الرّوح – ج6 والأخير

 

رقي الرّوح وبقاؤها

كلّ موجود لا بدّ له من أن يكون إمّا في حالة ارتقاء أو في حالة تدنّي. فليس هناك في الكائنات توقّف. ذلك لأنّ جميع الكائنات لها حركة جوهريّة. فهي إمّا أن تنتقل من العدم إلى الوجود، أو من الوجود إلى العدم.

والإنسان في ارتقاء منذ بداية وجوده، ويظلّ كذلك إلى أن يبلغ درجة يتوقّف عندها. ثمّ يأتي التّدنّي بعد التّوقّف. وهذا الشّجر منذ بداية وجوده في نشوء ونمو حتّى يبلغ غاية النّمو، ثمّ لا بدّ له أن يتدنى بعد الرّقي. والطّائر مثلاً يظلّ يصعد في طيرانه إلى أن يبلغ أوج التّرقّي. فإذا ما توقّف بدأ يتدنّى.

إذن أصبح من المعلوم أنّ جميع الكائنات لها حركة جوهريّة. وكذلك الحال في عالم الأرواح. فإذا لم يتحقّق للرّوح الرّقيّ فهو توقّف. ولكنّ التّوقّف ممتنع. لأنّ الحركة من لوازم الوجود الذّاتيّة الّتي لا انفكاك لها. وهي تكون إمّا ذاتيّة أو كيفيّة أو كمّيّة أو روحيّة أوجوهريّة. ومن الواضح أنّ الرّوح لا توقّف لها ولا تدنّي. ولما لم يكن للرّوح تدنٍّ فلا بدّ لها من التّرقّي. وبالرّغم من أنّ المراتب محدودة إلاّ أنّ الفيوضات الرّبانيّة غير محدودة والكمالات الإلهيّة غير متناهية. ولهذا فالرّوح في رقيّ دائم لأنّ اكتسابها للفيض مستمرّ.

فلنلاحظ كيف أنّ روح الإنسان وعقله في رقيّ منذ بداية حياته، وكيف أنّ علمه في ازدياد. ولهذا فمعلوماته لا تتناقص بل تتزايد. وكذلك حال الرّوح الإنسانيّة بعد انقطاعها عن هذا الجسد. فهي تظلّ في رقيّ دائم، لأنّ الكمالات غير متناهية. وهذا هو السّرّ في أنّ الأديان الإلهيّة تأمر بالخيرات والمبرّات من أجل الأموات. ذلك لأنّ الخيرات والمبرّات سبب في علوّ الدّرجات والعفو والمغفرة. فلو كان رقيّ الرّوح بعد الوفاة مستحيلاً لكانت أمثال هذه الأمور عبثًا، فلماذا إذن ندعو، ونبذل الخيرات والمبرّات، ولماذا نطلب علوّ الدّرجات؟

لقد نصّت جميع الكتب الإلهيّة على وجوب بذل الخيرات والمبرّات للأموات وحثّتنا على أن ندعو ونصلّي ونبتهل طالبين المغفرة. وهذا برهان كافٍ على أنّ رقيّ الرّوح ممكن بعد صعودها. وإذا كانت المراتب محدودة متناهية إلاّ أنّ الكمالات غير متناهية. وفي عالم

النّاسوت يحدث التّزايد والتّناقص، وليس كذلك في الملكوت. فليس في عالم الأرواح تناقص ولا تدنٍّ. مثلها في ذلك مثل عقل الإنسان وعلمه، فهما دائمًا في ازدياد.

ولتأمل أن نكون في رقيّ دائم سواء في عالم النّاسوت أو عالم اللاّهوت، وأن تكون أرواحنا في انشراح في هذا العالم وفي العالم الآخر، وأن يكون عقولنا وفكرنا وإدراكاتنا في تزايد، وأن نرتقى في جميع مراتب الوجود، وألاّ يكون لنا توقف ذلك لأنّه لا يعقب التّوقّف إلا التّدنّي.

