رسائل الوسائل


 

الجميع سمع بخماسية مسار الخطاب الاعلامي الشهيرة – المرسل – المستقبل – الرسالة – الوسيلة – رجع الصدى ، ويضاف لها التأثير الذي يتصل الى حد ما برجع الصدى .
هذه الخماسية تتاسس عليها جميع النظريات والتحولات التي حدثت في عالم الدعاية والاعلان والاعلام والـثير في الراي العام .
مرة يكون المرسل هو المهم ، الرسالة ينتجها المرسل ، وتوصله الوسيلة الى المستقبل وغالبا مايؤثر التاثير الذي يقرره المرسل ، المرسل الذي هو هنا السلطة والقوة وفرض الارادة ، ومرة تكون الرسالة ، الرسالة هي الاساس ، ولذلك فان المرسل اقل قوة من الرسالة لانها تمر بمراحل من الاعداد والتحرير والتدخل حتى وان كان نسبيا من قبل مايسمى حراس البوابات التي تمر من خلالها الرسالة الى الوسيلة ثم الى المستقبل .
الذي حدث من تطور على هذه الخماسية قضيتان كبريان في التاريخ ، الاولى في تاثير الوسيلة نفسها على الرسالة والخطاب ، فمع ابتكار الطباعة التي احدثت ثورة في التدوين ثم الراديو التلفزيون واستحداث اليات جديدة لانتاج الاخبار والبرامج اصبحت الوسيلة هي الاساس تتدخل وتنقل وتضيف وتؤثر وتخرج احيانا عن زمام المرسل الذي يسعى لخطاب محدد وتأثير مشخص مطلوب .. وايضا مع المستقبل الذي اصبح مربكا امام سيل الادلة والصور وسرعه ايصال الرسالة . واصبحت وسائل الاعلام تتحكم بقوة شديدة في تحديد اولويات الجمهور ، بما استخدم سياسيا وسلعيا خلال قرن من الزمان على الاقل .
اريد من تبسيط قصة الاعلام والراي على هذا النحو في زاويتي هذه الوصول الى اهم ما اثارة المفكر الكبير وصاحب مقولة اصبح العالم قرية صغيرة (مارشال ماكلوهان ) وهو ما اسماه ب ( الحتمية التكنلوجية ) فهو يرى اسلوبين للنظر إلى وسائل الإعلام : وسائل لنشر المعلومات والترفيه والتعليم. وهي ايضا جزء من سلسلة التطور التكنولوجي.
حيث ان التطور التقني لوسائل الاعلام اخذ هو ذاته ينتج المجتمعات في انماط سلوكها وحياتها ! يقول مارشال ماكلوهان( أن مضمون وسائل الإعلام لا يمكن النظر إليه مستقلا عن تكنولوجية الوسائل الإعلامية نفسها، فالكيفية التي تعرض بها المؤسسة الإعلامية الموضوعات، والجمهور الذي توجه له رسالتها، يؤثران على ما تقوله تلك الوسائل، ولكن طبيعة وسائل الإعلام التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال) وهذا كلام جريء فعلا ، وفعلا حين نطبقه على حياتنا اليومية خاصة في مجتمعات حديثة العهد مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي نرى ان وجودها وسرعه ايصال الاخبار والحوادث الشخصية والعامة من خلالها ،جعل من الفرد يقظا في لغته وازيائه وتعامله وعلاقاته لانها لم تعد في تلك الدائرة الضيقة بل اصبحت تحت مرأى الجمهور حتى وان كان يقف في طابو لشراء الخبز او يحلق شعره او يحتفل بشيء ما على طريقته الخاصة، كذلك سرعة التعاطي مع الاحداث طريقة الاعلام عن السلع والمنتجات ، اختبار الاخبار من مصادر مختلفة ، كل ذلك انتج مجتمعا مختلفا ، وبالتالي فان الزمن اليوم هو زمن الوسيلة رسائل الوسائل اكثر تاثيرا من رسائل الخطاب نفسه ، لان الخطاب سيتاخر كثيرا قبل أن تصل تاثيرات مرادفه لتأثيره ، أمام ذلك يظل السؤال المفتوح ، باية طريقة وشكل ونتائج ستصنع تكنلوجيا المعلومات شعوبا لم تساهم في انتاجها ومعرفة اسرارها؟ ، ماتفعله مجتمعاتنا بمؤسساتها التربوية والثقافية هي البحث عن منافذ وانفاق تلوذ بها من تاثيرات تلك الوسائل التي زادت من باطنية الناس واسرارها وتناقضاتها بدل ان تكون محركات للبحث عن سبل جديدة للتنمية والمساهمة مع الاخر المتقدم لصناعة المستقبل.

شارك
المقال السابقالقوارب لن تغير مجرى الأنهار
المقال التالىمركبتنا مذنب
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد