التنمية البشرية بين الواقع و المأمول

 

تمتلئ كتب “التنمية البشرية” بقصص النجاح الفردية “المُلهمة” وقصص الكفاح “المثيرة و رائعة”، لمشاهير العالم وأثريائه وقادته، الذين نجحوا في “إيقاظ العملاق الذي بداخلهم”، و” الوصول إلى قمة جبل “، و”قهر المستحيل وتحقيق الحُلم “، و” تسلق سلم النجاح و صناعة الفارق “، ونقش أسمائهم في “سجل الخالدين و الخالدات”، إلى آخر هذه العبارات المنمّقة، الّتي تدغدغ المشاعر فقط والتي لا حصر لها في الكتاب لدرجة أنك من الممكن أن تشتري الكتب وأنت مغمض العين وبثمن أغلى لأنك كلك ثقة واقتناع بأنك ستصبح “سوبر مان/ ومن” قادر على ترويض البشر والتعامل معهم بشتى اتجاهاتهم المختلفة لتحقق ثرواتك الطائلة ومكانة اجتماعية مرموقة.

يقول مؤلفو تلك الكتب إنهم يعرضون هذه القصص بهدف التحفيز ودفع فئة الشباب والشابات تحديداً، إلى تقليد الناجحين وعدم الاستسلام للفشل واليأس، ولرفع همتهم وروحهم المعنوية. ولا شكّ أن العديد منها مُلهم جدا فعلا. لكن المشكلة الحقيقية هي حين تُستخدم هذه القصص كأدلّة على أنّ النجاح ممكن رغم كل شيء، أيّا كانت الظروف وأينما كانت، وأنّه لا حُجّة للشخص بعدم تحقيق طموحه إلا أنّه لم يبذل الجهد اللازم لذلك ، لكننا إذا تمعنا قليلا في نوعية هذه القصص، نجد أن غالبيتها صُنعت في الغرب (هكذا رأيت من قراءتي عدة كتب مترجمة، ولاطلاعي على بعض ما ينشر عبر شبكة الإنترنت)، أي أنها حدثت في “بلاد الفرص”، حيث الإمكانات الهائلة، واللامحدودة للبحث و الإبداع ، وحيث يستطيع أي مجتهد مثابر أن يحقق نجاحات يومية كثيرة وفي مجالات مختلفة من حياته.

من أفضل ما قرأته في نقد هذا التصوّر، هو كتاب “المتميّزون” للكاتب لإنجليزي-الكندي ، مالكوم غلادويل، والذي يحاول فيه بمقاربة ذكية و موضوعية وممتعة جدا أن يغيّر من تصوراتنا التقليدية البسيطة و المحدودة عن النجاح، إذ يريد أن يلفت نظرنا أن قصص النجاح التي اعتدنا سماعها طوال حياتنا المليئة بالكفاح والعبقرية ليست كما تبدو لنا؛ انجازا فرديا دون تدخل البيئة والعوامل الخارجية بل أن العاملين السابقين يوازيان الموهبة الشخصية إن لم تفوقهما . ويضرب مثالا تلو آخر ليثبت نقطته مرورا بفرقة البيتلز وبيل غيتس الذي ينحدرمن عائلة غنية استطاع بسببها أن يدخل لأحد مختبرات الكمبيوتر النادرة في ذلك الزمان ويتدرب ويتعلم أي لولا هذه الفرصة وتمكنه من الجلوس لساعات لما طلع علينا بل غيتس. منوّها إلى كل أولئك الذين بذلوا الكثير ولم ينجحوا ببساطة لأن العالم غير عادل ولأن علينا أن نبني مجتمعات أكثر تكافؤا في منح الفرص لأفرادها.

كما أن “مساق العدالة” الذي يقدمه بروفيسور الأخلاق السياسية مايكل ساندلي من جامعة هارفرد، يناقش هذه المسألة بدقّة وعمق، وبأسلوب ممتع وبسيط يدفع الفرد إلى التفكير في معضلات أخلاقية تواجه حياتنا اليومية داخل السؤال الأكبر والأهم، وهو سؤال العدالة ومعضلاتها وحقيقتها وإمكانية تحققها ووجودها على أرض الواقع.