وفضلا ًعن ذلك إذا نظرنا إلى سائر الكائنات اتّضح لنا أنّها ناتجة عن تركيب العناصر المختلفة. وهذا التّركيب يتبدّل بالتّحليل. فجسم الإنسان مثلاً مركّب من عناصر متعدّدة. إلاّ أنّ هذا التّركيب ليس باقيًا إذ لا بدّ له من أن يتحلّل. فإذا تطرّق إليه التّحليل كان معنى ذلك انعدام ذلك الجسم. وبما أنّ لكلّ تركيب تحليل، إذن فلا بدّ لهذا التّركيب من العناصر المتعدّدة المختلفة من أن يرتدّ إلى التّحليل. أمّا الرّوح الإنسانيّة فليست مركّبة وليست مكوّنة من عناصر مختلفة بل إنّها مجرّدة من العناصر ومنزّهة عن عناصر الطّبيعة. ولمّا كانت غير مركّبة من العناصر فهي حيّة وباقية في النّشأة الأبديّة.

وإنّه لمن الثّابت في الفلسفة الطّبيعيّة أنّ العنصر البسيط لا ينعدم، لأنّه ليس مركّبًا من العناصر بل هو مجرّد عنها ومنزّه عن الطّبائع. ولمّا لم يكن مركّبًا من العناصر فهو إذًا لا يتحلّل. أمّا الكائنات المركّبة من العناصر فعرضة للانعدام. وهو يقولون مثلاً إنّ الذّهب لا ينعدم لأنّه بسيط وليس مركّبًا، ولمّا كان عنصرًا واحدًا وليس مركّبًا فإنّه لا يتحلّل ولا ينعدم. إلاّ أنّ أهل الحقيقة متّفقون على أنّ كافّة الموجودات المادّيّة لو دقّقت وحقّقت لتبيّن أنّها مركّبة حتّى ولو أفتى فلاسفة الزّمان بأنّها بسيطة.

ولمّا كانت الرّوح الإنسانيّة غير مركّبة من العناصر المتعدّدة وليست داخلة في نطاق المركّبات فإنّها لا تنعدم ولا تتحلّل. وكذلك إذا نظرنا في الآثار المترتّبة على الوجود: فالشّيء الموجود له أثر، وأمّا المعدوم فلا أثر له على الإطلاق. واستنادًا إلى هذا المبدأ نلاحظ النّفوس المقدّسة وكيف أنّ آثارها ما زالت باقية في جميع العوالم. وكيف أنّ تأثيرها في عالم العقول والنّفوس ما زال باقيًا وثابتًا. ومن أمثلة ذلك آثار السّيّد المسيح. فهي ما زالت ظاهرة وباهرة ممّا يدل على أنّ روح المسيح موجودة وتترتّب على وجودها هذه الآثار. إذ لا يمكن أن يترتّب على المعدوم أيّ أثر. إذن فالرّوح الّتي لها كلّ هذه التّأثيرات موجودة فعلاً ولا يمكن أن تكون معدومة. وجميع الكتب السّماويّة تنطق بهذا.

لو تأمّلنا في الكائنات الموجودة نجد أنّ الجماد ينتهي بالنّبات والنّبات ينتهي بالحيوان، والحيوان ينتهي بالإنسان، والإنسان أيضًا له حياة عنصريّة قصيرة الأمد. فلو كان الإنسان يحيا هذه الأيّام القصيرة ثمّ يموت وينتهي لكان هذا العالم عبثًا باطلاً.

