الارهاب يستهدف المساجد في مصر

 

إن الإرهاب لم يعدو يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة أو رجال الأمن، بل أصبح يستهدف دور العبادة. ولم يبال الإرهابيون بقدسية المسجد، أو وجود مصليين يوم الجمعة، وإنما قتلوا الشهداء بدماء باردة، وقلوب وعقول لا تعرف على الإسلام سوى اسمه، ولا عن المصحف سوى رسمه، هؤلاء الإرهابيون الذين يتاجرون بالدين ويقتلون باسمه، ظناً منهم بأن الطريق للجنة بهذه الجرائم الخسيسة.

أن هذه الحادثة لن يزيد الوطن بكل أطيافه إلا مواصلة السير والتصميم على الاستمرار في مواجهة الإرهاب الذي يستهدف الأمن والاستقرار، لم ينحصر الأمر على المساجد، وإنما طالت كنائس مصر سلسلة من التفجيرات والحوادث الإرهابية الجبانة، فلا أحد ينسى حادث استهداف الكاتدرائية فى منطقة العباسية بالقاهرة، ولا أحد ينسى حادث استهداف كنيستي طنطا والإسكندرية، تلك الحوادث الثلاث الذين أسفروا عن سقوط المئات من الشهداء، الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة داخل دور العبادة، حيث خالطت أصوات الترانيم أصوات الانفجارات.

دور العبادة، باتت فى مرمى نيران الإرهاب، سواء المساجد أو الكنائس، فلم يفرق الإرهابيون بين الاثنين، فالجميع نالته يد الغدر، وطالته يد الإرهاب، الذى يقتل ويفجر ويرتكب كافة الموبقات باسم الدين وتحت ستار الدين، من خلال أشخاص لم يعملوا العقل، وإنما تربوا على مبدأ السمع والطاعة.

أن استهداف مسجد الروضة يأتي تزامنًا مع احتفالات الطريقة “الجريرية الأحمدية”، الذى يعتبر أحد المساجد التابعة للطريقة الجريرية، حيث يأتي المئات من المحتفلين من محافظات مصر بأجمعها، خاصة محافظة الشرقية إلى القرية فى هذا التوقيت لإقامة الاحتفالات. وأضاف بعض مواطني قرية جرير أن الطريقة الجريرية الأحمدية، هي إحدى الطرق الصوفية فى مصر، والتي يكفرها الدواعش ويعتبرون أتباعهم مشركين بالله، ويحلّون قتلهم أينما كانوا، بحسب رواية الأهالي. وتعتبر الجماعات المسلحة فى سيناء، أن الطريقة الجريرية من الطرق المبتدعة، وأنهم من أصحاب البدع والضلال، وقد حدثت قبل ذلك مناقشات بين الجماعات المسلحة التى كان أغلب قادتها من المتشددين، وبعض أفراد من الطرق الصوفية الجريرية، والتي كفّرت على إثر ذلك الجماعات الوهابية التى ينتمى معظم أفرادها إلى الجماعات المسلحة. كانت الجماعات المسلحة قد اختطفت عددًا من مريدي الطرق الصوفية جنوبي رفح والشيخ زويد، أفرجت عنهم مؤخرًا بعد استتابتهم وإغلاقهم الزوايا ومنع الذكر والأوراد الجماعية التى اعتبرتها الجماعات المسلحة نوعًا من الشِرك أن هذه الحوادث الجبانة التى تستهدف دور العبادة،

تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن هؤلاء الإرهابيين فقد العقل والمنطق، ولم يعودوا يعرفون شيئا عن الإنسانية، ولا يعرفون شيئا عن الدين، فهم يقتلون الأبرياء ويستهدفون دور العبادة، ثم يتحدثون عن الدين وأيدهم ملوثة بالدماء، فهم الآن مثل الطائر الذبيح الذى يرقص رقصة الموت ولا يشعر بنفسه.