على صعيد آخر، لا يحفل البعض أحيانا بالمعنى الأخلاقي أو الاجتماعي للنجاح الفردي، وهذا أمر مثير يبيّن نظرة البعض لأنفسهم وفكرتهم لمفهوم “تحقيق الذات”، سواء كان ذلك نابعا من ووعي الفرد بكينونته أو تصورا معينا يكتسبه الفرد من خلال التفاعل الاجتماعي ويجعله إطارا لذاته او من تأثّره بشكل العالم ككلّ. وهنا أذكر مقولة للاعب الألماني ماريو جوتسه: “أنا لست نجما فوق العادة كما يشبهني البعض، وكل ما في الأمر أن عملي يُعرض على شاشة التلفاز، أعتقد أن أن أشخاص مثل الأطباء والممرضات هم الأبطال الحقيقيون وليس لاعبي كرة القدم، فكرة القدم تسبب السعادة للناس، لكنها ليست حياة أو موت مثل مهنة الأطباء والممرضات الذين ينقذون الأرواح ويقومون بأشياء أكثر أهمية بكثير مما نقوم به نحن لاعبي كرة القدم، و هم من يستحقون هذا المديح، أنا فقط رجل محظوظ لأنني استطعت تحويل هوايتي إلى مهنة.” (من الواضح جدا وعيه وإيمانه الكبير بهذا المعنى للنجاح)

هذا يعني، من وجهة نظري، أن غالبيتها قصص نجاح عادية وليست ” محفزة” ، كما يعتقد البعض وأن إمكانية تكرارها حرفيا في أماكن أخرى ليست بالأمر اليسير ، إلا إذا توفرت الشروط والإمكانات نفسها. ففي المناطق الفقيرة و المُعدمة، لا توجد “قمم” أصلا، كي يتسلّقها الشاب، والعملاق الذي بداخلهم، إما أن يكون قد هرم ومات، أو فرّ إلى الخارج منذ زمن، ولا جدوى من محاولة إيقاظه. وعليه، يتحول عرض هذه القصص بشكلها الحالي إلى “أدوات تعذيب نفسي ” للشباب، بدلا من أن تصبح “أساليب تحفيزو التشجيع “.

حاليا اقرأ كتاب ( نقطة تركيز) للمستشار والكاتب الامريكي برايان تريسي، وهو كتاب قيم للغاية يحتوي قصص نجاح كثيرة،لكنني حينما أفكر بأن إطلاع بعض الشباب في منطقة منكوبة “كدرعا” مثلاً، على محتوى هذه القصص وما تشمله من معان وأفكار ، قد تشكل دافعا للشباب وطاقة للاستمرار في الحياة ومواجهة العقبات ورفع همّتهم وعزيمتهم، أجد أن الأمر مثير للسخرية والضحك ، بل أرى أن العكس صحيح؛ بمعنى أن نشر بعض قصص النجاح في البلاد المنكوبة، هو القادر على تحفيز باقي شعوب العالم، لأنها ستكون بصدق قصصاً إيجابية.

فقصة نجاح شاب في بيئة فقيرة معدمة الفرص، هي القادرة على إلهام الشباب في مختلف بقاع الأرض، وتحفيزهم لأهداف عالية من خلال تعريضهم لقدوة ناجحة في المجتمع ، لأنه سيكون كالكف التي ناطحت المخرز، وانتصرت عليه.

حبذا لو اتجه ” جهابذة ” التنمية البشرية العرب، وما أكثرهم اليوم، إلى تدوين التجارب المحلية، والتوقف عن اتحافنا بالقصص المترجمة، عن كيفية جمع بعض أصحاب المليارات أموالهم، فتلك القصص “مُلهمة” لشباب تلك البلاد التي وقعت أحداثها فيها فقط. ونتمنى أن يتوقفوا كذلك عن ترديد العبارات الممجوجة، فالشباب ليس بحاجة إلى من “يُنظّر” عليه، ويتهمه ضمناً بالفشل والكسل، ولا إلى من يطلب منه أن “يصعد الدرج بسرعة، من دون أن يتأمله”، ولا من يعلّمه كيف يكون أكثر تفاؤلاً وإيجابية.

ومن الجدير بالذكر أن حديثي لم يتضمّن بعدُ تلك النجاحات التي ليست سوى فقاعة هلامية كبيرة ، حيث يلعب الدور الأكبر في صناعتها الإعلام وبعض الجهات المستفيدة من تلميع الأشخاص الفارغين بمعنى الكلمة، وصنع أبطال منهم، وتمجيد أفعالهم، أو اللذين يسبق صيتُهم حقيقةَ حالهم بمراحل.

هذا بالطبع ليس تقليلا من قصص النجاحات الفردية التي أنشأت مشاريعها الصغيرة اوالمتوسطة وباتت نماذج ريادية،وليس تقليلا من السعي بل تأكيد عليه، لكنه دعوة لتوسيع مفهوم النجاح، والرضا بعد بذل الجهد، مما يجعل الإنسان (نسيج وحده) بمعنى أنه يعيش حياته ويعرف ما يريد ويرضى عمَّا حقَّق بعد أن عمل بجد، ف”لا يكلّف الله نفسا إلا وُسعها” وهو ما جعلني أفهم قوله جل في علاه : “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”، ولم يقل ما تحصّل عليه من نتيجة مثلا.

الإنسان بسعيه وبمحاولاته المستمرة لبلوغ الهدف المنشود، أي الرحلة بمواجهة مطبات الطريق لا بحيث أنت ولا بحيث ستكون الأهم أنك لم تستسلم.

لا تعليقات

اترك رد