جميع الكائنات اللاّمتناهية صادرة عن الجماد. والنّبات أخصّ من الجماد، والحيوان أخصّ من النّبات، والإنسان أخصّ من الحيوان. فالكائنات إذن تنتهي بالإنسان. والإنسان أشرف الكائنات. فلو كان هذا الإنسان هو الآخر يحيا في هذا العالم حياته القصيرة هذه في منتهى التّعب والمشقّة ثمّ يمضي وينعدم لكان عالم الوجود هذا محض أوهام وسراب لا نهاية لهما. فهل من الممكن أو المعقول أن يكون هذا الكون اللاّمتناهي على هذا النّحو من العبث وعدم الجدوى؟ إنّ كلّ طفل يدرك أن لهذا العالم اللاّمتناهي حكمة، وأنّ لهذه الكائنات العظيمة سرًّا وثمرًا، وأنّ لمصنع القدر هذا فائدة ومنفعة، وأنّ لهذه المبادئ نتيجة. وإلاّ فهي خسران في خسران. إذًا تبيّن أنّ بعد الحياة النّاسوتيّة حياة ملكوتيّة وأنّ روح الإنسان باقية والفيوضات الإلهيّة غير متناهية.

أمّا المادّيّون فيسألون أين هذه الرّوح؟ فنحن لا نرى شيئًا ولا نرى روحًا ولا نسمع صوتًا ولا نشمّ رائحة. إذن فالرّوح لا وجود لها. بل إنّها معدومة. هكذا يقول المادّيّون أمّا نحن فنقول: إنّ هذا الجماد دخل إلى عالم النّبات فنشأ ونما وفاز بالقوّة النّامية وارتقى ودخل في عالم آخر وأصبح شجرة. وإنّ جهل عالم الجماد بذلك لا يقوم دليلاً على أنّ عالم النّبات غير موجود، إذ لا يمكن الحكم على انعدام عالم النّبات بأنّ الجماد لا يحسّ به، أو بأنّه ليس لديه استعداد لإدراك عالم النّبات.

وهذا النّبات يدخل العالم الحيواني ويرتقي. غير أنّ الأشجار لا تحسّ بذلك. لأنّ النّبات لا علم له بعالم الحيوان. وكأنّما لسان حاله يقول: أين عالم الحيوان فأنا لا أحسّ به. في حين أنّ عالم الحيوان موجود فعلاً.

وكذلك فإنّ الحيوان لا علم له بعالم عقل الإنسان، وقد يقول وهو في عالمه الخاصّ، أين العقل؟ أين روح الإنسان؟ ولا يقوم قوله هذا دليلاً على أنّ روح الإنسان لا وجود لها.

إذن فالمرتبة الأدنى لا تدرك المرتبة الأعلى منها. مثل ذلك مثل هذا الورد الّذي ليس لديه إدراك بعالمنا، ولا يعرف أنّ هناك عالمًا إنسانيًّا أيضًا. وقد يقول في رتبته الخاصّة: أين العالم الإنسانيّ فإنّني لا أرى ذلك العالم. ولا يمكن أن يتّخذ ذلك دليلاً على عدم وجود الإنسان.

فإذا كان المادّيّون غير مدركين للوجود الملكوتيّ فإنّ عدم إدراكهم له لا يقوم دليلاً على انعدام الوجود الملكوتيّ. بل إنّ الوجود النّاسوتيّ في حدّ ذاته دليل على الوجود الملكوتيّ. ذلك لأنّ الفناء في حدّ ذاته دليل على البقاء. فلو لم يكن هناك بقاء لما كان هناك فناء. والظّلمة

في حدّ ذاتها دليل على النّور، والفقر في حدّ ذاته دليل على الغنى. فلو لم يكن هناك فقر لما كان هناك غنى. والجهل في حدّ ذاته دليل على العلم. ولو لم يكن هناك علم لما كان هناك جهل. ذلك لأنّ الجهل هو فقدان العلم، والفقر هو فقدان الغنى، والظّلمة هي انعدام النّور، والعجز هو عدم القدرة، والضّعف هو عدم الاستطاعة.