تراجع دور بعض التنظيمات الجهادية في سيناء والتي كانت تتمتع بشهرة وتواجد قوى في الماضي، حيث يبدو أن هذه التنظيمات اندمجت مع تنظيم أنصار بيت المقدس، أو على الأقل بدأت تعمل تحت لوائه على الأقل.. لذلك يمكننا القول أن اندماج أنصار بيت المقدس مع تنظيم داعش الارهابي هو نموذج عملي في كيفية تفاعل تنظيم داعش مع الجماعات الجهادية المحلية في البلدان أخرى، ومثل الشركات الدولية، كان تنظيم داعش يوفر الموارد ويحصل على قيمة ترويجية في المقابل.

لقد استفادت جماعة أنصار بيت المقدس، من اندماجها بتنظيم داعش الارهابي لجهة كسب المزيد من المتعاطفين والانصار الى صفوفها فضلا” عن تأمين الحواضن والمضافات لعناصرها في سيناء . ولابد من الاشارة ايضا” أن مبايعة تنظيم بيت المقدس لزعيم داعش ابو بكر البغدادي سهل له إقامة شبكة علاقات مع عدد من التنظيمات السلفية الجهادية في المنطقة، مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” والتنظيمات الجهادية في سوريا والعراق، وكذلك مع الجماعة الإسلامية في ليبيا وخاصة في مناطق الحدود، مما جعل مصر محاصرة بالتنظيمات الجهادية من الشرق والغرب، وهو ما مثَل خطراً حقيقاً على الأمن القومي المصري.

منذ بزوغ تنظيم داعش في ساحة الاقتتال المسلح بالشرق الأوسط قبل ثلاثة أعوام، اعتمد التنظيم الإرهابي على شعار “التمدد والبقاء”، و وجد تنظيم داعش الارهابي من خلال تمركزه في سيناء أهم ركائز تمدده وبقاءه، من خلال إنتاج أنماط جديدة من الضغوط على الدولة المصرية، باستهداف الطوائف والأقليات الدينية ، وانتهاج العنف المسلح، والإرهاب الطائفي ، بهدف ادخال المجتمع المصري في حلقة مفرغة من العنف الطائفي .

ان تصاعد العمليات الارهابية في سيناء من الناحية النوعية تطرح دلالات عدة منها أن تنظيم داعش الارهابي في سيناء لديه الإمكانية للتحرك على جبهات مختلفة كتنظيم قوى وقواعد منتسبيه ومواليه مدربة بدرجة عالية، ولديه جهاز معلوماته الخاص، كما أن تمويله لعمليات كبيرة و بنوعيه الأسلحة المستخدمة فيها ، مؤشر آخر على أن الجهاز المالي لهذا التنظيم ضخم. ربما كان أحد روافده عملية بيع النفط من المناطق التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا .

ومن الجدير بالذكر ان الطبيعة الجغرافية والاجتماعية في سيناء كمنقطة “بدو” تتراجع فيها ثقافة استيعاب فكرة “الدولة”، فضلا” عن حصاد السياسيات الأمنية من عهد مبارك، وحسابات التحولات الجديدة التي واكبت سقوطه، من استفحال ظاهرة التكفير المقترنة بتنامي “السلفية الجهادية”، وانتعاشها في ظل حكم “الإخوان المسلمين” وتكوينها شبكة تحالفات ضمت عديد من التيارات الأصولية والسلفية الجهادية ، تشكلت حاضنة مثالية لأفكار التطرف، راجت معها تجارة السوق السوداء التي يحكمها طبقة من مشايخ القبائل الجدد أثرياء الأنفاق وأثرياء التهريب وأثرياء الجهاد، وهي فئات بعضها ينمو طبيعيا على حدود الدول، إلا أن غياب الضوابط والنظام في سيناء وعلى الجانب الآخر الفلسطيني غذّى هذه الأنماط بشكل كبير .

