمة التعددية ومجتمعات العدالة بين الجنسين, ونبذت الدكتاتوريات والأنظمة الفردية بمختلف واجهاتها السياسية والدينية وعلى مر العصور من أجل الحفاظ على النوع الإنساني وإشاعة فرص المساواة بين البشر بصورة عامة وبين الجنسين بشكل خاص.

لا تعليقات

اترك رد