وهكذا فالفناء نفسه دليل على البقاء. ولو لم يكن الفناء لما كان البقاء، ولو لم يكن الغنى لما كان الفقر. ولو لم يكن العلم لما كان الجهل. ولو كان جميع النّاس فقراء لما كان هناك فقر. وإنّما يُظهر الفقر الغنى. إذن فالفناء نفسه دليل على البقاء.

وإذا لم يكن الرّوح بقاء فلماذا تحمّل أنبياء الله ومظاهره المقدّسة ما تحمّلوا من عناء ومشقّة؟ وفيمَ قبل السّيّد المسيح هذه الصّدمات والبلايا على نفسه؟ لماذا تحمّل سيّدنا محمّد كلّ هذه المصائب؟ وكيف ارتضى حضرة الباب الرّصاص يطلق على صدره المبارك؟ ولأيّ شيء تقبّل الجمال المبارك على نفسه كلّ هذا الزّجر والبلاء والحبس والعذاب؟ فما الدّاعي إلى تحمّل كلّ هذه المشقّات طالما أنّ الرّوح لا بقاء لها؟! أمّا كان من الأفضل إذن للسّيّد المسيح أن يقضي أيّامه في فرح وسرور؟ لأنّ الرّوح باقية تقبّل السّيّد المسيح كلّ هذه الآلام والمحن.

ولو كان للإنسان أدنى مستوى من إدراك فإنّه لفكّر وقال لنفسه إنّ هذا العالم عالم وجود لا عالم عدم. وإنّ الكائنات ترتقي على الدّوام من رتبة أدنى إلى رتبة أعلى من رتبتها. فكيف إذًا يتوقّف التّرقّي؟ ومع ذلك نرى من يقول بأنّ الرّقيّ من لوازم الوجود يقول أيضًا بانقطاع هذا الرّقي!! ذلك لأنّه لا علم له بشيء على الإطلاق مثله مثل الجماد الّذي يقول إنّ عالم الإنسان لا عين له ولا أذن ولا شمّ يتذوّق به رائحة هذا الورد. والسّرّ في ذلك أنّ في عالم الجماد لا يحتوي وجود غير الوجود الجماديّ. وهذا من نقص الجماد ولا يقوم دليلاً على أنّه ليس هناك وجود غير الوجود الجماديّ.

فعن الجهل يتساءل هؤلاء المادّيّون: أين عالم الأرواح؟ أين الحياة الأبديّة؟ أين الألطاف الإلهيّة الخفية؟ إننا لا نرى من ذلك شيئًا. فمثل هؤلاء مثل الجماد إذ يقول أين الكمالات الإنسانيّة؟ أين العين؟ أين الأذن؟ وهذا من نقص الجماد.

ولنعلم علم اليقين أنّ هذه الحواس الجسمانيّة ليس لديها الاستعداد لكي تدرك العوالم الرّوحانيّة. غير أنّ قوّة الإدراك تعقل هذه العوالم، والعقل الكلّيّ الرّبانيّ يفهمها، والبصيرة الإنسانيّة تشاهدها، وأذن الرّوح تستمع إليها.

أمّا هؤلاء المادّيّون فهم الّذين أشار إليهم السّيّد المسيح بقوله: “لهم عيون ولكن لا يبصرون بها، ولهم آذان ولكن لا يسمعون بها، ولهم قلوب ولكن لا يدركون بها”. كما قال

إشعياء في الأصحاح السّادس: “أنتم تسمعون ولكنّكم لا تفقهون وأنتم تبصرون ولكنّكم لا تدركون”. ويقول الله تعالى في القرآن: “صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون”.(حضرة عبد البهاء)

وكيف يتسنّى للعين العمياء أن تشاهد الشّمس، أو للأذن الصمّاء أن تستمع إلى اللّحن الجميل؟! مصداقًا لقول سنائي الحكيم:

موقع الرّمز والسّرّ الإلهيّ عند الجاهلين

كعزف العود عند الأصمّ والمرآة عند الأعمى

لا تعليقات

اترك رد