ولا يجب أن نندهش من التواصل والتعاون داخل الجماعات الإرهابية وبين الجماعات وبعضها بعضًا، فهناك أدلة وفيرة على وجود معسكرات تدريب للإرهابيين فى كوبا ولبنان -كما فى الدراسات السابقة- فى الكثير من الدول ذات التوجه الشيوعي، أحد أكبر تجمعات الإرهابيين والجماعات الإرهابية حدث فى بنغازي/ليبيا سنة 1983، حيث قام العقيد معمر القذافي بدعوة أكثر من 1000 من ممثلي منظمات مختلفة مثل منظمة التحرير الفلسطينية وجماعة أبو نضال والجيش الجمهوري الايرلندي، ومنظمة فِلان، وجيش التحرير الأسود، والحركة الأمريكية الهندية، وجماعة أمة الإسلام، والكثير من الإرهابيين الآخرين غير المنتمين لجماعات معينة.

الدولة كائن اجتماعي لأن أحد أهم مكوناتها هم البشر الذين تجمعهم روابط مشتركة، فكان عدد الدول بين الحربين العالميتين 40 دولة ارتفع العدد في الوقت الحاضر إلى أكثر من 185 دولة. إن التنظيم الإرهابي صعد من هجماته خلال الفترة الأخيرة ضد المدنيين بسبب إفلاسه والضربات الكبرى التي تلقاها، حيث لجأ لذرع العبوات الناسفة أمام بيوت المدنيين وسياراتهم، خاصة المتعاونين مع الدولة والأمن وان “التنظيمات الإرهابية لم تعرف الدين ولا تعليماته، وهو ما جعله يستهدف المساجد”.

وفي بداية العام الحالي 2017، وجه ما بـ”أمير مركز الحِسبة” في حوار بمجلة التنظيم “النبأ”، تهديدًا شديد اللهجة إلى صوفيي سيناء يقول: “اعلموا أنكم عندنا مشركون كفار، وأن دماءكم عندنا مهدرة، ونقول لكم أننا لن نسمح بوجود زوايا لكم في ولاية سيناء”. وان” تهديدات داعش للصوفية عقائدية، يراها التنظيم في تعامله مع التيار الصوفي، حيث يعتبر منهجهم من الشركيات التي تخالف الإسلام، ويكره شيوخ سيناء ويعتبرهم مصدر خطر دائم له، فضلًا عن اتهامهم بالتعامل والتقرب من أجهزة الأمن”.

كانت الجماعات المسلحة بسيناء قد قامت باستهداف أفراد من الجريرات وتم ذبحهم وإلقاء جثثهم بنهر الطريق، ولم يكن أحد يتوقع أن يتم استهداف المركز الرئيسي للطريقة الجريرية الصوفية. يذكر أن قرية الروضة التي شهدت الحادث المروع تتبع مركز بئر العبد التابع لمحافظة شمال سيناء، ويبلغ سكانها نحو 2500 نسمة وتقع تحديدًا غرب مدينة العريش وتبعد عنها 20 كيلو مترًا..

ويثبت التفجير الأخير أنهم يستهدفون وطنا ومواطنين في العموم، دون تمييز بسبب دين أو طائفة، فقد استهدفوا مسجد ومصلين في صلاة الجمعة ويبقى هدف الإرهاب الأكبر استنزاف الدول وتأزيم المجتمعات وتفجيرها، فهذه السيناريوهات المختلفة تجتمع على خدمة الهدف الأكبر وهو صناعة التوحش وإنهاك الدول، ومن ثم إدارة الفوضى بادعائها الدولة! كما أن الحضور الإعلامي وتصدير الخوف والإرباك الأساس والهدف الأول الذي يستهدفه «داعش» وأخواته، وأينما تيسر تحقيقه، بغض النظر عن هوية ضحيته الدينية أو الطائفية، فالجميع في عرف الإرهاب مرتدون كافرون، وقد روى أحد عناصر «القاعدة في السعودية» يوما أن أميره كان يأمره ببث بيانه على «يوتيوب» وتقديمه على صلاة الجماعة! إن من هذه الفتن والبلايا والمحن والرزايا التي ابتليت بها الأمة ما ظهر في وقتنا الحاضر من الفتن المدلهمة والنوازل المظلمة الجمّة التي تجعل الحليم حيرانا، وتولج في القلب حرقة وأسى وتبوء بأهلها ودعاتها خسرانا”.

لا تعليقات

اترك رد