لا نامت عيون الغرباء !!

 

جمعتني صدفة مهجرٍ بصديق قديم لي كان صحفياً يفاخر على الدوام بأنه مربوط الى مدينته الموصل بعقد مكوثٍ مدى الحياة، وأنها التي تسكنه وليس هو. وترهقه حد الوجع ساعات سفره بعيداً عنها، ويستبشر بـ(تلول الباج ومفرق السد وحميدات والخازر)* لأنها تقترب منه. ينفخ رئتيه بنسيمها ويقول عبارته الشهيرة(ماكو مثل هواها). كان يتباهى أيضاً بأنه الوحيد الذي بقى من أهله في الموصل، بعد ان توزعتهم المنافي والمهاجر خلال حرب إيران أو زمن الحصار الأمريكي أو بعد السقوط الأول في 2003 وانهيار الامن بعد ذلك. وكان يرد على من يلح عليه بالرحيل: ” ولدت وتعلمت وعملت وتزوجت هنا، ولن أموت إلا فيها”.

بدا عليه الخجل عندما ذكرته بذلك وبإحراج الناكثين لعهودهم ظلت عيناه على الأرض ولا أدري إن كانت روحه في تلك اللحظة تطوف شوارع وأزقة المدينة كما أتخيلها تفعل كلما طرا على بالي، سمعته يقول بصوت خافت: ” لم يخرجني منها سوى الموت”.

لم أفهم ما يعنيه، وظننت ان أحداً قريبا منه قد مات وربما التقط هو بنظرة خاطفة إستغرابي ، فتابع دون ان ينظر ناحيتي: ” كل ما عشته خارجها، عمر إضافي منحه الله لي، يجري بلا رغبة مني. لذا فمن يحدثك الآن مجرد ميت”.

ابتسمت لما اعتقدته مبالغة عاطفية، وواحدة من المثاليات التي يطلقها المهاجرون أحيانا لطرد الملل وعزلة الغربة. لكنه ادخلني واقعه وراح يتحدث دون توقف: ” مجرد أن تتغير حياتك كليا بعد الاربعين، هو موت حتى وإن لم يقر به صاحبه”.

نظر الي هذه المرة، وكان بوسعي أن المح الجدية في عينيه: ” الأرض، المجتمع، اللغة، التقاليد والعادات، الهواء الماء كل شيء تبدل، وصار علي ان اتعلم كل شيء تقريبا من البدايةـ لذا فأنا الذي أمامك ليس الذي عرفته طوال تلك السنوات”.

هززت رأسي في إشارة للفهم. أشار الى صدره: ” فقط هذا الجسد هنا، لكن غالبا ماتجدني هناك، في سراديبها، وتلالها، أو على ضفاف شطآنها”.

مد ذراعه وشد قبضته كمن يلتقط شيئا في الهواء: ” حتى الموصل تغيرت مثلي”.

ثم تابع وهو يرخي قبضته امام وجهي: ” لاشيء بقي من معالمها التي حافظ عليها اليهود والمسيحيون والمسلمون قرناً بعد آخر. لم تبق ممحاة داعش شيئاً من ماضيها وأتت حرب تحريرها على حاضرها وشيء من غدها”.

سرنا انا وصحابي مطولاً دون هدف، أستمع الى دفق الحزن الذي تسرب مع كلامه عن الخذلان الذي اصابه من اناس أو مؤسسات اعلامية عمل لصالحها سنوات طويلة في الموصل، وكيف أنه عاش خلال الاشهر الثمان الأخيرة أصعب فترة من حياته. وأنها السنة الوحيدة التي توقف فيها عن العمل الصحفي بعد عقدين كاملين قضاهما وبنحو يومي بين الاخبار والتقارير والتحقيقات والمقالات والمقابلات”.

قال بأنه كتب عن كل شبر في الموصل. مساجدها كنائسها تلالها،عادات سكانها وتقاليدهم. الحروب التي مشطت أرضها. ساعات سلامها النادرة بين الحرب والحرب. قال بأنه يعرف اسماء الاحياء والأزقة والأسواق والجسور والعائلات ويعرف اختلاف اللهجات من حي الى حي، ويتقن لغات الاقليات ويعرف طقوس ابنائها وتقاليدهم.

ضحكت كثيرا عندما سمعته يتمثل بخالد ابن الوليد :” ليس في جسمي موضع إلا وفيه طعنة رمح او ضربة سيف وها أن اموت في المهجر ميتة البعير، لا نامت عيون الغرباء !!! “.

· بلدات تحيط الموصل

لا تعليقات

اترك رد